أخبار

ترامب تحت وطأة الإحراجات المتلاحقة.. من بركة الانعكاس والطائرة القطرية إلى مأزق الحرب مع إيران

ترامب تحت وطأة الإحراجات المتلاحقة.. من بركة الانعكاس والطائرة القطرية إلى مأزق الحرب مع إيران

واشنطن: يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سلسلة من الإحراجات السياسية والإعلامية التي باتت، وفق قراءة تحليلية نشرتها مجلة The Atlantic للكاتب جوناثان ليمير في 5 أغسطس/آب 2026، تترك أثرًا مختلفًا على رئيس اشتهر طوال مسيرته السياسية بقدرته الاستثنائية على تجاوز الفضائح والأزمات، بل وتحويل بعضها إلى أدوات لمهاجمة خصومه وتعزيز موقعه أمام قاعدته الانتخابية.

لكن هذه القدرة تبدو، بحسب ليمير، أقل فاعلية مما كانت عليه في السابق. فمع تراجع نسب التأييد، وتصاعد مخاوف الجمهوريين من خسارة أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني، وبلوغ ترامب الثمانين من العمر، بدأ يظهر نمط مختلف في تعامله مع الإحراج العلني، يقوم على الانفعال والبحث عن المسؤولين عن الإخفاق أو عن الأشخاص الذين يكشفونه، ثم توجيه الهجوم إليهم.

ويستند المقال إلى مجموعة من الوقائع التي شهدها الصيف الحالي، تبدأ من مشروع ترميم بركة الانعكاس في واشنطن، مرورًا بالجدل الأمني حول الطائرة الرئاسية البديلة التي قدمتها قطر، وصولًا إلى الملف الأكثر خطورة بالنسبة للرئيس الأمريكي، وهو استمرار الحرب مع إيران على نحو مختلف عما كان يتوقعه عندما بدأت المواجهة.

بركة الانعكاس.. 16 مليون دولار تنتهي بمياه خضراء

بدأ أحد أكثر الإحراجات وضوحًا بمشروع كان يفترض أن يكون جزءًا من تحسين المشهد في العاصمة الأمريكية. فقد تجاوزت تكلفة ترميم بركة الانعكاس الشهيرة في واشنطن 16 مليون دولار، لكن المشروع انتهى إلى نتيجة معاكسة لما كان مخططًا له، بعدما تحولت مياه البركة إلى اللون الأخضر نتيجة تكاثر الطحالب.

وكان المشروع يعتمد على نظام «نانوفقاعي» مخصص للمساعدة في القضاء على الطحالب والحفاظ على نقاء المياه، لكن النتائج على الأرض لم تتطابق مع الوعود المرتبطة بالمشروع.

وبدل أن تبقى المسألة مشكلة فنية تتعلق بالمقاول أو بعملية التنفيذ، تحولت إلى قضية سياسية وشخصية بعدما اتهم ترامب العداء الأولمبي المتقاعد ديفيد هيرن بالمسؤولية عن تخريب البركة وإحداث شق يبلغ طوله نحو 250 قدمًا.

غير أن هذه المزاعم تعرضت لاحقًا للتفنيد، بعدما أظهرت المعلومات أن المشكلة لم تكن نتيجة عملية تخريب متعمدة، وإنما ناجمة عن خلل في التركيب.

ومع سقوط رواية التخريب، انتقلت المواجهة إلى مستوى آخر. فعندما أُسقطت القضية، وجه ترامب غضبه نحو المدعية العامة جانين بيرو، وهي من أكثر حلفائه ولاءً، وهاجم قرارها بالتراجع عن الملاحقة، رغم أن القرار استند إلى الأدلة الفنية المتعلقة بالقضية.

وتكتسب الحادثة أهميتها في قراءة ليمير ليس بسبب بركة الانعكاس في حد ذاتها، وإنما لأنها تقدم نموذجًا للطريقة التي بات ترامب يتعامل بها مع المواقف التي تتحول إلى مصدر إحراج علني: البحث أولًا عن شخص يمكن تحميله المسؤولية، ثم مهاجمة المؤسسات أو حتى الحلفاء عندما لا تؤيد الأدلة الرواية التي يفضلها.

الطائرة القطرية.. هدية بـ400 مليون دولار تتحول إلى مشكلة أمنية

لم تكن أزمة بركة الانعكاس سوى واحدة من القضايا التي وضعت الرئيس الأمريكي في موقف دفاعي خلال الفترة الأخيرة.

ففي قضية منفصلة، تحولت الطائرة الرئاسية البديلة التي قدمتها قطر، والتي تقدر قيمتها بنحو 400 مليون دولار، من أصل يفترض أن يكون مهمًا للرئاسة الأمريكية إلى مصدر جديد للإحراج.

وبحسب المعلومات التي تناولها المقال، سُحبت الطائرة من الخدمة أثناء وجودها قرب إيران بعدما حذرت الخدمة السرية الأمريكية من نقص في تجهيزاتها الأمنية والدفاعية، وهي القضية التي كشفت عنها صحيفة «نيويورك تايمز».

ولم تتوقف تداعيات القضية عند حدود الجدل بشأن جاهزية الطائرة، بل امتدت إلى مواجهة مباشرة بين الإدارة الأمريكية والصحيفة التي نشرت المعلومات.

فردًا على التقرير، أصدرت الإدارة استدعاءات قضائية استهدفت صحفيين في «نيويورك تايمز» بهدف الكشف عن مصادرهم السرية. ووصل الضغط المرتبط بالتحقيق إلى مستوى واسع، قبل أن تتراجع وزارة العدل عن هذه الخطوة وتسحب الاستدعاءات بعد ضغط من قاضٍ فيدرالي.

ويضع ليمير هذه الواقعة إلى جانب قضية بركة الانعكاس باعتبارهما تعبيرًا عن نمط واحد: عندما تظهر معلومات تسبب إحراجًا للرئيس، يتحول التركيز من أصل المشكلة إلى الشخص أو الجهة التي كشفتها.

في الحالة الأولى كان الاتهام موجهًا إلى شخص قيل إنه خرب البركة، ثم إلى المدعية العامة التي رفضت الاستمرار في القضية. وفي الحالة الثانية انتقلت المواجهة إلى الصحفيين ومصادرهم بعدما نشرت صحيفة أمريكية معلومات عن أوجه القصور الأمنية في الطائرة.

لكن هذه الأزمات، على الرغم من حضورها الإعلامي، تظل محدودة مقارنة بالمصدر الأكبر والأكثر استمرارًا للإحراج بالنسبة إلى ترامب: الحرب مع إيران.

حرب كان يفترض أن تستمر أسابيع

دخلت الحرب مع إيران، التي توقع ترامب أن تنتهي خلال أسابيع، شهرها السادس من دون تحقيق النصر الذي تحدث عنه الرئيس الأمريكي مرارًا.

ومع استمرار المواجهة، تحولت التصريحات الأمريكية بشأن المفاوضات واحتمالات وقف إطلاق النار إلى مصدر إضافي للضغط على البيت الأبيض، إذ واصلت إيران، بحسب المقال، تجاهل أو نفي تصريحات ترامب المتعلقة بوجود تقدم على المسار الدبلوماسي.

ويرى الكاتب أن الأمر لم يعد مجرد اختلاف سياسي بين واشنطن وطهران بشأن تقييم مسار المفاوضات، وإنما أصبح نمطًا متكررًا، إذ تعمد طهران بصورة شبه دورية إلى تقديم رواية تتناقض مع تصريحات الرئيس الأمريكي بشأن قرب التوصل إلى تفاهمات.

وبذلك أصبحت الحرب الإيرانية اختبارًا أكبر بكثير لقدرة ترامب على التحكم في الرواية السياسية المحيطة بإدارته.

فالرئيس الذي تحدث عن حسم سريع وجد نفسه أمام حرب ممتدة، بينما لم تستجب إيران بالطريقة التي كانت واشنطن تتوقعها، ولم يتحقق النصر الذي جرى الحديث عنه في المراحل الأولى من المواجهة.

ترامب اقترب من إصدار أوامر بضربات جديدة

وصلت الضغوط المرتبطة بالحرب إلى مرحلة أكثر حساسية خلال عطلة نهاية الأسبوع التي سبقت نشر المقال، عندما اقترب ترامب من إصدار أوامر بتنفيذ ضربات جديدة ضد إيران.

لكن الرئيس الأمريكي تراجع في نهاية المطاف تحت ضغط حلفاء إقليميين، من بينهم السعودية، في وقت كانت فيه المخاوف تتزايد من أن يؤدي توسيع نطاق العمليات إلى مرحلة جديدة من التصعيد الإقليمي.

وفي الوقت نفسه، استمرت الهجمات على السفن في مضيق هرمز رغم تصريحات ترامب بشأن تحقيق تقدم على المسار الدبلوماسي.

وهنا تبرز المعضلة الأساسية التي تواجه البيت الأبيض: فكلما تحدث الرئيس عن تقدم محتمل أو انفراجة دبلوماسية، تأتي التطورات الميدانية أو التصريحات الإيرانية لتضع روايته موضع اختبار جديد.

ويربط ليمير هذه الحالة بالمناخ الأوسع المحيط بالرئيس، معتبرًا أن الإحراج المستمر الناتج عن الحرب يشكل خلفية لفهم ردود الفعل الحادة التي ظهرت في قضايا أقل أهمية، مثل بركة الانعكاس والطائرة الرئاسية.

ثلاثة خيارات صعبة أمام ترامب

تضع الحرب الرئيس الأمريكي أمام خيارات لا يخلو أي منها من المخاطر.

فالخروج من الحرب من دون تحقيق نتيجة واضحة قد يعني ترك إيران في موقع إقليمي أقوى، كما يمكن أن يقدم الانسحاب باعتباره فشلًا في تحقيق الأهداف التي أعلنتها الإدارة خلال الأشهر الماضية.

أما الخيار الثاني فيتمثل في تصعيد العمليات العسكرية وتوسيع نطاق الأهداف، بما قد يشمل البنية التحتية المدنية ومنشآت الطاقة الإيرانية.

لكن هذا المسار يحمل بدوره مخاطر توسيع الحرب ورفع تكلفتها العسكرية والسياسية والاقتصادية، فضلًا عن التداعيات المحتملة على دول المنطقة وحركة الملاحة والطاقة.

أما المسار الثالث الذي يطرحه المقال فيتمثل في استمرار ترامب في توجيه غضبه نحو الأمريكيين والمؤسسات الإعلامية التي تكشف الأخطاء أو التناقضات المرتبطة بأداء إدارته.

ولا يقدم المقال إجابة حاسمة عن المسار الذي سيختاره الرئيس، لكنه يشير إلى أن طريقة تعامله مع الإحراجات الأخيرة تجعل قراراته المقبلة أكثر صعوبة في التنبؤ.

هاجس الإرث السياسي

يربط ليمير بين هذه التطورات وبين اهتمام ترامب المتزايد بإرثه الشخصي والسياسي في واشنطن.

فالرئيس بات، بحسب المقال، شديد الاهتمام بالمشروعات والرموز التي يمكن أن ترتبط باسمه وإرثه، ومن بينها البوابة الشرقية وحديقة الورود ومركز كينيدي.

وهذا الاهتمام يجعل القضايا التي قد تبدو محدودة بالنسبة إلى رئيس آخر أكثر أهمية بالنسبة إلى ترامب، لأنها تمس الصورة التي يريد أن يتركها عن فترة حكمه.

ومن هذا المنظور، لا تصبح بركة الانعكاس مجرد مشروع تعثر، ولا الطائرة الرئاسية مجرد مشكلة في التجهيزات الأمنية، كما لا تعود الحرب الإيرانية مجرد ملف للسياسة الخارجية، بل تتحول جميعها إلى اختبارات لصورة الرئيس وإرثه.

ويخلص المقال إلى أن ترامب، الذي عُرف طويلًا بقدرته على تجاوز الفضائح والانتقادات وكأنها لا تؤثر فيه، أصبح أكثر حساسية تجاه الإحراج العلني مع تراكم مؤشرات الضعف السياسي وتراجع التأييد وتصاعد القلق داخل الحزب الجمهوري بشأن انتخابات الكونغرس المقبلة.

والفارق الأساسي أن نتائج هذا التحول لا تتوقف عند طريقة تعامل الرئيس مع خصومه في الداخل. ففي قضايا مثل بركة الانعكاس أو المواجهة مع صحيفة أمريكية، تظل التداعيات محدودة نسبيًا، لكن عندما تنتقل الحساسية نفسها إلى قرارات الحرب والسلام، فإن النتائج يمكن أن تصبح أكثر خطورة.

وهنا يصل المقال إلى السؤال المركزي بشأن المرحلة المقبلة: هل يختار ترامب إنهاء حرب لم تحقق النتائج التي كان يتوقعها، ويتحمل التداعيات السياسية لذلك؟ أم يذهب نحو مزيد من التصعيد العسكري في محاولة لتغيير مسار المواجهة؟ أم يستمر في تحميل الآخرين مسؤولية الإخفاقات والإحراجات التي تواجه إدارته؟

الإجابة لم تتضح بعد، لكن قراءة ليمير تشير إلى أن حرص ترامب المتزايد على إرثه السياسي، وحساسيته تجاه الإحراج العلني، يجعلان ردود أفعاله أكثر ارتباطًا بالاعتبارات الشخصية وأقل قابلية للتنبؤ، في مرحلة تتزامن فيها الضغوط الداخلية على إدارته مع حرب إقليمية دخلت شهرها السادس دون نهاية واضحة.