آراء مختارة

ترامب ورقصة «الفالس» مع إيران

ترامب ورقصة «الفالس» مع إيران

كلما بدا أن حرب الخليج الرابعة تقترب من لحظة فاصلة، يعود المشهد إلى نقطة تبدو مألوفة: تهديد أمريكى شديد اللهجة، تحرّك عسكرى يرفع منسوب التوتر، ثم فجأة تنفتح نافذة للدبلوماسية، وتبدأ الاتصالات والوساطات، قبل أن يعود التهديد من جديد إذا تعثّرت المفاوضات. هذا التكرار هو ما يجعل التعامل مع سلوك دونالد ترامب باعتباره مجرد عشوائية أو تقلب فى المواقف، قراءة غير كافية للمشهد. فالرجل الذى يبدو أحياناً وكأنه يقرر فى لحظة، ويغير موقفه فى اللحظة التالية، يكشف تكرار أدائه عن نمط أكثر انتظاماً مما توحى به تصريحاته. ربما يمكن فهم هذا النمط من خلال استعارة بعيدة قليلاً عن لغة السياسة والحرب: رقصة «الفالس». فهذه الرقصة تقوم على ثلاث حركات متتابعة، اقتراب عنيف، ثم ابتعاد مفاجئ، ثم دوران مستمر.

وإذا أسقطنا هذه الحركات على إدارة ترامب للمواجهة مع إيران، سنجد أنها تُفسر جانباً مهماً من سلوكه منذ بداية الحرب: اقتراب عسكرى عنيف لرفع الضغط، وابتعاد محسوب عندما يصبح التصعيد مكلفاً، أو عندما تتاح فرصة تفاوضية، ثم دوران بين الميدان وطاولة المفاوضات، إلى أن يقتنع أحد الطرفين بأن الاستمرار أصبح أكثر كلفة من التسوية. المهم هنا أن «الفالس» ليست وصفاً لحالة مزاجية لدى الرئيس الأمريكى، وإنما لطريقته فى إدارة الصراع. ترامب لا يبدو راغباً فى حرب مفتوحة لا سقف لها، لكنه فى الوقت نفسه لا يريد أن يخرج من الحرب من دون نتيجة سياسية يمكن تقديمها باعتبارها انتصاراً. ولذلك فهو يحتاج إلى الاحتفاظ بالقوة العسكرية كوسيلة ضغط، وإلى إبقاء باب التفاوض مفتوحاً كوسيلة لإنهاء الصراع، وهو ما يُفسر الانتقال المتكرّر بين الخيارين.

فى الخطوة الأولى، يقترب ترامب بعنف. الضربة العسكرية بالنسبة إليه ليست فقط وسيلة لإلحاق الضرر بإيران، وإنما رسالة تفاوضية أيضاً. حين تستخدم الولايات المتحدة قوتها الجوية والصاروخية بهذا الحجم، فهى لا تخاطب القيادة الإيرانية وحدها، بل تعيد رسم سقف التفاوض كله. الهدف هو أن تدخل طهران أى جولة تفاوضية وهى تدرك أن رفض المطالب الأمريكية له ثمن عسكرى متزايد. ومن هذه الزاوية، لا تكون الحرب منفصلة عن الدبلوماسية، بل تصبح القوة العسكرية جزءاً من عملية التفاوض نفسها.

لكن ترامب يبتعد عندما يشعر بأن الاقتراب بدأ يُنتج عائداً أقل من كلفته. الحرب الطويلة لها حساباتها الخاصة، أسعار الطاقة، أمن الخليج، مصالح الحلفاء، الأسواق، واحتمالات اتساع دائرة المواجهة. كما أن الضربات، مهما كانت قاسية، لا تضمن وحدها إنتاج القرار السياسى الذى تريده واشنطن. لذلك تأتى لحظات التهدئة والاتصالات والوساطات، ليس بالضرورة باعتبارها تراجعاً عن أهداف الحرب، وإنما باعتبارها محاولة لاختبار ما إذا كان الضغط العسكرى قد أنتج استعداداً إيرانياً لتقديم تنازلات.

وهنا نصل إلى الدوران، وهو الجزء الأكثر أهمية فى هذه الاستراتيجية. فالحرب لا تنتهى بعد الضربة، والتفاوض لا ينتهى بمجرد فتح قنوات الاتصال. كل جولة عسكرية تترك خلفها محاولة تفاوضية، وكل تعثّر فى التفاوض يعيد إنتاج التهديد باستخدام القوة. ومع مرور الوقت، يتحول هذا التتابع إلى استراتيجية قائمة بذاتها: عمليات عسكرية متقطعة، يتخللها تفاوض وتهدئة، ثم عودة إلى التصعيد إذا لم تحقّق المفاوضات النتيجة المطلوبة.

ويبدو أن هذا النمط يعكس تحولاً فى تقدير ترامب لطبيعة المعركة نفسها. فالافتراض بأن إيران يمكن إخضاعها بضربة قاضية أو بحملة عسكرية قصيرة يصطدم بواقع مختلف. إيران ليست خصماً يمكن اختزال قدرته على القتال فى عدد من المنشآت التى يُمكن تدميرها. هناك جغرافيا واسعة، وبنية دولة معقّدة، وقدرة على تحمل الضربات، وأدوات للرد، وأوراق إقليمية يمكن استخدامها فى إطالة أمد المواجهة. ولذلك فإن التفوق العسكرى الأمريكى، على ضخامته، لا يساوى بالضرورة حسماً سياسياً. وهذه هى عقدة «الحسم المستحيل». تستطيع واشنطن أن تُدمر أهدافاً استراتيجية، وأن تُلحق أضراراً كبيرة بإيران، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تفرض عليها الاستسلام السياسى الذى يُنهى الحرب وفق الشروط الأمريكية. وفى المقابل، لا تستطيع إيران أن تتجاهل التفوق الأمريكى أو أن تتحمّل حرباً مفتوحة بلا نهاية. ولهذا يبدو الطرفان عالقين فى منطقة وسطى: الولايات المتحدة تملك القدرة على التصعيد، وإيران تملك القدرة على منع هذا التصعيد من التحول إلى حسم نهائى.

من هنا يصبح عامل الزمن أكثر أهمية من حجم الضربة. ترامب يراهن على أن استمرار الضغط سيجعل كلفة الحرب على إيران أعلى من قدرتها على التحمل، بينما تراهن طهران على أن إطالة المواجهة ستكشف تدريجياً حدود القوة الأمريكية، وستجعل واشنطن أكثر استعداداً لقبول تسوية أقل من الأهداف التى دخلت الحرب من أجلها. وفى هذه المعادلة، لا يحتاج الطرف الأضعف عسكرياً إلى هزيمة خصمه، يكفيه أن يمنعه من تحقيق النصر الذى يريده. ولهذا أيضاً يصعب فصل الحرب عن الموقف العربى. فالدول الخليجية والعربية تدرك أن أى تصعيد واسع لن يبقى محصوراً بين واشنطن وطهران، وأن انعكاساته ستطال أمن المنطقة والطاقة والاقتصاد والممرات البحرية. والوساطات التى تتحرّك فى أكثر من اتجاه تعكس إدراكاً بأن استمرار «الفالس» لفترة طويلة قد يجعل الإيقاع نفسه أكثر خطورة. فكل جولة جديدة تحمل احتمالاً بأن تتجاوز إحدى الضربات أو الردود السقف الذى رسمه الطرفان، وحينها يصبح الانتقال من التصعيد إلى التهدئة أكثر صعوبة.

لذلك، فإن السؤال ليس ما إذا كان ترامب مُتردّداً بين الحرب والسلام، ولكن ما إذا كان هذا التذبذب الظاهرى جزءاً من استراتيجية ضغط محسوبة. المؤشرات تقول إن الأمر أقرب إلى ذلك. ترامب يحاول استخدام القوة لتحسين شروط التفاوض، ثم استخدام التفاوض لمنع القوة من التحول إلى حرب استنزاف مفتوحة، ثم العودة إلى القوة عندما لا يرى أن الدبلوماسية حقّقت ما يريد. إنها دائرة وليست خطاً مستقيماً، وهو ما يجعل تشبيه «الفالس» مفيداً لفهمها. وقد ينجح ترامب فى النهاية فى تحويل هذه الرقصة إلى صفقة، وقد يكتشف أن الدوران الطويل استنزف جزءاً من القوة السياسية التى بدأ بها الحرب. لكن الاختبار الحقيقى للرئيس الأمريكى لم يعد فى قدرته على توجيه ضربة أقوى، وإنما فى قدرته على إدارة الإيقاع، أن يعرف متى يقترب، ومتى يبتعد، ومتى يتوقف عن الدوران؟. فـ«الفالس» يمكن أن تكون رقصة محسوبة ما دام الراقصان يملكان السيطرة على خطواتهما، أما فى الحرب، فقد تكفى خطوة واحدة خارج الإيقاع لتحويل المناورة إلى انفلات، والتصعيد المحسوب إلى حرب لا يستطيع أحد التحكم فى نهايتها.