تحالف الضرورة بين حماس والتيار الاصلاحي.. قائمة وطنية لمواجهة التفرد
تدخل الساحة الفلسطينية مرحلة سياسية بالغة الحساسية، لا تحتمل استمرار الانقسام أو إعادة إنتاج الاصطفافات القديمة التي أضعفت الموقف الوطني وأفقدته كثيرًا من عناصر القوة والتأثير. وفي ظل الحديث عن انتخابات فلسطينية قادمة، تبدو الحاجة ملحّة إلى التفكير خارج الحسابات الحزبية الضيقة، والبحث عن صيغة وطنية واسعة تجمع القوى الإسلامية والوطنية واليسارية في قائمة انتخابية مشتركة، تضم حركة حماس والتيار الإصلاحي الديمقراطي في حركة فتح، إلى جانب حركة الجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديمقراطية، ومن يلتقي معها من القوى والشخصيات الوطنية المستقلة.
مثل هذه القائمة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها تحالفًا أيديولوجيًا، فالفوارق الفكرية والسياسية بين هذه القوى معروفة، ولا يمكن القفز عنها، وإنما هي تحالف تفرضه المصلحة الوطنية العليا وطبيعة المرحلة ومخاطرها. فالسياسة هي فن بناء الممكن على قاعدة القواسم المشتركة، وليس انتظار التطابق الكامل بين الأطراف.
لقد تراجع السقف الوطني الفلسطيني خلال السنوات الماضية إلى مستويات مقلقة، فيما تواصل إسرائيل سياساتها الرامية إلى تفتيت القضية الفلسطينية وإفراغ المشروع الوطني من مضمونه، عبر الاستيطان والضم والتهجير وتهويد القدس والاعتداء على المقدسات، ومحاولات فرض وقائع جديدة تجعل مستقبل الوجود الفلسطيني نفسه موضع تهديد. وفي مواجهة ذلك، تصبح استعادة الوحدة والشراكة ضرورة وطنية، وليست مجرد خيار انتخابي.
إن قائمة واسعة تضم حماس والتيار الإصلاحي والجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديمقراطية يمكن أن تشكل قوة انتخابية وسياسية وازنة، وأن تمنح هذه القوى حضورًا حقيقيًا ومؤثرًا داخل المؤسسات الفلسطينية، بدل بقائها قوى متفرقة يسهل تهميشها أو إبقاؤها في موقع التابع لسلطة القرار القائم.
ولا يعني ذلك أن تتخلى أي قوة عن خصوصيتها أو برنامجها السياسي، وإنما المطلوب الاتفاق على برنامج للحد الأدنى: حماية الحقوق والثوابت الوطنية، والحفاظ على وحدة الأرض والشعب، ورفض التهجير والضم، وصيانة المقدسات الإسلامية والمسيحية، وإعادة بناء المؤسسات على أسس ديمقراطية، ومنع التفرد بالقرار، والتوافق على استراتيجية وطنية تستثمر التحولات التي يشهدها العالم تجاه القضية الفلسطينية.
فبعد حرب غزة وما أحدثته من زلزال أخلاقي وسياسي في الرأي العام العالمي، لم تعد القضية الفلسطينية محصورة في دوائر التضامن التقليدية. لقد شاهد العالم حجم المأساة، واتسعت مساحات التعاطف مع شعبنا وحقوقه، وظهرت تحولات مهمة في الجامعات والنقابات والبرلمانات والمجتمع المدني، وحتى في مواقف عدد من الحكومات. وهذه التحولات ينبغي استثمارها سياسيًا ودبلوماسيًا، لا إهدارها بالعودة إلى صراعات فلسطينية داخلية تجاوزتها الأحداث.
أعتقد أن القيادات في كل من حماس والتيار الإصلاحي تدرك حساسية اللحظة، وأن الاجتماعات والنقاشات التي تجري مع الكوادر والمفكرين تهدف إلى بلورة موقف يعزز فرص التوافق، بعيدًا عن الحسابات التي حكمت العلاقة بين الطرفين في مراحل سابقة.
هناك، بلا شك، من يراهن داخل السلطة على تراجع شعبية حماس بعد الحرب، كما يراهن على تردد التيار الإصلاحي وتحفظ بعض كوادره تجاه الدخول في قائمة مشتركة معها. ولا ينبغي إنكار وجود مخاوف وتحفظات متبادلة، وأن ذاكرة سنوات الخصومة والانقسام ما تزال حاضرة لدى البعض. لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه جميعًا: هل نبقى أسرى الماضي، أم نستفيد من دروسه لصناعة المستقبل؟
الحقيقة التي تدركها قيادتا حماس والتيار الإصلاحي أن كثيرًا من هذه المخاوف يمكن تجاوزها، خاصة أن طبيعة الحراك في المرحلة القادمة ينبغي أن تكون سياسية بامتياز، تستثمر التحولات الكبيرة في الرأي العام العالمي، وتعيد تقديم القضية باعتبارها قضية شعب يناضل من أجل الحرية والكرامة وتقرير المصير.
وخلال جلسات الحوار التي جمعتني بالإخوة في التيار الإصلاحي، وجدت أن مسافة الخلاف بيننا قد تقلصت كثيرًا، وأن جسورًا مهمة من الثقة والتفاهم أُعيد بناؤها. والأهم أن الرغبة في العمل المشترك لم تعد مجرد موقف لدى بعض القيادات، بل أصبحت تطلعًا لدى قطاعات واسعة من الطرفين، تدرك أن الانقسام استنزف الجميع، وأن فلسطين كانت الخاسر الأكبر.
وما سمعناه من الدكتور موسى أبو مرزوق، ومن الأخوين محمد دحلان وسمير المشهراوي، يبعث على التفاؤل بإمكانية الانتقال من مرحلة المصالحة في الخطاب إلى الشراكة في العمل؛ فالوطن بحاجة اليوم إلى كل أبنائه، ولا يملك أي طرف بمفرده القدرة على حمل أعباء المرحلة القادمة. إنهم، ومعهم بقية القوى الوطنية، مجاديف في سفينة واحدة تحتاج إلى حكمة الربان ووحدة الاتجاه حتى تصل إلى بر الأمان.
والأهم ألا يُختزل هذا التفاهم في حماس والتيار الإصلاحي وحدهما. المطلوب توسيع الدائرة لتشمل الجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديمقراطية وشخصيات وطنية مستقلة، حتى تتحول القائمة إلى إطار وطني تعددي، لا اصطفافًا إسلاميًا أو تحالفًا موجهًا ضد حركة فتح، وإنما محاولة لإعادة بناء التوازن والشراكة داخل النظام السياسي الفلسطيني.
إن إسرائيل هي المستفيد الأكبر من الانقسام والتفرد الفلسطيني. ومشروعها لا يستهدف فصيلًا بعينه، بل يستهدف الأرض والإنسان والهوية والذاكرة والمقدسات، ويسعى إلى طمس وجودنا على أرضنا التاريخية. ومن هنا، فإن القائمة الوطنية المشتركة، إذا أُحسن إعدادها وبُنيت على برنامج واضح وتفاهمات حقيقية، يمكن أن تكون أكثر من مجرد تحالف انتخابي؛ يمكن أن تصبح مدخلًا لشراكة سياسية تعيد الاعتبار للمؤسسات، وتحمي ما تبقى من مشروعنا الوطني.
إن تحالف الضرورة ليس دعوة لإلغاء الاختلاف، بل لإدارته تحت سقف فلسطين. نختلف في الاجتهاد والبرامج، لكننا نتفق على أن الوطن أكبر من الجميع، وأن مواجهة التفرد وحماية المشروع الوطني واستعادة وحدة القرار الفلسطيني تستحق منا أن نضع خلافات الماضي جانبًا، وأن نمضي معًا نحو شراكة يكون فيها الجميع شركاء في القرار والمسؤولية والمستقبل.