مقالات

قبضة حديدية على حافة الهاوية: هندسة القمع وإرهاب التشريع في إيران

قبضة حديدية على حافة الهاوية: هندسة القمع وإرهاب التشريع في إيران

تشهد المنظومة السياسية في طهران تحولات هيكلية بالغة الدقة تعكس في طياتها حجم الهشاشة الوجودية التي تعاني منها السلطة. فمع تصاعد الاحتقان الاجتماعي وتآكل شرعية الولي الفقيه، تلجأ دوائر القرار إلى إعادة تدوير وجوه البطش الأمني وتمرير حزم تشريعية استثنائية لإحكام السطوة على المجال العام. ولا يعبر هذا اللجوء المتكرر إلى الحلول البوليسية عن قوة صلبة، بل يفضح حالة من الذعر المتجذر أمام اتساع الفجوة بين الشارع ونخبة الحكم، مما ينذر بمواجهة حتمية بين غضب شعبي عارم وماكينات قمع تحاول عبثاً إيقاف عجلة التاريخ.

إعادة تدوير جنرالات البطش: ترميم الصدوع بالأمن الصارم

كشفت عودة الوجه الأمني البارز والرئيس الأسبق لجهاز استخبارات حرس النظام الإيراني، حسين طائب، إلى مفاصل المنظومة الأمنية عن مساعٍ حثيثة لتدعيم الدائرة الاستخبارية الضيقة المحيطة بـ مجتبى خامنئي. ويمتلك طائب سجلاً حافلاً في قمع المعارضين يعود لنحو أربعة عقود، تدرج خلالها من قيادة ميليشيا الباسيج إلى رأس الهرم الاستخباري، حيث عُرف بإدارة غرف التحقيق وفبركة الملفات. ورغم إقالته عام 2022 إثر إخفاقات مدوية وثغرات اختراق أمنية، أعادت الحاجة الملحة لشخصيات ذات ولاء مطلق فرضه من جديد لترتيب شبكات الأحياء الشعبية والأجهزة الضبطية، في محاولة يائسة لاحتواء الفراغ القيادي وتأمين بقاء النظام.

أوهام الحسم الأمني أمام الأزمات البنيوية

تصطدم هذه الحسابات الأمنية بواقع مرير يثبت عجز القوة البوليسية وحدها عن معالجة الأزمات الوجودية المتجذرة في إيران. فاستدعاء جنرالات القمع القديمة قد يمنح السلطة أدوات إضافية لتشديد الرقابة المؤقتة، لكنه يعجز كلياً عن حل معضلات الانهيار المعيشي، وتصاعد التضخم الشهري، وتفشي الفقر والبطالة، ورفض الشارع المطلق للاستبداد. وتؤكد التجارب التاريخية أن الاعتماد المفرط على الحلول الأمنية يعكس حالة ارتباك داخلي عميق، ويجعل من انفجار الغضب الشعبي مسألة وقت لا يمكن لماكينات البطش إيقافها، مما يزيد من عزلة المنظومة الحاكمة ويسرّع وتيرة الصدام.

إرهاب التشريع وتجريم توثيق الحقيقة

في مسار متوازٍ لتدعيم القبضة الأمنية، صادق برلمان النظام بالأغلبية على الخطوط العريضة لمشروع قانون شامل تحت لافتة مواجهة نفوذ أجهزة الاستخبارات الأجنبية. يهدف هذا التشريع إلى توسيع الصلاحيات القمعية عبر تجريم أشكال المعارضة السلمية كافة، ومعاقبة كل من يقوم بتوثيق الاحتجاجات باعتباره مرتكباً لجريمة أمنية كبرى. ولم يعد مفهوم التسلل مقتصراً على التجسس التقليدي، بل جرى تمديده ليشمل حظر إجراء المقابلات، أو التواصل مع وسائل الإعلام الخارجية، أو إرسال مقاطع الفيديو والتسجيلات الصوتية ومقاطع التوثيق الميداني للانتفاضات إلى خارج البلاد، ووضع كل من يفعل ذلك تحت طائلة أحكام السجن المشددة لا سيما خلال أوقات الأزمات والاضطرابات.

الوصاية الشاملة على المعرفة والمجتمع المدني

لا تقتصر القيود التشريعية الجديدة على العمل الصحفي فحسب، بل تمتد لتفرض وصاية أمنية صارمة على الجامعات، والمؤسسات المدنية، والمنظمات غير الحكومية. يحظر القانون تزويد الجهات الخارجية بأي تقارير أو إحصاءات دون تصريح أمني رسمي، ويمنح وزارة الاستخبارات سلطة حصرية لتحديد المراكز البحثية الدولية المسموح بالتعاون معها. كما تخضع الإنتاجات الفنية والسينمائية والمسرحية وورش التدريب الرقمية لرقابة مشددة تتيح لمحاكم الثورة تجريم أي نقد تحت توصيفات مبهمة تقوض الثقة العامة، مما يعكس رعب السلطة من أي متنفس ثقافي أو فكري حر.

خلاصة استراتيجية: أفق المواجهة وحتمية السقوط

إن اللجوء إلى صيغ التجريم الفضفاض وتشكيل الأحزمة الأمنية المشددة يكشف عن عمق الأزمة البنيوية وتآكل قدرة النظام على ضبط المجتمع بالطرق التقليدية. تسعى السلطة الحاكمة إلى خلق حالة طوارئ دائمة تغطي على إخفاقاتها الاقتصادية عبر عزل المجتمع تماماً وقطع شرايين التواصل مع المنظمات الحقوقية الدولية. إن الرهان على ترسانة القمع وتشريع إرهاب الدولة لن يفلح في ترميم شرعية منهارة أو كسر إرادة الشعب الإيراني، بل يضع الهيئات الدولية أمام مسؤولية عاجلة لفضح هذا التغول التشريعي ودعم حق المجتمع في مقاومة الاستبداد وتوثيق الحقيقة.