"حلف مكة" يعيد رسم المشهد.. الخليج يبحث عن مظلة أمنية تتجاوز الاعتماد الحصري على واشنطن
نيويورك: تواجه دول الخليج مرحلة من إعادة الحسابات الاستراتيجية فرضتها الحرب مع إيران، وتصاعد الشكوك في ثبات المظلة الأمنية الأمريكية، بالتوازي مع ظهور ترتيبات دفاعية جديدة أبرزها اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، المعروف بـ"حلف مكة".
وتطرح هذه التطورات سؤالًا يتجاوز إدارة الأزمة الحالية إلى طبيعة النظام الأمني الذي قد يتشكل في المنطقة، وما إذا كان الخليج يتحرك تدريجيًا نحو مرحلة "ما بعد الاعتماد الحصري على الولايات المتحدة".
ويستند هذا التقرير إلى النقاش الذي عرضه برنامج Fareed Zakaria GPS على شبكة CNN في 9 أغسطس2026، بمشاركة طارق مسعود، مدير مبادرة الشرق الأوسط في كلية كينيدي بجامعة هارفارد، وداني سيترينوفيتش، الرئيس السابق لشعبة إيران في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية والباحث في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، إضافة إلى مراسلي "نيويورك تايمز" عبدي لطيف داهر وديفيد سانغر.
هرمز: معضلة لا يملك أي طرف حلًا سهلًا لها
تقع أزمة مضيق هرمز في قلب المواجهة الحالية. وبحسب سيترينوفيتش، تصر إيران على الاحتفاظ بما وصفه بـ«سيطرة تفضيلية» على المضيق، في حين تتمسك واشنطن بوصول كامل ومفتوح وغير معاق إلى الممر البحري الاستراتيجي.
ويرى سيترينوفيتش أن طهران ليست مستعدة للتخلي عن هذا النفوذ حتى في حال تعرضها لمزيد من الضغوط العسكرية الأمريكية. ومن ثم تصبح الخيارات المتاحة أمام واشنطن محدودة: إما القبول بدرجة من النفوذ الإيراني على المضيق، أو الذهاب إلى تصعيد عسكري أوسع لا يمكن ضمان نهايته، ولا يرجح، وفق تقديره، أن يؤدي إلى استسلام إيران.
هذه المعضلة تكتسب أهمية مضاعفة بالنسبة إلى دول الخليج، لأن استمرار المواجهة لا يهدد فقط حركة الطاقة والتجارة عبر هرمز، وإنما يضرب أحد الأسس التي قامت عليها التجربة الاقتصادية الخليجية خلال العقود الماضية: الاستقرار والأمن وقابلية المنطقة لاستقطاب الاستثمار ورأس المال والكفاءات الأجنبية.
اهتزاز النموذج الخليجي
يصف طارق مسعود أثر الحرب بأنه يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. فالنموذج الذي جعل دبي، على حد تعبيره، بمثابة «سويسرا الشرق الأوسط» استند إلى افتراض أن الخليج يستطيع البقاء مساحة مفتوحة وآمنة للأعمال والمغتربين حتى في ظل الاضطرابات المحيطة به.
لكن الحرب زعزعت هذا الافتراض. وينقل مسعود عن معلق سعودي وصف المنطقة بأنها عادت لتصبح «غابة»، في إشارة إلى شعور خليجي متزايد بأن دول المنطقة باتت محاصرة بين إيران، باعتبارها خصمًا يصعب توقع سلوكه، والولايات المتحدة التي أصبح سلوكها بدوره، في نظر هذه الدول، أقل قابلية للتنبؤ.
وتتجلى المشكلة، وفق هذا التصور، في التذبذب الأمريكي بين التهديد بتدمير إيران وبين البحث عن تسويات معها، بما في ذلك احتمالات تقاسم ترتيبات السيطرة على مضيق هرمز.
الحرب تكشف انقسام الخليج
لكن الأزمة كشفت كذلك أن دول مجلس التعاون الخليجي لا تتعامل مع إيران وفق رؤية موحدة.
يذهب سيترينوفيتش إلى حد القول إن الحرب «عرّت حقيقة بسيطة» تتمثل في عدم وجود مجلس تعاون خليجي موحد فعليًا في التعامل مع الأزمة. ووفق تصنيفه، تميل عُمان وقطر وجزء من دوائر القرار السعودية إلى ضرورة إبقاء قنوات التعامل مع إيران مفتوحة، انطلاقًا من الاعتقاد بأنه لا يمكن دفع طهران إلى الزاوية دون تحمل مخاطر كبيرة.
في المقابل، تبدو الإمارات والبحرين أكثر ميلًا إلى زيادة الضغط على إيران، وهو اتجاه يحظى بدعم إسرائيلي. ويربط سيترينوفيتش هذا الاختلاف أيضًا بالتوتر في العلاقات السعودية الإماراتية، بما في ذلك العلاقة بين قيادتي البلدين.
غير أن مسعود يقدم قراءة مختلفة للسلوك السعودي. فبالنسبة إليه، ليست الرياض جزءًا ثابتًا من «معسكر التهدئة»، وإنما تمثل ما يشبه «المصوّت الأرجح» الذي يتحرك تبعًا لتقديره لمدى موثوقية الولايات المتحدة.
ويذكّر بأن ولي العهد السعودي سبق أن شبّه المرشد الإيراني السابق علي خامنئي بـ«هتلر»، ما يعني أن المشكلة ليست غياب العداء أو الخلاف العميق مع النظام الإيراني. لكن الرياض، وفق تحليل مسعود، كانت ستدعم على الأرجح حربًا أمريكية حاسمة تنتهي بإسقاط النظام، في حين أن إحجام واشنطن عن الوصول إلى هذه النتيجة دفعها إلى العودة لمنطق التهدئة والتفاوض مع طهران.
الاستقرار قبل الانتصار
تكشف هذه الحسابات عن تحول مهم في ترتيب الأولويات الخليجية. فبحسب سيترينوفيتش، يمكن لدول الخليج أن تقبل، وإن على مضض، صيغة تمنح إيران وعُمان سيطرة مشتركة فعلية على مضيق هرمز إذا كان البديل هو استمرار الحرب وعدم الاستقرار.
المعادلة بالنسبة إلى هذه الدول واضحة: الاستقرار يتقدم على تحقيق انتصار كامل على إيران.
فالاقتصادات الخليجية شديدة الحساسية تجاه اضطراب حركة الطاقة والتجارة والاستثمار، كما أن استمرار التصعيد يضع منشآت النفط والغاز والمطارات والمراكز الاقتصادية والبنية التحتية الحيوية أمام احتمالات متكررة للهجمات الإيرانية. ولذلك يصبح احتواء إيران، حتى من خلال تسوية غير مثالية، خيارًا يمكن تفضيله على حرب مفتوحة.
"حلف مكة" وتنويع المظلة الأمنية
ضمن هذا السياق تبرز أهمية اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في مكة.
الاتفاق لا يعني بالضرورة أن الرياض قررت استبدال الولايات المتحدة بتحالف جديد، لكنه يعكس اتجاهًا أوسع نحو تنويع الشراكات الأمنية وعدم ربط أمن المملكة بمصدر واحد للضمانات.
وتزداد أهمية هذا التحول في ظل قراءة مسعود لسلوك السعودية باعتباره استجابة لعدم اليقين بشأن السياسة الأمريكية. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم التقارب مع تركيا وباكستان باعتباره محاولة لبناء هوامش استراتيجية إضافية وليس إعلانًا عن قطيعة مع واشنطن.
ويتقاطع ذلك مع قراءة سيترينوفيتش التي تربط الترتيبات الإقليمية الجديدة بتراجع القدرة على الحديث عن موقف خليجي موحد، وبروز حسابات وطنية مختلفة لكل دولة في إدارة العلاقة مع إيران والولايات المتحدة والقوى الإقليمية الأخرى.
التطبيع السعودي الإسرائيلي يتراجع
أحد التداعيات الأخرى لهذه التحولات يتمثل في ابتعاد احتمالات التطبيع بين السعودية وإسرائيل.
وبحسب ما ورد في الحلقة، فإن التوصل إلى صفقة نووية مدنية أمريكية سعودية لم يكن كافيًا لدفع المسار إلى الأمام، بعدما أضاف الرئيس دونالد ترامب شرطين يتعلقان بمنع التخصيب المحلي وانضمام المملكة إلى اتفاقيات أبراهام، وهي شروط تعاملت معها الرياض عمليًا بالتجاهل.
كما نقل مسعود عن معلق مقرب من دوائر الحكم السعودية تهديدًا بالتوجه نحو الصين إذا لم تحصل المملكة على حق التخصيب.
وفي الوقت نفسه، يؤدي التقارب السعودي التركي إلى إضافة عنصر جديد من التعقيد، خصوصًا مع تصاعد الخطاب الإسرائيلي الذي ينظر إلى تركيا بوصفها خصمًا استراتيجيًا متناميًا. ولذلك يرى مسعود أن الاتجاه السعودي نحو أنقرة لا يساعد في تهيئة الظروف لتطبيع سعودي إسرائيلي قريب.
إيران من الداخل: مجتمعان في دولة واحدة
بعيدًا عن الحسابات الخليجية، تقدم شهادة مراسل «نيويورك تايمز» عبدي لطيف داهر من داخل إيران صورة أكثر تعقيدًا للمجتمع الإيراني بعد الحرب.
فخلال تغطيته جنازة المرشد الراحل، شاهد داهر حشودًا ضخمة في طهران ومشهد تطالب بالانتقام وترفض التنازل قبل الثأر لمقتل المرشد. لكن الصورة على الأرض، وفق روايته، لم تكن تعكس مجتمعًا متجانسًا خلف النظام.
فإلى جانب التعبئة القومية، هناك مجتمع يعاني من أزمات اقتصادية ونقص المياه وانقطاع الكهرباء والتضخم، بينما يظهر في الوقت نفسه تحدٍ اجتماعي متزايد للقيود الدينية، من نساء لا يرتدين الحجاب إلى شبان يظهرون الوشوم ويدخنون علنًا.
وبذلك تبدو إيران وكأنها تضم «إيرانين» في الوقت نفسه: إيران التعبئة والحشد والانتقام، وإيران المجتمع الذي يبتعد تدريجيًا عن القيود الاجتماعية التي يفرضها النظام.
لكن هذا الانقسام الداخلي لا يعني بالضرورة استعداد الإيرانيين للقبول بإسقاط النظام من الخارج. فقد وجد داهر أن كثيرًا ممن ينتقدون الحكومة يرفضون في الوقت نفسه التدخل الأجنبي لتغييرها، انطلاقًا من قومية إيرانية عميقة ترى أن تغيير النظام، إن حدث، يجب أن يكون مهمة الإيرانيين أنفسهم.
وهنا يصبح التمييز ضروريًا بين الولاء للنظام والدفاع عن الدولة والمجتمع في مواجهة الخارج؛ إذ يمكن للإيراني أن يعارض السلطة وفي الوقت نفسه يرفض حربًا أجنبية تستهدف بلاده.
الحرب تصل إلى الداخل الأمريكي
ولا تقتصر ارتدادات المواجهة على الشرق الأوسط. فقد كشف مراسل «نيويورك تايمز» ديفيد سانغر عن تهديدات أمنية مرتبطة بإيران وصلت إلى الأراضي الأمريكية.
وبحسب روايته، دفعت معلومات استخباراتية عن احتمال استهداف طائرة الرئيس ترامب بصاروخ محمول على الكتف إلى اتخاذ إجراءات أمنية استثنائية، شملت نقله سرًا عبر شاحنة تموين إلى طائرة عسكرية أصغر. وأشار إلى أن المعلومات جاءت من مصدر إسرائيلي، لكن مستوى الثقة الأمريكية بها كان «منخفضًا نسبيًا».
وترافق ذلك مع مخاطر سيبرانية، بعدما استهدفت هجمات أنظمة مياه بلدية في نحو 12 ولاية أمريكية، مع إسناد أولي من المسؤولين إلى مجموعات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.
من |ما بعد الخبر| إلى "ما بعد أمريكا"؟
الصورة التي تقدمها الحلقة لا تشير إلى انسحاب أمريكي كامل من الخليج، ولا إلى ظهور تحالف إقليمي قادر حتى الآن على الحلول مكان الولايات المتحدة. لكنها تكشف عن تحول أكثر دقة: دول الخليج لم تعد تتعامل مع الضمانة الأمريكية باعتبارها كافية وحدها لبناء سياساتها الأمنية طويلة المدى.
وهذا يفسر في آن واحد مساعي السعودية إلى توسيع علاقاتها مع تركيا وباكستان، واستمرار قنواتها مع إيران، والتلويح بخيارات صينية، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بعلاقتها الاستراتيجية مع واشنطن.
كما يفسر لماذا أصبحت دول مجلس التعاون أقل قابلية للتحرك ضمن كتلة سياسية وأمنية واحدة. فالإمارات والبحرين والسعودية وقطر وعُمان لا تختلف فقط في تقدير مستوى الخطر الإيراني، وإنما أيضًا في الكيفية التي ينبغي من خلالها إدارة هذا الخطر وفي مقدار الثقة الذي يمكن وضعه في الولايات المتحدة.
ومن هنا، فإن الدلالة الأهم لـ«حلف مكة» قد لا تكون في قدرته الحالية على تشكيل بديل عسكري للولايات المتحدة، بل في كونه مؤشرًا على اتجاه أوسع: انتقال الخليج من البحث عن مظلة أمنية واحدة إلى بناء شبكة متعددة من الشراكات والضمانات.
وبهذا المعنى، قد لا يكون «النظام الإقليمي ما بعد الأمريكي» نظامًا تغادره الولايات المتحدة، وإنما نظامًا تبقى فيه واشنطن قوة رئيسية، لكن من دون أن تحتفظ بالاحتكار شبه الكامل لدور الضامن الأمني الذي تمتعت به لعقود.
وفي بيئة كهذه، تصبح تركيا وباكستان والصين وإيران نفسها، إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، أطرافًا في معادلة أمنية أكثر تعقيدًا وسيولة. أما دول الخليج، فستحاول الموازنة بينها بما يضمن الأولوية التي كشفتها الأزمة بوضوح: حماية الاستقرار الاقتصادي والسياسي وتجنب حرب مفتوحة لا تستطيع أي قوة أن تضمن نتائجها.