مستقبل يهود أمريكا على المحك في الانتخابات الإسرائيلية
تل أبيب: تتجاوز تداعيات انتخابات الكنيست الإسرائيلي المقررة في 27 أكتوبر 2026 حدود إسرائيل، لتطال بصورة مباشرة مستقبل الجالية اليهودية في الولايات المتحدة والعلاقة التاريخية التي تربطها بإسرائيل، في وقت تشهد فيه مكانة الدولة العبرية تراجعًا ملحوظًا لدى قطاعات متزايدة من الرأي العام الأمريكي.
هذا ما يطرحه ديفيد أ. هالبيرين ومايكل ج. كوبلو، الرئيس التنفيذي والمسؤول الأول للسياسات في «منتدى السياسة الإسرائيلية» (Israel Policy Forum)، في مقال رأي نشرته صحيفة تايمز أوف إسرائيل في 14 أغسطس 2026، إذ يعتبران أن الانتخابات المقبلة قد تكون الأكثر تأثيرًا في تاريخ إسرائيل بالنسبة إلى يهود الولايات المتحدة، وأن خيارات الناخب الإسرائيلي ستكون لها انعكاسات بعيدة المدى على أكبر تجمع يهودي في الشتات.
جالية يهودية أمام مرحلة غير مسبوقة
ينطلق الكاتبان من توصيف قاتم لأوضاع يهود الولايات المتحدة، معتبرين أن الجالية تمر بإحدى أكثر مراحل القلق والتوتر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ويشيران إلى تصاعد جرائم الكراهية ضد اليهود والاعتداءات على الكنس والمؤسسات اليهودية، بالتوازي مع تغير كبير في الطريقة التي يُنظر بها إلى «الصهيونية» داخل قطاعات من المجتمع الأمريكي.
فبعدما مثّلت الصهيونية لعقود طويلة إطارًا أيديولوجيًا جامعًا لقطاعات واسعة من يهود أمريكا، يرى الكاتبان أن المصطلح تحول لدى شرائح متزايدة إلى تعبير ذي دلالة سلبية. ويستشهدان بصعود مرشحين من «الاشتراكيين الديمقراطيين» يشككون علنًا في الالتزام التاريخي لإسرائيل كدولة يهودية، في مقابل خطاب يميني انعزالي يصور إسرائيل باعتبارها دولة تؤثر بصورة مفرطة في السياسة الخارجية الأمريكية.
لكن المقال لا يعزو هذا التحول كله إلى معاداة السامية التقليدية، بل يضع جانبًا مهمًا منه في سياق سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو، التي يرى الكاتبان أنها أسهمت في تآكل مصداقية إسرائيل وصورتها لدى قطاعات سياسية وديموغرافية واسعة في الولايات المتحدة، بينما يتحمل اليهود الأمريكيون جانبًا كبيرًا من تداعيات هذا التراجع رغم أنهم ليسوا مسؤولين عن تلك السياسات.
تراجع من اليسار واليمين
بحسب المقال، لا يقتصر تراجع الدعم لإسرائيل على جانب واحد من الانقسام السياسي الأمريكي، وإنما يحدث لأسباب مختلفة داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري.
على الجانب الديمقراطي، ترتبط الأزمة بصورة إسرائيل كدولة ديمقراطية ليبرالية تشترك مع الولايات المتحدة في منظومة من القيم. ويرى الكاتبان أن هذه الصورة تعرضت لضربة نتيجة ما يصفانه بالرد الإسرائيلي «العقابي وغير المتناسب» على هجمات 7 أكتوبر، فضلًا عن تداعيات العمليات العسكرية على المدنيين الفلسطينيين، وتصاعد ما يصفانه بـ«الإرهاب اليهودي اليومي» ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، إلى جانب السياسات الاستيطانية التي يعتبران أنها تستهدف حصر الفلسطينيين في جيوب حضرية محاصرة.
أما على الجانب الجمهوري، فتختلف أسباب التراجع. فقد ارتبط الدعم التقليدي لإسرائيل بالنظر إليها بوصفها شريكًا استراتيجيًا للولايات المتحدة، لكن الكاتبين يعتبران أن هذه الصورة تتعرض بدورها للاهتزاز، مع تحول الحرب على إيران إلى عبء سياسي على الرئيس دونالد ترامب، واستمرار الاحتكاكات الإسرائيلية مع دول الجوار، بما فيها تركيا ولبنان وسوريا، بصورة تتطلب تدخلًا ووساطة أمريكيين متكررين.
ويتزامن ذلك مع صعود تيار انعزالي أمريكي تحت شعار «أمريكا أولًا»، بات يتساءل عن أسباب استهلاك إسرائيل، وهي دولة صغيرة، هذا القدر من الوقت والجهد والموارد السياسية الأمريكية.
استطلاعات تكشف حجم التحول
يستند هالبيرين وكوبلو إلى استطلاعات رأي تظهر، وفق طرحهما، تراجعًا حادًا وغير مسبوق في مستويات التأييد لإسرائيل بين الديمقراطيين والمستقلين والأمريكيين الذين تقل أعمارهم عن خمسين عامًا، بعدما ظلت مستويات الدعم مستقرة نسبيًا لعقود.
ويمتد التحول إلى داخل الجالية اليهودية الأمريكية نفسها. فبحسب استطلاع يستشهد به المقال، لا تتجاوز نسبة اليهود الأمريكيين الذين يعرفون أنفسهم اليوم بأنهم «صهاينة» 37%، على الرغم من أن غالبية يهود الولايات المتحدة ما زالت تحتفظ بارتباط عاطفي بإسرائيل، مع عدم تأييدها لنتنياهو. ويرى الكاتبان أن أحد أسباب ذلك هو ارتباط مصطلح «الصهيونية» في أذهان قطاعات من الأمريكيين بسياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية.
ويقر المقال في الوقت نفسه بوجود أشكال تقليدية من معاداة السامية لا ترتبط بسياسات إسرائيل، لكنه يجادل بأنه لا يمكن فصل مستوى القلق غير المسبوق الذي يعيشه يهود الولايات المتحدة عن أداء الحكومة الإسرائيلية وتداعيات سياساتها خارج حدود إسرائيل.
المشكلة في السياسات لا في الصورة
من هنا ينتقل المقال إلى رسالته الأساسية الموجهة إلى الناخب الإسرائيلي: الأزمة التي تواجه إسرائيل في الولايات المتحدة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد مشكلة علاقات عامة أو ضعف في التسويق السياسي.
ويرى الكاتبان أن المطلوب يتجاوز تقديم «وجه مختلف» أو اعتماد خطاب دبلوماسي أكثر اعتدالًا، لأن المشكلات التي تواجهها إسرائيل في الولايات المتحدة، من وجهة نظرهما، نابعة أساسًا من السياسات والأفعال وليس من طريقة تقديمها للرأي العام الأمريكي.
وبناء على ذلك، يحذران من أن وصول حكومة إسرائيلية جديدة تتبنى التركيبة والسياسات والسلوك نفسها للحكومة الحالية قد يقود إلى تداعيات أعمق، من بينها تصاعد معاداة السامية في الولايات المتحدة، وتعزيز «عقلية الحصار» داخل الجالية اليهودية الأمريكية، ودفع مزيد من اليهود الأمريكيين إلى التخلي عن ارتباطهم العاطفي والفعلي بإسرائيل.
العلاقة الأمريكية الإسرائيلية في قلب المعادلة
لا تتوقف المخاطر، وفق المقال، عند مستقبل يهود الولايات المتحدة. فالتحولات الجارية داخل الجالية قد تنعكس في نهاية المطاف على أحد أهم مصادر القوة الاستراتيجية لإسرائيل: علاقتها بالولايات المتحدة.
ويحذر الكاتبان من أن تجاهل الناخب الإسرائيلي لهذا البعد قد يؤدي، على المدى الطويل، إلى إضعاف أكبر تجمع يهودي خارج إسرائيل، وفي الوقت ذاته تقويض العلاقة الأمريكية الإسرائيلية التي استندت تاريخيًا إلى دور محوري لعبه اليهود الأمريكيون في دعم إسرائيل وتعزيز مكانتها داخل الولايات المتحدة.
وتقوم الرسالة النهائية للمقال على أن الإسرائيليين سيصوتون في أكتوبر على قضايا تتعلق مباشرة بمستقبل دولتهم وأمنها وسياساتها، لكن نتائج اختيارهم لن تتوقف عند حدود إسرائيل. فاستمرار المسار السياسي الراهن، بحسب هالبيرين وكوبلو، قد يغير طبيعة التجربة اليهودية الأمريكية نفسها، وربما بصورة يصعب عكسها لاحقًا، بما ينعكس في النهاية على العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة التي شكلت لعقود أحد أعمدة القوة الإسرائيلية.
وتجدر الإشارة إلى أن الطرح المنشور في تايمز أوف إسرائيل هو مقال رأي وليس تقريرًا إخباريًا محايدًا، وأن كاتبيه ينتميان إلى «منتدى السياسة الإسرائيلية»، وهي منظمة أمريكية تتبنى توجهًا صهيونيًا ليبراليًا مؤيدًا لحل الدولتين وناقدًا لسياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية، مع تمسكها بالعلاقة الأمريكية الإسرائيلية وبإسرائيل كدولة يهودية. كما أن بعض الروابط السببية التي يقيمها المقال بين سياسات حكومة نتنياهو والتحولات داخل المجتمع الأمريكي تمثل تفسيرات سياسية وتحليلية للكاتبين وليست وقائع مثبتة بصورة قاطعة.