غزة في مواجهة الموت البطيء
لا تبدو غزة اليوم مجرد جغرافيا منكوبة بفعل الحرب وإنما تتحول شيئا فشيئا إلى حالة إنسانية وسياسية مفتوحة على المجهول، فالقطاع الذي أنهكته شهور طويلة من القتل والدمار والحصار لم يغادر دائرة المأساة رغم كل الحديث عن التهدئة والاتفاقات والممرات الإنسانية وإعادة الإعمار. فما يجري على الأرض يقول إن الحرب قد تتغير أدواتها ومساراتها لكنها ما زالت حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين الذين يجدون أنفسهم أمام واقع يختزل معنى الكارثة في أبسط احتياجات الإنسان من مأوى وماء ودواء وغذاء وأمان.
وفي غزة لا تزال الخيام عنواناً رئيسياً للمشهد الإنساني، مئات آلاف العائلات التي فقدت منازلها لم تجد بديلا حقيقيا سوى قطع القماش التي لا تقي من حر الصيف ولا من برد الشتاء ولا تمنح الأطفال والنساء وكبار السن الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة.
الخيمة هنا لم تعد محطة مؤقتة في رحلة النزوح وإنما أصبحت عنوانا للاستقرار القسري ومظهرا من مظاهر اقتلاع الإنسان من المكان وتحويل النزوح إلى واقع دائم،الأخطر أن هذه البيئة الإنسانية المنهارة تنتج بالضرورة منظومة واسعة من الأمراض والأزمات الصحية، فالازدحام وانعدام النظافة وتلوث المياه وضعف الصرف الصحي وسوء التغذية وانتشار الحشرات كلها عوامل تجعل الأمراض أكثر قدرة على الانتشار في مجتمع يعيش أصلا تحت ضغط نفسي وجسدي هائل. ومع تراجع القدرة الاستيعابية للمؤسسات الصحية ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية يصبح المرض في غزة أكثر من مشكلة صحية إذ يتحول إلى امتحان يومي للقدرة على البقاء.
أما المرضى الذين يحتاجون إلى العلاج خارج القطاع فما زالت معاناتهم مرتبطة بمحدودية حركة السفر والإجلاء الطبي. وخروج أعداد محدودة من المرضى لا يعني أن الأزمة انتهت بل يكشف حجم الفجوة بين الاحتياجات الهائلة والإمكانات المتاحة. فهناك مرضى يحتاجون إلى عمليات معقدة وعلاجات متخصصة وأدوية غير متوفرة في القطاع وهناك مرضى مزمنون لا يستطيعون الانتظار حتى تتحسن الظروف السياسية. وفي حسابات الحرب قد يكون تأخير العلاج ساعات أو أياماً مسألة تفاوضية لكن بالنسبة للمريض قد يكون الفارق بين الحياة والموت ،وتبرز المياه باعتبارها واحدة من أكثر القضايا تعبيرا عن طبيعة المأساة في غزة.
فالإنسان يستطيع أن يؤجل وجبة أو يتحمل ساعات من الجوع لكنه لا يستطيع بناء حياة طبيعية دون مياه آمنة ومع تضرر البنية التحتية وشبكات المياه والصرف الصحي يصبح الحصول على الماء رحلة يومية شاقة تستنزف الوقت والجهد وتضاعف المخاطر الصحية، وهنا تتحول المياه من خدمة عامة إلى سلعة نادرة ومن حق أساسي إلى معركة يومية للبقاء.
وتتضاعف خطورة المشهد حين ننظر إلى الاقتصاد الغزي الذي تعرض لتدمير واسع المصانع والمنشآت التجارية والأسواق والمزارع والمنازل والبنية التحتية تعرضت لخسائر هائلة فيما فقد مئات الآلاف مصادر رزقهم ولذلك فإن الحديث عن إعادة الإعمار لا ينبغي أن يختزل في إعادة بناء الحجر فقط لأن المسألة تتعلق بإعادة بناء الدورة الاقتصادية وإعادة إنتاج فرص العمل واستعادة القدرة الشرائية وإعادة الاعتبار للإنسان باعتباره منتجا لا مجرد متلق للمساعدات.
وفي هذا السياق تبرز التقارير والمخاوف الفلسطينية المتزايدة بشأن ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض الخطيرة وحالات السرطان والإجهاض والمضاعفات الصحية المرتبطة بالبيئة المدمرة وسوء التغذية والمواد الخطرة التي قد تكون خلفتها الحرب، وهذه الملفات تحتاج إلى تحقيقات علمية مستقلة ومسوح طبية طويلة المدى حتى يمكن تحديد الأسباب والمسؤوليات بصورة علمية وقانونية،لكن مجرد اتساع المخاوف الصحية في مجتمع تعرض لهذا الحجم من القصف والدمار يكفي لفتح ملف البيئة الصحية في غزة باعتباره قضية دولية لا شأنا فلسطينيا داخليا.
المسؤولية هنا لا يمكن فصلها عن حقيقة أن غزة أرض فلسطينية واقعة تحت الاحتلال وأن القانون الدولي لا يمنح القوة القائمة بالاحتلال حق التنصل من مسؤولياتها تجاه السكان المدنيين. فالقانون الدولي الإنساني يفرض حماية المدنيين وتأمين الاحتياجات الأساسية قدر الإمكان وعدم تحويل الغذاء والماء والدواء إلى أدوات ضغط سياسية أو عسكرية ومن ثم فإن استمرار الأزمة الإنسانية لا ينبغي أن يتحول إلى رقم في بيانات المنظمات الدولية بل يجب أن يترجم إلى مساءلة سياسية وقانونية عن السياسات التي أوصلت القطاع إلى هذا المستوى من الانهيار.
والمفارقة أن العالم يتعامل مع غزة أحيانا بمنطق الإغاثة بدلا من منطق الحقوق. وكأن الفلسطيني في القطاع يحتاج إلى المساعدة لأنه ضحية كارثة طبيعية وليس لأنه يعيش تحت واقع سياسي وعسكري صنعته عقود من الاحتلال والحصار والحروب، وهذا التحول في المفاهيم ليس تفصيلا لغويا بل مسألة سياسية عميقة لأن الإغاثة تعالج النتائج بينما الحقوق تبحث في الأسباب والمسؤوليات.
إن غزة اليوم لا تحتاج فقط إلى شاحنات مساعدات وإنما تحتاج إلى كسر الحلقة التي أنتجت هذه الكارثة تحتاج إلى وقف حقيقي للحرب وإزالة القيود المفروضة على الحركة وفتح المجال أمام المرضى للعلاج وتأمين المياه والدواء والغذاء وإعادة تشغيل المستشفيات وإطلاق عملية واسعة لإعادة الإعمار، والأهم أنها تحتاج إلى صيغة سياسية تضع حدا لمنطق إدارة الأزمة وإبقاء القطاع في حالة طوارئ دائمة.
لقد تحولت غزة إلى اختبار أخلاقي وقانوني للنظام الدولي كله. فالمجتمع الدولي الذي يتحدث عن حقوق الإنسان وكرامة الإنسان والقانون الدولي يجد نفسه أمام شعب يعيش بين أنقاض مدنه وخيام نزوحه ويبحث عن الماء والدواء بينما تستمر المفاوضات حول تفاصيل سياسية لا تغير كثيرا من واقعه اليومي.
ولهذا فإن إنهاء معاناة غزة لا يمكن أن يكون مجرد بند فرعي في أي اتفاق سياسي إنه جوهر القضية نفسها فكل اتفاق لا يعيد للإنسان الفلسطيني حقه في الحياة الآمنة والكريمة سيظل اتفاقا مؤقتا على إدارة المأساة لا حلا لها وكل حديث عن مستقبل غزة يتجاهل النازح في خيمته والمريض أمام بوابة المستشفى والطفل الذي يبحث عن الماء والأسرة التي فقدت مصدر رزقها هو حديث منفصل عن الواقع.
غزة لا تحتاج إلى أن يتعاطف العالم معها فقط بل تحتاج إلى أن يعترف العالم بمسؤوليته السياسية والقانونية والأخلاقية تجاهها، فالكرامة الإنسانية ليست منحة تقدم بعد الحرب وليست ورقة تفاوضية على طاولة السياسة وإنما حق أصيل لا يسقط تحت القصف ولا الحصار ولا النزوح وغزة التي دفعت ثمنا هائلا خلال سنوات الحرب ستظل تطرح السؤال الأكثر إلحاحا أمام العالم وهو متى تتحول المأساة من خبر يومي إلى قضية عدالة ومتى يصبح إنهاء معاناة الفلسطينيين شرطا للسلام وليس نتيجة مؤجلة له.