مقالات

غزة بين أمل السلام وشبح الحرب... إلى متى يبقى الإنسان هو الضحية؟

غزة بين أمل السلام وشبح الحرب... إلى متى يبقى الإنسان هو الضحية؟

بعد أن تاهت غزة بين الأمل بوقف الحرب وشبح عودة الإبادة والتهجير، يقف أهلها اليوم على حافة انتظارٍ لا يشبه أي انتظار. انتظارٌ يختلط فيه الرجاء بالخوف، والأمل بالقلق، والحياة بالمجهول.
‏في غزة، لم تعد المأساة مجرد أرقام تُتداول في نشرات الأخبار، بل أصبحت وجوهًا متعبة، وأطفالًا ينتظرون يومًا بلا أصوات انفجارات، وأمهاتٍ يحملن همَّ البقاء أكثر مما يحملن أحلام المستقبل، وشيوخًا أنهكتهم سنوات الحصار والحروب، حتى غدا الأمل نفسه يحتاج إلى معجزة.
‏ليس أصعب على الإنسان من أن يشعر بأن حياته معلقة بقرار لا يملكه، وأن مستقبله رهينة تطورات لا يستطيع التأثير فيها. فكل يوم يمر يحمل معه سؤالًا واحدًا يتردد في كل بيت: هل سيكون الغد بداية للحياة... أم بداية لمأساة جديدة؟
‏لقد دفعت غزة أثمانًا إنسانية باهظة. فُقد الأحبة، ودُمِّرت المنازل، وتعطلت المدارس والجامعات، وتأثر القطاع الصحي، وتضررت مقومات الحياة الأساسية. وبين كل ذلك، بقي الإنسان الغزي يحاول أن يتمسك بكرامته، وأن يحافظ على ما تبقى من الأمل، رغم قسوة الظروف.
‏إن أي حديث عن مستقبل غزة لا ينبغي أن يبدأ بالحجارة والإسمنت، بل بالإنسان. فالإنسان هو أساس كل إعمار، وهو الثروة الحقيقية لأي مجتمع. وما قيمة المدن إذا غاب عنها الأمن؟ وما قيمة المباني إذا فقد الأطفال حقهم في التعليم، وفقد المرضى حقهم في العلاج، وفقدت الأسر شعورها بالأمان؟
‏لقد آن الأوان لأن يُمنح المدنيون فرصة حقيقية للحياة، وأن تُبذل كل الجهود الممكنة لتخفيف معاناتهم، وحماية كرامتهم، وتهيئة الظروف التي تساعدهم على استعادة حياتهم الطبيعية. فاستمرار المعاناة لا يصنع مستقبلًا أفضل لأحد، بينما يمثل وقف العنف وحماية المدنيين خطوة أساسية نحو أي أمل بالاستقرار.
‏ستبقى غزة، رغم كل ما مرت به، عنوانًا للصمود والإرادة، لكن الصمود لا ينبغي أن يكون قدرًا دائمًا يبرر استمرار المعاناة. فالشعوب لا تطلب المستحيل، وإنما تطلب حقها في أن تعيش بأمن، وأن تبني مستقبل أبنائها، وأن تستيقظ على صوت الحياة بدلًا من صوت الخوف.
‏اللهم احفظ غزة وأهلها، وارحم من فقدوا حياتهم، واشفِ جرحاها، وفك كرب أهلها، واكتب لهم أيامًا يسودها الأمن والسلام والكرامة، واجعل المستقبل يحمل لهم ما يستحقونه من حياةٍ آمنةٍ ومستقرة.