دعوة تركيا لتبني استراتيجية حازمة في البحر الأسود لحماية الملاحة وردع التصعيد الروسي
أنقرة: تواجه تركيا اختبارًا متزايد الصعوبة في البحر الأسود، مع اتساع نطاق الهجمات الروسية على الموانئ والسفن التجارية الأوكرانية، وتحول الحرب البحرية تدريجيًا من ملف يرتبط مباشرة بالصراع الروسي–الأوكراني إلى تهديد يمس المصالح الاقتصادية والأمنية التركية، ويطال دولًا أخرى مطلة على البحر الأسود وأعضاء في حلف شمال الأطلسي.
وبحسب مقال رأي للباحثة والدبلوماسية الأوكرانية السابقة يفغينيا غابر، الزميلة الأولى غير المقيمة في برنامج TURKEYSource التابع للمجلس الأطلسي (Atlantic Council)، فإن التطورات الحالية تفرض على أنقرة إعادة النظر في استراتيجيتها التقليدية القائمة على «الملكية الإقليمية» والحفاظ على توازن دقيق بين موسكو وكييف، والانتقال نحو سياسة أكثر حزمًا لحماية حرية الملاحة والبنية التحتية الحيوية في البحر الأسود. ويعكس المقال وجهة نظر كاتبته ولا يمثل بالضرورة موقف المجلس الأطلسي.
تصعيد روسي يضغط على شريان التجارة الأوكراني
يتمثل أبرز مظاهر التحول في الارتفاع الكبير في وتيرة الهجمات الروسية على مجمع موانئ أوديسا الكبرى، الذي يضم أوديسا وتشورنومورسك وبيفدينيي. ووفق الأرقام الواردة في المقال، نفذت روسيا خلال النصف الأول من عام 2026 أكثر من 180 هجومًا على هذه الموانئ، وهو رقم يقارب إجمالي الهجمات المسجلة خلال عام 2025 بأكمله.
وفي يوليو وحده، سجلت أوكرانيا 67 ضربة استهدفت منشآت الموانئ، فضلًا عن عشرات الهجمات على السفن داخل الموانئ وفي عرض البحر. واستمر التصعيد خلال أغسطس، مع استهداف سفن تجارية تحمل في معظمها الحبوب والمنتجات الزراعية، وصولًا إلى هجوم واسع في 9 أغسطس اعتُبر من أكبر الهجمات التي تعرضت لها أوديسا منذ بداية الحرب عام 2022.
وتكتسب هذه الهجمات أهمية اقتصادية تتجاوز أوكرانيا نفسها. فأكثر من 90% من صادرات أوكرانيا الزراعية تمر عبر موانئها على البحر الأسود، فيما تُقدَّر الأضرار التي لحقت بالموانئ منذ بداية الحرب بنحو 1.5 مليار دولار. كما أن الطرق البرية والبديلة لا تستطيع، وفق تقديرات الحكومة الأوكرانية، استيعاب سوى نحو نصف حجم الشحنات التي كانت تُنقل بحرًا.
المصالح التركية تدخل دائرة الخطر
بالنسبة إلى أنقرة، لم تعد المسألة مرتبطة فقط بالحفاظ على التوازن السياسي بين موسكو وكييف. فبحسب مجموعة رصد البحر الأسود التي يستند إليها المقال، تملك شركات تركية أو تشغّل نحو 40% من السفن الراسية في موانئ منطقة أوديسا، الأمر الذي يجعل أطقمًا وشركات وأصولًا بحرية تركية معرضة مباشرة لتداعيات التصعيد.
ومنذ عام 2022 تعرض عدد من السفن المرتبطة بتركيا لأضرار في هجمات روسية. وفي يوليو 2026، تعرضت السفينة التركية غولدن ليو، المحملة بالذرة من تشورنومورسك، لقصف أثناء عبورها الممر البحري الأوكراني، ما أدى إلى مقتل عشرة أشخاص قبل أن تغرق السفينة لاحقًا.
ومن هذا المنظور، ترى غابر أن إبقاء الممرات البحرية الأوكرانية مفتوحة لم يعد مجرد موقف سياسي مؤيد لكييف، وإنما أصبح مرتبطًا مباشرة بحماية التجارة والشركات والسفن والنفوذ الإقليمي التركي. كما أن السماح لقوة واحدة بتحويل البحر الأسود إلى أداة للإكراه العسكري والاقتصادي يتناقض، بحسب المقال، مع التصور التركي التقليدي للمنطقة.
انتقاد سياسة «المسافة المتساوية»
تنتقد الكاتبة كذلك الطريقة التي تتعامل بها أنقرة مع الهجمات المتبادلة في البحر الأسود. فبعد استهداف السفينتين التركيتين ناديجدا وياشار قرب نوفوروسيسك وإصابة ثلاثة من أفراد الطاقم، دعت تركيا روسيا وأوكرانيا معًا إلى ضمان سلامة الملاحة، من دون تحديد المسؤولية عن الهجوم.
وترى غابر أن توجيه دعوات ضبط النفس إلى الطرفين قد يخلق ما تصفه بـ«معادلة مضللة»، لأن طبيعة العمليات التي ينفذها الجانبان ليست واحدة من وجهة نظرها. ففي حين تستهدف روسيا الموانئ والبنية اللوجستية والسفن التجارية الأوكرانية، تركز العمليات الأوكرانية البحرية بصورة أساسية على السفن المرتبطة باللوجستيات العسكرية الروسية، والالتفاف على العقوبات، وعائدات النفط المستخدمة في تمويل الحرب.
وبحسب قائد قوات الأنظمة غير المأهولة الأوكرانية روبرت بروفدي، ضربت القوات الأوكرانية 134 سفينة روسية في بحر آزوف و84 أخرى في البحر الأسود، ضمن حملة شملت أيضًا منشآت النفط الروسية في توابسي ونوفوروسيسك وقاعدة نوفوروسيسك البحرية.
الخطر يمتد إلى دول الناتو
لكن المشكلة، وفق المقال، لم تعد محصورة بالسواحل الأوكرانية. فقد اخترقت طائرات مسيّرة روسية مرارًا المجالات الجوية لمولدوفا ورومانيا وتركيا، فيما تحطمت إحداها في محافظة إزميت التركية قرب إسطنبول.
وفي حادثة أخرى خلال يونيو، فقدت طائرة مسيّرة بحرية أوكرانية السيطرة عليها نتيجة تشويش روسي، قبل أن تنفجر في ميناء كونستانتسا الروماني من دون إصابات. وتكشف هذه الواقعة عن خطر إضافي يتمثل في قدرة الحرب الإلكترونية على تغيير مسارات الأنظمة غير المأهولة ونقل آثار المواجهة العسكرية إلى أراضي دول أعضاء في الناتو وبنية تحتية مدنية.
وتكتسب المخاطر بالنسبة إلى رومانيا أهمية أكبر مع اقتراب مشروع الغاز البحري «نبتون ديب» من بدء الإنتاج في عام 2027. ومن المتوقع أن يصل إنتاج المشروع إلى نحو ثمانية مليارات متر مكعب من الغاز سنويًا في ذروته، بما يعزز أمن الطاقة الروماني والأوروبي ويزيد الأهمية الاستراتيجية للبنية التحتية البحرية في المنطقة.
إعادة تعريف «الملكية الإقليمية»
منذ بداية الحرب، لعبت تركيا دورًا أساسيًا في منع توسع المواجهة البحرية، خصوصًا من خلال تطبيق اتفاقية مونترو وتقييد مرور السفن الحربية عبر المضائق التركية. لكن غابر ترى أن مفهوم «الملكية الإقليمية» الذي تتبناه أنقرة لا ينبغي أن يقتصر على التحكم بمن يدخل البحر الأسود، وإنما يجب أن يشمل أيضًا تحمل مسؤولية أكبر عما يحدث داخله.
فتركيا استثمرت لعقود في مؤسسات وترتيبات إقليمية مثل منظمة التعاون الاقتصادي للبحر الأسود وقوة «بلاك سيفور» البحرية وعملية «انسجام البحر الأسود». إلا أن الاستخدام الروسي المتكرر للقوة، بحسب المقال، أضعف فاعلية هذه المبادرات أو أفرغ بعضها من مضمونه.
وترى الكاتبة أن تركيا، بوصفها القوة البحرية الرئيسية لحلف الناتو في البحر الأسود، تملك فرصة لقيادة إطار أمني إقليمي جديد وأكثر فاعلية، يركز على حرية الملاحة وحماية البنية التحتية البحرية والتعامل مع ما يعرف بـ«الأسطول الخفي» الذي يساعد روسيا على المحافظة على تدفقات عائداتها خلال الحرب.
استراتيجية تركية على ثلاثة مستويات
يقترح المقال تحركًا تركيًا متدرجًا على ثلاثة مستويات. يبدأ المسار الأول بالعلاقة الثنائية مع روسيا، حيث تدعو غابر أنقرة إلى استخدام نفوذها السياسي والدبلوماسي والاقتصادي بصورة أكثر حزمًا للضغط على موسكو من أجل وقف الهجمات على السفن التجارية والموانئ. فالوساطة التركية، وفق هذا التصور، تظل ضرورية، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا من الردع، خصوصًا مع تراجع فرص العودة إلى ترتيبات البحر الأسود التي كانت قائمة قبل الحرب أو إحياء اتفاق الحبوب بصيغته السابقة.
أما المستوى الثاني فيتمثل في توسيع التعاون الثلاثي بين تركيا ورومانيا وبلغاريا. وتقترح الكاتبة تحويل مجموعة مهام إزالة الألغام في البحر الأسود إلى منصة أمنية إقليمية أوسع، تتولى حماية البنية التحتية تحت البحر ومنشآت الطاقة والتجارة وطرق الملاحة، مع تعزيز القدرات على مواجهة الحرب الإلكترونية وتبادل المعلومات بصورة فورية وتنسيق عمليات كشف واعتراض الطائرات والزوارق المسيّرة.
ويتمثل المستوى الثالث في دفع تركيا حلفاءها إلى تطوير دفاعات أقوى حول الموانئ والممرات البحرية الأوكرانية، من خلال أنظمة الدفاع الجوي ومواجهة الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والمراقبة، وربما تسيير دوريات جوية وبحرية منسقة.
ويقترح المقال أن يجري ذلك عبر حلف الناتو والمكون البحري لـ«تحالف الراغبين»، إلى جانب قناة التعاون الثلاثي بين الولايات المتحدة وتركيا وأوكرانيا، والتي قد تشمل، وفق الطرح الوارد في المقال، نقل أسلحة أمريكية الصنع من المخزون التركي إلى أوكرانيا.
تركيا أمام اختبار القيادة في البحر الأسود
تكمن المعضلة الأساسية بالنسبة إلى أنقرة في أن الاستراتيجية التي سمحت لها طوال سنوات بالحفاظ على قنوات مفتوحة مع موسكو وكييف تواجه الآن بيئة مختلفة. فاستمرار الهجمات على الموانئ والسفن والبنية التحتية البحرية، وتحولها تدريجيًا إلى واقع اعتيادي يقع دون عتبة الحرب المباشرة مع دول الناتو، قد يضعف قدرة تركيا على الحفاظ على النظام الإقليمي الذي سعت إلى بنائه في البحر الأسود.
ووفق خلاصة المقال، تختبر موسكو عمليًا حدود مفهوم «الملكية الإقليمية» التركي: هل يعني فقط إبقاء القوى البحرية الخارجية بعيدًا عن البحر الأسود، أم يتضمن أيضًا قدرة دول المنطقة، وفي مقدمتها تركيا، على حماية حرية الملاحة ومنع استخدام البحر كوسيلة للحرب والإكراه الاقتصادي؟
تملك أنقرة بالفعل مجموعة من عناصر القوة التي تؤهلها للعب دور محوري في أي بنية أمنية مستقبلية للبحر الأسود، بدءًا من موقعها الجغرافي وسيطرتها على المضائق، مرورًا بقوتها البحرية وعلاقاتها داخل الناتو، وصولًا إلى قدرتها على التواصل مع كل من روسيا وأوكرانيا.
لكن الرؤية التي تطرحها غابر تقوم على أن الحفاظ على هذا الدور سيحتاج في المرحلة المقبلة إلى الانتقال من إدارة التوازن بين الطرفين إلى بناء قدرة إقليمية أكثر فاعلية على الردع وحماية الملاحة والبنية التحتية الحيوية.