صدمة هرمز تعيد رسم جغرافيا الطاقة العالمية
عواصم: نجح الاقتصاد العالمي حتى الآن في امتصاص واحدة من أخطر صدمات الطاقة منذ عقود، بعدما ظل مضيق هرمز شبه مغلق لأشهر على الرغم من مرور نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية عبره. لكن هذا الصمود قد يكون مؤقتًا، فيما تكشف الأزمة عن تحولات عميقة في موازين القوة داخل نظام الطاقة العالمي، تجعل الولايات المتحدة والصين أكثر قدرة على تحمل الاضطرابات، بينما تنتقل الكلفة بصورة متزايدة إلى الاقتصادات الآسيوية والدول النامية.
هذا ما يخلص إليه مقال تحليلي نشرته مجلة فورين أفيرز في 14 أغسطس/آب 2026، للخبيرين في شؤون الطاقة والسياسة الدولية جيسون بوردوف وميغان إل. أوسوليفان، اللذين يحذران من أن النجاح النسبي في احتواء المرحلة الأولى من أزمة هرمز قد يولّد شعورًا مضللًا بالأمان، في وقت تتآكل فيه العوامل التي ساعدت الأسواق على تجاوز الصدمة الأولى.
فعلى الرغم من استمرار إغلاق المضيق، بقيت أسعار النفط منخفضة نسبيًا، وأظهرت أسواق الغاز الطبيعي قدرة لافتة على التكيف، فيما تجنب الاقتصاد العالمي حتى الآن الركود الحاد الذي كان متوقعًا مع بداية الحرب. غير أن هذه النتيجة، وفق بوردوف وأوسوليفان، لم تكن دليلًا على أن المخاوف المتعلقة بأمن الطاقة كانت مبالغًا فيها، بل جاءت نتيجة تضافر ظروف استثنائية قد يصعب تكرارها.
دخل العالم الأزمة وأسواق النفط تعاني أصلًا فائضًا في المعروض، مع مستويات مرتفعة نسبيًا من المخزونات. وفي الوقت نفسه، كانت السعودية والإمارات قد استثمرتا مسبقًا في خطوط أنابيب تتيح تجاوز مضيق هرمز، الأمر الذي سمح بزيادة تدفقات النفط عبر مسارات بديلة بأكثر من خمسة ملايين برميل يوميًا. وتزامن ذلك مع أكبر عملية إطلاق منسقة لمخزونات النفط الطارئة لدى أعضاء الوكالة الدولية للطاقة.
لكن هذه «الوسائد الواقية» أخذت تتآكل. ويحذر الكاتبان من أن اندلاع مرحلة جديدة من القتال المكثف، مع استمرار تعطيل الملاحة في هرمز، يمكن أن يدفع أسعار الخام إلى ارتفاعات حادة في سوق أصبحت أكثر إنهاكًا، خصوصًا مع النقص في المنتجات المكررة مثل الديزل ووقود الطائرات. وحتى إذا تراجعت حدة المواجهة العسكرية، فإن استمرار قدرة إيران على تعطيل الملاحة عبر المضيق سيبقي عنصر المخاطرة حاضرًا في أسواق الطاقة.
الصين.. لاعب جديد في إدارة الصدمة
كان الدور الصيني أحد أبرز عناصر المفاجأة في الأزمة. فقد خفضت بكين وارداتها النفطية بنحو خمسة ملايين برميل يوميًا حتى يونيو/حزيران 2026، وأوقفت شراء النفط المخصص لملء احتياطياتها الاستراتيجية، وأطلقت جزءًا من مخزوناتها التجارية، بالتوازي مع تقييد صادرات البنزين والديزل ووقود الطائرات إلى الدول المجاورة.
وساعدت هذه الإجراءات على تخفيف الضغط عن السوق العالمية للخام، لكنها نقلت جزءًا من الكلفة إلى اقتصادات شرق آسيا المعتمدة على المنتجات النفطية المكررة الصينية.
وتكشف الأزمة، في هذا السياق، عن تحول الصين من مجرد مستورد ضخم للطاقة إلى قوة قادرة على التأثير في التوازن العالمي للأسواق من خلال التحكم في حجم مشترياتها ومخزوناتها وصادراتها. وتملك بكين مخزونًا نفطيًا يقدره المقال بنحو 1.4 مليار برميل، لم تستخدم منه حتى الآن سوى كمية محدودة نسبيًا، ما يمنحها هامشًا واسعًا للتدخل إذا دخلت الأزمة مرحلة جديدة.
ويرى الكاتبان أن هذه القدرة يمكن أن تمنح الصين مستقبلًا نفوذًا جيوسياسيًا يشبه، من بعض الوجوه، الدور الذي أدته السعودية تاريخيًا عندما كان الرؤساء الأمريكيون يلجأون إليها خلال الأزمات لطلب استخدام طاقتها الإنتاجية الاحتياطية للمساعدة في استقرار الأسواق.
الولايات المتحدة أكثر حصانة
التحول الآخر الذي كشفت عنه الأزمة يتعلق بالولايات المتحدة. فبعدما كانت قبل عقدين تستورد نحو 60 في المئة من احتياجاتها النفطية، أصبحت اليوم أكبر منتج ومصدر صافٍ للنفط في العالم، بل تحولت بصورة عابرة خلال الربيع إلى مصدر صافٍ للنفط الخام للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية.
وبالتوازي، أصبح الاقتصاد الأمريكي أقل اعتمادًا على النفط لكل وحدة من الناتج. ويشير المقال إلى تقديرات اقتصاديين في بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس تفيد بأن صدمة نفطية مماثلة كان يمكن أن تخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للولايات المتحدة بنحو 5.6 نقطة مئوية عام 1980، مقارنة بنحو 0.3 نقطة فقط اليوم.
لكن هذه الحصانة تحمل في طياتها إشكالية جيوسياسية. فكلما أصبحت الولايات المتحدة أقل تعرضًا لتداعيات صدمات الطاقة، اتسعت الفجوة بين قدرتها على إحداث اضطرابات عالمية من خلال أدواتها العسكرية والاقتصادية وبين حجم الكلفة التي تتحملها داخليًا نتيجة تلك الاضطرابات.
ويحذر بوردوف وأوسوليفان من أن هذا الانفصال النسبي قد يضعف أحد دوافع ضبط النفس التي كانت تحكم تاريخيًا استخدام واشنطن للإكراه الاقتصادي والعسكري.
الغاز يتكيف.. ولكن بثمن
لم تقتصر قدرة الأسواق على التكيف على النفط. فعلى الرغم من إغلاق هرمز والهجمات الإيرانية على منشآت الغاز الطبيعي المسال، التي قطعت معظم صادرات قطر الممثلة لنحو خُمس الإمدادات العالمية، جاءت الزيادة في أسعار الغاز الأوروبية أقل كثيرًا من التوقعات الأولية.
وساعدت مشاريع تسييل جديدة، خصوصًا في الولايات المتحدة، على تعويض ما بين 40 و50 في المئة من الكميات المفقودة من الخليج، إلى جانب زيادة صادرات نيجيريا وماليزيا، فيما تكيف الطلب الآسيوي من خلال خفض الاستهلاك الصناعي والتحول جزئيًا نحو الفحم.
غير أن قدرة السوق على التكيف أخفت توزيعًا شديد الاختلال للخسائر. فقد تحملت دول آسيوية وأوروبية ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات والتقنين والضغوط المالية، بينما بدت الولايات المتحدة والصين أكثر قدرة على عزل نفسيهما عن الصدمة والتأثير في مسارها.
وكانت الاقتصادات النامية والناشئة الأكثر تعرضًا للكلفة؛ إذ لجأت حكومات إلى إجراءات استثنائية لخفض الطلب، تراوحت بين تقييد استخدام أجهزة التكييف في بنغلاديش وتقصير الأسبوع الدراسي في لاوس وإقرار عطلة رسمية إضافية في سريلانكا.
هل تسرّع الأزمة الانتقال إلى الطاقة النظيفة؟
يمكن لأزمة هرمز أن تدفع الدول نحو تسريع الانتقال إلى مصادر الطاقة النظيفة، على غرار ما جرى بعد صدمة النفط عام 1973 والغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022. لكن الكاتبين يؤكدان أن هذه النتيجة ليست حتمية.
فالمرونة التي أظهرها نظام النفط والغاز قد تدفع بعض الحكومات إلى الاستنتاج بأن النظام الحالي أكثر قدرة على الصمود مما كان يُعتقد، وبالتالي الاستثمار في تعزيز مرونته بدلًا من تجاوزه.
وقد ظهرت بالفعل مؤشرات على هذا الاتجاه مع زيادة استخدام الفحم في اليابان وكوريا الجنوبية والصين والهند لتعويض نقص الغاز. ووفق المقال، تتوقع شركة رايستاد الاستشارية أن يؤدي نقص الغاز الطبيعي المسال إلى زيادة الطلب الآسيوي على الفحم بنحو 70 مليون طن خلال العام، فيما يُتوقع أن يصل الاستهلاك العالمي للفحم إلى مستوى قياسي.
خمس ركائز لعالم أكثر قدرة على الصمود
في ضوء هذه التحولات، يطرح بوردوف وأوسوليفان خمس ركائز لتعزيز أمن الطاقة في مواجهة الصدمات المقبلة: رفع كفاءة استهلاك الطاقة، وتنويع مصادر الإمدادات ومسارات النقل، والحفاظ على تكامل الأسواق العالمية وتجنب السياسات الانعزالية، وزيادة الإنتاج المحلي من مصادر متنوعة، ومساعدة الاقتصادات الأكثر ضعفًا عبر الدعم المالي والتقني والاستثمارات في الطاقة النظيفة والبنية التحتية التقليدية الضرورية.
كما يدعوان الكونغرس الأمريكي إلى تخصيص تمويل عاجل لإعادة ملء وتحديث الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي، الذي تراجع إلى أدنى مستوياته منذ نحو خمسة عقود، ويحذران من الاستجابة لأي ضغوط سياسية مستقبلية لفرض حظر على صادرات النفط الأمريكية إذا عادت الأزمة إلى التصعيد.
وفي المحصلة، لا تكمن الدلالة الأعمق لأزمة هرمز في أن الاقتصاد العالمي تمكن من النجاة من الصدمة الأولى، بل في أن جغرافيا القوة في أسواق الطاقة تغيرت. فالولايات المتحدة أصبحت أكثر استقلالًا عن الصدمات النفطية، والصين تمتلك أدوات متزايدة للتحكم في الطلب والمخزون، بينما انتقلت نسبة أكبر من أعباء التكيف إلى الدول المستوردة الأفقر.
ومن هنا يأتي التحذير المركزي في تحليل «فورين أفيرز»: نجاح العالم في تجاوز المرحلة الأولى لا يعني أن نظام الطاقة أصبح محصنًا، بل ربما يكون الخطر الأكبر أن يولّد هذا النجاح ثقة زائدة بقدرته على تحمل أزمة ثانية، في وقت استُنزفت فيه بالفعل أجزاء مهمة من الاحتياطيات والهوامش التي جعلت امتصاص الصدمة الأولى ممكنًا.