رحلة الحياة
رحلة الحياة فى شهر يناير من العام 2022، جلست افكر بحزم وهى ليست المره الأولى التى أجلس فيها أحاور نفسى بعمق شديد هل أبقى هنا فى قطاع غزة وأسلم بما أعيشة من معاناة مع حروب متكررة وحصار مستمر طال كثيرا ومعابر مغلقة وعلاج غير متوفر وصراع مع الزمن من أجل جرعة علاج وطريق مظلم أو أبحث عن شعاع نور فى مكان آخر.
وفي شهر يناير 2022 رسمت الطريق وكان الأصعب طريق محفوف بالمخاطر طريق طويل ربما ينتهى بالموت فى وسط البحار ولكننى لم أبالى فنحن كل يوم نموت ألف مره تحت جبروت الإحتلال الإسرائيلي والحصار الخانق لنا فى قطاع غزة ومنع عنا كل سبل الحياة حتى الدواء ممنوع عنا، وفرصة الحصول على جرعة الدواء تأتى بعد صراع مرير وكفاح طويل لتتمكن من السفر من خلال معبر رفح ، تلك هي الحقيقة المرعبة، وسرُّ هذا الكون الذي لا نفهمه حين يصمت العالم كله على ظلم واقع بشعب أعزل ولم يحركوا ساكن .
كنت فى صراع بين التفكير بالعقل وعاطفة القلب في مواجهة الأحداث .
وشعرت لأول مرة بفجوة كبيره وأن البقاء وسط تلك الضوضاء والمعاناه هى حكم بالإعدام وكأننى أنتظر تنفيذ الحكم وليس أكثر .
قلت: ولماذا أرضى حكم الإعدام وأنا يمكنني البحث عن حياة أفضل ؟
وبكل صراحة بدأت أفتش من حولى عن رفيق بالسفر لتلك الرحله الشاقة ولكنني لم أجد فكل من عرضت عليهم السفر كانوا لا يرغبون بمغادرة قطاع غزة حيث كان معظمهم لديهم حياة يظنون أنها مستقرة ومزدهرة وفضلوا البقاء على السفر
كنت أخبرهم بأننا عشنا عده حروب تقريبا كل سنتين هناك حرب علينا فى قطاع غزة والحصار منذ سنوات طويلة مستمر والحرب القادمة سوف تكون مؤلمه كثيرا وتفوق الخيال وكل التوقعات حرب إبادة جماعية فلم يصدق أصدقائي تلك التوقعات وقالوا من المستحيل أن يحدث ذلك، ولكن الحرب أتت فى السابع من أكتوبر بالعام 2023 وفاقت كل التوقعات والتصورات وهى مازالت مستمرة حرب الإبادة الجماعية المؤلمة .
خضعت لرغبه عقلى، ثم نسيت رغبة قلبى، وذهبت إلى مكتب إصدار الفيزا لدولة تركيا وكانت تلك أول خطوة نحو الطريق الطويل المحفوف بالمخاطر .
لم أفكر لحظة في كيفية صعوبة الرحلة رغم أننى قرأت عنها الكثير الكثير ولكن حجم المعاناه والظلم الذى نعيشة يجعل كل تلك المخاطر لا شيء أمامها، وسلّمت للأمر، كأنه قدر لا مفر منه .
بعد أن حصلت على الفيزا لدولة تركيا كان التحدي الأكبر وهو كيفيه الخروج من قطاع غزة والسفر عبر معبر رفح البري ؟
المشهد صادم جدا حيث أعداد المسجلين للسفر أكثر من خمسين ألف إنسان وعدد المسموح لهم بالسفر يوميا أقل من ألف إنسان ونصفهم من غير المدرجين على كشوفات التسجيل وكذلك العدد للراغبين بالسفر يوميا يزداد، كان فى حينها هناك شيء يعرف بالتنسيق مع الجانب المصري وهو لا يكلف كثيرا وبعد محاولات كثيرة باءت بالفشل لأكثر من 6 أشهر اضطررت لعمل تنسيق لأتمكن من السفر أنا وزوجتى .
كان ينبغي علينا أن نرحل لننجو بأنفسنا قبل أن تقوم قيامة غزة فى هذه الحرب اللعينة، لكنني أخذني الوقت، وخذلتني الظروف كثيرا
قررت أن أهرب من أتون حرب كنت أشعر أنها قادمة.
وكانت ثاني خطواتى دخول أرض مصر وتوجهت نحو مطار القاهرة مباشرة أنتظر موعد الرحله إلى إسطنبول وبقيت فى تلك المدينه الجميلة يوما تم توجهت نحو أزمير حيث كان فى إنتظاري الصديق الرائع عادل نجم لننطلق معا فى رحلتنا الخطيره، في تلك اللحظة رأيت في تركيا وجه المستقبل حيث هناك كل شيء مختلف تشعر بقيمة الحياة وثقافة الشعوب ومعنى العيش بسلام وإستقرار ولكن تركيا لم تكن هى الهدف وإنما هى أحد أهم المحطات التى هى ضمن الهدف فكانت وجهتى نحو أوروبا حيث الأمان والإستقرار ، ورأيت الأيام القادمة وأفق المستقبل أمامي كلما يفقد الإنسان قيمه الشعور بالأمن والأمان والإستقرار كلما شعر بقوة الرحيل بحثا عن حياة أفضل.
ثم وقع ما كنت أخشاه.
بعدما تمكنت من الوصول لمكاتب المهربين لرحلات الهجرة الغير شرعيه، وهى بالمناسبة مكاتب يعرفها الجميع تعمل فى العلن وتجد فى المدينه آلاف الغرباء الذين عاشوا الظلم والبؤس والاضطهاد فى بلادهم تجدهم فى كل مكان، كنت أذهب للمسجد أصلى وأنظر فى تلك الوجوه رغم إختلاف ألوانها وملامحها ولهجاتها ولغاتها إلا أننا جميعا نشترك فى هدف واحد الكل مبتغاه الوصول إلى أوروبا للتخلص من عذابات الحياة فلكل واحد منا أسبابه التى دفعته للهجرة الغير شرعيه الكل يبحث عن حياة أفضل .
وكانت أول رحله بالبحر وهى أول تجربة تبدأ برسالة من مكتب التهريب بأن تكون جاهزا وتنتظر فى ذلك المكان وتجد معك مجموعة البؤساء الذين يشاركونك الهدف فشعرت برهبة لأنها التجربه الأولي، أو لعلني توهمت وظننت أنها ستكون سهلة، ثم ذهبنا إلى الغابة وبقينا فيها يوما كاملا وبعدها إنتقلنا إلى البحر وركبنا قارب مطاطي كان عددنا 56 إنسان رجالا ونساءا وأطفالا وفى عرض البحر تم الإمساك بنا من قبل قارب للناتو أعادنا إلى تركيا وتم إحتجازنا مدة شهر تم أعدنا التجربة من جديد ونجحت هذه المرة بالوصول إلى أحد جزر اليونان
وكانت شبه خاليه من السكان صعدنا الجبل وإختبأنا داخلها تحت الأشجار حتى طلوع الشمس لنشعر ببعض الدفء، تم بدأنا نراسل منظمات إنسانية نستغيث بها وللأسف لم تستجيب لنا أي منها إلا واحده وهى منظمة " إيجا"، كان ذلك فى الحادي عشر من شهر سبتمبر من العام 2022 .
وفى لحظة هادئه بينى وبين نفسي على سفح الجبل مرت أمامي تفاصيل كثيرة من العمر وكأنى غفوت بين النوم واليقظه العيون منفتحة ولكن العقل تاه قليلا فى بحر الذكريات .
فلم أجد إلا أن أستسلم للواقع، حيث كانت أشياء لن أتجاوزها خاصة وأن لدى الكثير الكثير من القصص لمن سبقونا وفى هذا الموقف تحديدا بأنه تم الإمساك بهم فى منتصف الطريق وسلب ما لديهم وإعادتهم من حيث أتوا، ولكن أمر الله والقدر كان عكس كل التوقعات فتجاوزنا تلك الأزمة وهى كانت أشبه بالمعجزة بأن يأتينا رجال الأمن بعدما شاهدوا التفاعل الكبير على صفحة منظمة إيجا حيث تفاعل خلال ساعات قليلة أكثر من خمسة وستون ألف إنسان جميعهم منحونا الأمل بتعليقاتهم وكلماتهم التى تطالب رجال الأمن بمساعدتنا للوصول نحو بر الأمان وتقديم لنا كافة السبل اللازمة ووصلت تلك الكلمات ليست لرجال الأمن فحسب بل وصلت قصتنا وحكايتنا للسياح الأجانب من مختلف دول أوروبا فى تلك الفترة ممن كانوا على تلك الجزيره وأتوا على الميناء البحري وإلتقينا بهم وغمرتنا السعادة بوجودهم وجميعهم كان يتسابق الجميع فيما يقدموا لنا بعضهم قدم الطعام والشراب وآخر قدم لنا الماء وآخر قدم البسكويت والشاي والقهوة وكانوا يتحدثون معنا ويستمعوا لنا بإصغاء شديد وإلتقطوا معنا صور تذكارية مازلت أحتفظ ببعضها
تم صعدنا برفقة السياح للقارب السياحى وتوجهنا نحو جزيرة ساموس باليونان وهناك بدأ فصل جديد من المعاناة وهى البداية للطريق نحو تحقيق الهدف الفعلى ورغم ما واجهت من إجراءات تعسفيه فى البدايه إلا أنها تبقى خطوة إيجابية نحو الأمام حيث بقيت فى جزيره ساموس لمدة 6 أشهر حصلت فيها على الموافقة من دائرة الهجرة بمنحى أوراق اللجوء والإقامة الدائمة ومن جزيره ساموس إنتقلت عبر مطارها إلى أثينا العاصمة اليونانية التاريخيه والحضارية وهناك منذ اللحظات الأولى للوصول إلى أثينا تأسرك المدينه نحو التاريخ القديم والحضارة التى أبهرت العالم فكل شيء بالمدينة يحدثني عن تاريخها وأصالتها حضارة قديمة ومميزة ومذهلة، بقيت فى أثينا مدة ثلاثة أشهر حتى إنتهاء تجهيز أوراقى والحصول على الإقامة الدائمة مدتها خمس سنوات وجواز السفر المؤقت خلال تلك الأشهر استمتعت بزيارة الكثير من الأماكن الأثرية، وفى أول يوم وصلت فيه إلى أثينا نزلت فى فندق Roy وكان الموظف رجل كبير يعشق فلسطين عندما سألنى من أى بلد أنت ؟
أخبرته من فلسطين فكاد ان يبكى محبه وإخلاصا للشعب الفلسطيني وأصر أن أشرب فنجان قهوة بصحبته ثمنه محبة فلسطين، وجلسنا نتحدث كثيرا وأخبرني عن سبب حبه لفلسطين وهو أنه عندما كان شابا صغيرا كان يعمل مصور فوتوغرافي وهو من إلتقط مجموعة صور للزعيم الفلسطيني ياسر عرفات برفقة رئيس الوزراء اليوناني السيد " انذرياس بابانذريو " فى ثمانينيات القرن الماضى ومنحنى نسخة من تلك الصور التى مازال يحتفظ بها وهو يقرأ الكثير عن القضية الفلسطينية وأعرب قائلا بأن الشعب الفلسطيني شعب شجاع وشعب عظيم وحتما سوف يتحرر، وهو يحدثني عن الرمز الشهيد القائد أبو عمار شعرت بفخر وسعادة بأن لدينا قائد أممى يعرفة الجميع ويحبه كل شعوب العالم.
تم أكملت طريقى نحو فرنسا لزيارة سيدة عظيمة هى أمى التى لم تلدني تعرفت بهم قبل عشرين عام وكانت تلك الزيارة الأولى التى ألتقى بهم وكنت فى غاية السعادة بأن ألتقى مع الأم العظيمة ماما أمينة العلمي وزوجها العزيز وأبناؤها الكرام وقضينا بصحبتهم عشرة أيام تم أكملنا طريقنا وصولا إلى بروكسل عاصمة الإتحاد الأوروبي العاصمة الجميلة والمميزة حيث كانت المعاملة تختلف تماما عن اليونان فى بروكسل إحترام للقانون وإلتزام بالقانون وإختلاف كبير بين أثينا وبروكسل حيث بروكسل فيها الهدوء والإلتزام والإحترام للقوانين بشكل كبير، ومن هنا فى بروكسل بدأت محطة جديدة تخللها الكثير من الأحداث والمواقف مرورا بأشياء كثيرة إنتهت بمنحنا اوراق الإقامة الدائمة البلجيكية ونحن سعداء بوجودنا هنا فى المملكة البلجيكية العريقة برعاية الملك فيليب الأول ملك القلوب الذى أحبه كل الشعب البلجيكي .