«تروث إيه بي آي» تثير جدلًا في واشنطن: هل حوّل ترامب تصريحاته الرئاسية إلى سلعة لوول ستريت؟
واشنطن: أثار إطلاق شركة «ترامب ميديا آند تكنولوجي جروب» خدمة جديدة تتيح لعملاء في وول ستريت وصولًا سريعًا ومدفوعًا إلى منشورات الرئيس الأميركي دونالد ترامب على منصة «تروث سوشيال»، جدلًا سياسيًا وقانونيًا متصاعدًا في الولايات المتحدة، وسط تساؤلات بشأن تضارب المصالح وإمكان استفادة متداولين ماليين من الوصول المبكر إلى تصريحات رئاسية قادرة على تحريك الأسواق.
وبحسب مقال رأي نشره الكاتب جون كاسيدي في مجلة «ذا نيويوركر» في 17 أغسطس 2026، ضمن عموده الأسبوعي «الصفحة المالية»، أطلقت «ترامب ميديا»، التي يُعد ترامب أكبر مساهم فيها، في مطلع أغسطس خدمة «تروث إيه بي آي» (Truth API)، التي تتيح للشركات وصولًا مباشرًا ومرخصًا إلى منشورات الرئيس، مقابل اشتراكات قد تصل إلى 100 ألف دولار شهريًا. ويضع كاسيدي هذه الخطوة في إطار نقدي أوسع لما يصفه بـ«الإثراء الذاتي» خلال الولاية الثانية لترامب.
وتكتسب الخدمة أهميتها من طبيعة منشورات ترامب نفسها؛ إذ يمكن لتصريحاته بشأن التعريفات الجمركية أو مجلس الاحتياطي الفيدرالي أو ملفات السياسة الخارجية واتفاقيات السلام أن تؤثر بصورة مباشرة في الأسواق المالية. وبدلًا من الاعتماد على متابعة «تروث سوشيال» بالطريقة التقليدية، تستطيع المؤسسات المشتركة الحصول على البيانات فور نشرها وإدخالها مباشرة في أنظمة التداول والخوارزميات الآلية.
ووفق المقال، أقر أكثر من عشرة عملاء بالاشتراك في الخدمة، معظمهم شركات تداول عالي التردد، وهي شركات تقوم استراتيجياتها على التقاط المعلومات ومعالجتها وتنفيذ الصفقات بسرعة كبيرة. كما قال الرئيس التنفيذي المؤقت لـ«ترامب ميديا»، كيفن ماكغورن، إن الشركة تجري محادثات مع عملاء محتملين آخرين، بينهم مشغلو مراكز بيانات ومؤسسات إعلامية ومطورو أنظمة ذكاء اصطناعي، إضافة إلى العمل على نسخة مخصصة للمستثمرين الأفراد.
من خدمة بيانات إلى قضية سياسية
الجدل لا يتعلق، في جوهره، ببيع البيانات وحده، إذ تقدم منصات تواصل اجتماعي أخرى خدمات مدفوعة للوصول إلى بياناتها عبر واجهات برمجة التطبيقات. وتستشهد «ترامب ميديا»، وفق المقال، بمنصة «إكس» التي توفر بدورها خططًا تجارية مرتفعة التكلفة.
لكن منتقدي «تروث إيه بي آي» يرون أن الحالة مختلفة بسبب الجمع بين موقع ترامب كرئيس للولايات المتحدة وكونه أكبر مساهم في الشركة التي تستفيد ماليًا من تصريحاته. فالبيانات التي يجري تسويق الوصول السريع إليها ليست منشورات لشخصية عامة أو رجل أعمال فحسب، وإنما تصريحات يصدر بعضها عن رئيس أثناء ممارسته مهامه ويمكن أن تؤثر في قرارات اقتصادية وسياسية وأسواق مالية.
وقد تحول الجدل بالفعل إلى مواجهة قضائية وتشريعية. فبحسب المقال، رفعت مؤسستا «ذا إنترسبت» و«مؤسسة حرية الصحافة» دعوى أمام محكمة فيدرالية في نيويورك، معتبرتين أن الخدمة تخل بمبدأ المساواة في الوصول إلى تصريحات الرئيس بين المؤسسات الصحفية والجمهور والجهات القادرة على دفع مبالغ كبيرة للحصول عليها بسرعة أكبر.
وفي موازاة ذلك، قدم السيناتور الديمقراطي مارك وارنر مشروع قانون يستهدف منع شركات التواصل الاجتماعي من بيع وصول سريع إلى حسابات الموظفين الحكوميين. ويصف مسؤول في «مؤسسة حرية الصحافة» المخطط بأنه يستهدف في الوقت نفسه الأسواق والقضايا المرتبطة بالتعديل الأول للدستور الأميركي.
أسئلة حول التداول الداخلي
يتجاوز الجدل مسألة المساواة في الوصول إلى المعلومات إلى احتمال وجود إشكالات مرتبطة بقواعد الأسواق المالية.
وينقل كاسيدي عن ريتشارد بينتر، كبير مستشاري الأخلاقيات السابق في البيت الأبيض خلال إدارة جورج دبليو بوش، قوله إن الخدمة قد تصطدم بقوانين التداول الداخلي التي تحظر تقديم معلومات إلى أشخاص يتداولون على أساسها مقابل منفعة.
وتزداد المسألة تعقيدًا بسبب الوضع الدستوري للرئيس. فمنشورات ترامب السياسية على «تروث سوشيال» يمكن، بحسب هذا الطرح، أن تُعد أعمالًا رسمية تتمتع بالحماية التي أقرتها المحكمة العليا للأفعال الرئاسية الرسمية. لكن بينتر يميز بين إصدار الرئيس تصريحًا رسميًا وبين قيام شركة مرتبطة به ببيع وصول تفضيلي إلى المعلومات الناتجة عن نشاطه الرئاسي.
ويرى أن هذا التمييز قد يفتح مستقبلًا باب المسؤولية القانونية أمام «ترامب ميديا»، وربما أمام مؤسسات مالية تشتري الخدمة ثم تتداول اعتمادًا على المعلومات التي تحصل عليها.
ثغرات في منظومة تضارب المصالح
تسلط القضية كذلك الضوء على خصوصية القواعد الأميركية المنظمة لتضارب المصالح بالنسبة إلى الرئيس ونائبه. ويشير المقال إلى أن الرئيس الأميركي لا يخضع بالطريقة نفسها التي يخضع بها الموظفون الفيدراليون العاديون لقوانين تضارب المصالح، وهي ثغرة أثارت نقاشًا متكررًا منذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض للمرة الأولى عام 2017.
ويضيف كاسيدي إلى ذلك الحصانة الواسعة التي أقرتها المحكمة العليا عام 2024 في قضية «ترامب ضد الولايات المتحدة» بشأن الأفعال الرسمية للرئيس، إلى جانب سياسة وزارة العدل الأميركية المستقرة منذ عقود بعدم توجيه اتهام جنائي إلى رئيس في أثناء وجوده في منصبه.
ويرى منتقدو ترامب الذين يستند إليهم المقال أن اجتماع هذه العوامل خلق مساحة قانونية واسعة يصعب في إطارها التعامل مع الحالات التي تتداخل فيها المصالح التجارية الخاصة مع الصلاحيات الرئاسية.
ضغوط مالية على «ترامب ميديا»
يأتي إطلاق الخدمة الجديدة في وقت تواجه فيه «ترامب ميديا» تحديات مالية وتجارية كبيرة. ووفق الأرقام الواردة في المقال، انخفض عدد زوار «تروث سوشيال» بأكثر من 30 في المئة خلال يوليو مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وفي أحدث أرباعها المالية، سجلت الشركة إيرادات بلغت نحو 1.7 مليون دولار، مقابل خسائر وصلت إلى 238.1 مليون دولار، يُعزى جانب كبير منها إلى تراجع قيمة استثماراتها في البيتكوين والأصول الرقمية.
كما تراجع سهم الشركة، المتداول تحت الرمز «DJT»، بنحو 75 في المئة منذ بداية العام الماضي، في وقت تحاول فيه الشركة تنويع نشاطها، بما في ذلك التوجه نحو الاندماج مع شركة «TAE Technologies» الأميركية العاملة في مجال تطوير طاقة الاندماج النووي.
وفي هذا السياق، تبدو «تروث إيه بي آي» محاولة لتحويل أحد أهم الأصول التي تمتلكها الشركة، وهو حضور ترامب نفسه وقدرة تصريحاته على جذب الانتباه وتحريك الأسواق، إلى مصدر إيرادات مباشر، بعد تعثر «تروث سوشيال» في منافسة منصات أكبر مثل «إكس» و«فيسبوك».
جدل يتجاوز ترامب
يضع كاسيدي القضية في سياق أوسع يتعلق بقدرة النظام السياسي الأميركي على التعامل مع تضارب المصالح في أعلى مستويات السلطة. ويحمل الكاتب الجمهوريين المؤيدين لترامب المسؤولية الأساسية عن عدم كبح ما يعتبره تداخلًا بين المنصب الرئاسي والمصالح التجارية، لكنه ينتقد الديمقراطيين أيضًا لعدم استغلال سيطرتهم على البيت الأبيض والكونغرس عام 2021 لتمرير إصلاحات تشريعية شبيهة بتلك التي أعقبت فضيحة ووترغيت.
ويشير المقال إلى أن تكرار الجدل خلال ولاية ترامب الثانية قد يعيد فتح النقاش بشأن إخضاع الرئيس ونائبه لقواعد تضارب المصالح المطبقة على بقية الموظفين الفيدراليين، بما يقلص المساحة التي تسمح بتداخل المصالح التجارية الخاصة مع ممارسة السلطة العامة.
في المقابل، ينفي البيت الأبيض وجود علاقة لترامب بإدارة أعماله، مشيرًا إلى أن هذه المصالح موضوعة في صندوق ائتماني قابل للإلغاء يديره نجله دونالد ترامب جونيور، فيما يحيل الاستفسارات المتعلقة بخدمة «تروث إيه بي آي» إلى الشركة نفسها. إلا أن هذا الفصل لم يقنع خبراء الأخلاقيات والجهات المنتقدة التي يستشهد بها كاسيدي.
وهكذا، تتجاوز قضية «تروث إيه بي آي» السؤال عن مشروعية بيع شركة خاصة لخدمة بيانات متقدمة. فجوهر الجدل يتمثل في ما إذا كان من المقبول أن تتحول تصريحات رئيس الولايات المتحدة، التي قد تؤثر فورًا في الأسواق العالمية، إلى منتج تجاري يمنح المؤسسات القادرة على دفع مبالغ كبيرة أفضلية زمنية في الوصول إليها، وما إذا كانت القواعد الأميركية الحالية قادرة أصلًا على التعامل مع هذا النوع غير المسبوق من التداخل بين السلطة السياسية والمصلحة التجارية.
ويظل مهمًا أن المقال الأصلي يمثل عمود رأي ذا توجه نقدي واضح تجاه ترامب، وليس تقريرًا إخباريًا محايدًا؛ إذ يعتمد كاسيدي بدرجة كبيرة على خبراء ومنظمات ومحامين ينتقدون الرئيس، بينما يورد موقف البيت الأبيض بصورة محدودة. وهي طبيعة تحريرية ينبغي أخذها في الاعتبار عند قراءة الاتهامات والاستنتاجات الواردة فيه.