أخبار

تجدد التوتر بين إثيوبيا وتيغراي يهدد بإعادة رسم موازين النفوذ في القرن الأفريقي

تجدد التوتر بين إثيوبيا وتيغراي يهدد بإعادة رسم موازين النفوذ في القرن الأفريقي

أديس أبابا: تعود التوترات في شمال إثيوبيا إلى الواجهة وسط مخاوف من أن تؤدي هشاشة الترتيبات التي أنهت حرب تيغراي إلى فتح جولة جديدة من الصراع، قد لا تبقى هذه المرة محصورة داخل الحدود الإثيوبية، في ظل شبكة متشابكة من المصالح والتحالفات الإقليمية تمتد من إريتريا ومصر والسودان والصومال إلى السعودية والإمارات والبحر الأحمر.

ويستعرض مركز سوفان (The Soufan Center)، في تحليل استخباراتي نشره ضمن سلسلة IntelBrief في 21 أغسطس/آب 2026، مؤشرات التصعيد الأخيرة بين القوات المسلحة الإثيوبية الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي، وانعكاساتها المحتملة على التوازنات الإقليمية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. ويربط المركز بين التطورات الميدانية الأخيرة وهشاشة اتفاق بريتوريا لعام 2022، الذي وضع حدًا للحرب التي شهدها إقليم تيغراي بين عامي 2020 و2022، محذرًا من أن انهيار الترتيبات القائمة قد يعيد المنطقة إلى دائرة صراع ذات أبعاد تتجاوز الداخل الإثيوبي.

مؤشرات تصعيد متسارعة

تأتي المخاوف الحالية بعد سلسلة تطورات ميدانية وقعت خلال فترة زمنية قصيرة. ففي 3 أغسطس/آب، رُصدت تحركات لضباط عسكريين إريتريين قرب بلدة زالامبيسا الحدودية، أعقبها في 6 أغسطس إعلان عن تنسيق ميداني جديد بين جبهة تحرير تيغراي والجانب الإريتري. كما شهد غرب تيغراي اشتباكات متفرقة، وسط روايات متباينة بشأن ملابسات اندلاعها.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة العلاقة المتغيرة بين إثيوبيا وإريتريا. فخلال حرب تيغراي، وقفت أسمرة إلى جانب الحكومة الفيدرالية الإثيوبية، لكن اتفاق بريتوريا لعام 2022 لم يشمل إريتريا طرفًا مباشرًا، الأمر الذي أسهم، وفق تحليل مركز سوفان، في نشوء ديناميكية أكثر تعقيدًا بين أسمرة وأديس أبابا خلال السنوات اللاحقة.

البحر الأحمر وسد النهضة يدخلان المعادلة

لا ينظر التقرير إلى التوتر في تيغراي باعتباره أزمة إثيوبية داخلية فقط، بل يضعه ضمن سياق أوسع يتصل بالتنافس على النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

وتبرز مصر بوصفها أحد الأطراف الأكثر اهتمامًا بمسار التطورات، خصوصًا في ظل ملفين استراتيجيين متداخلين: التصريحات المتكررة لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد منذ عام 2025 بشأن تطلعات بلاده للوصول إلى البحر الأحمر، واستمرار الخلاف المرتبط بسد النهضة الإثيوبي الكبير على النيل الأزرق، الذي يمثل مصدرًا رئيسيًا للمياه لكل من مصر والسودان.

ويشير التقرير كذلك إلى العلاقات التاريخية بين القاهرة وأسمرة منذ استقلال إريتريا عام 1993، فضلًا عن الاتفاقية الأمنية التي أبرمتها مصر مع الصومال عام 2024، وهي تحركات يضعها المركز ضمن اهتمام القاهرة المتزايد بموازين القوى في القرن الأفريقي.

السعودية وأمن البحر الأحمر

تدخل السعودية بدورها في الحسابات الإقليمية بحكم علاقتها التاريخية الطويلة مع إريتريا وموقعها المباشر على الضفة الأخرى من البحر الأحمر.

ويربط مركز سوفان الاهتمام السعودي بالتطورات في القرن الأفريقي بأولوية حماية أمن الملاحة البحرية، وهي مسألة ازدادت أهميتها في ظل الضغوط التي تواجه مسارات الطاقة والتجارة العالمية، ولا سيما مع التطورات في مضيق هرمز واستمرار التهديدات الأمنية المرتبطة بالتوتر مع الحوثيين بالقرب من باب المندب.

وبذلك، يصبح أي اضطراب جديد في القرن الأفريقي جزءًا من معادلة أمنية أوسع تمتد بين هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، وهي ممرات تمر عبرها نسبة مهمة من حركة التجارة والطاقة العالمية.

الإمارات وإثيوبيا: شراكة اقتصادية راسخة

في المقابل، يلفت التقرير إلى العلاقات الاقتصادية والاستثمارية التي تربط دولة الإمارات العربية المتحدة بإثيوبيا، ضمن شبكة أوسع من الشراكات الإماراتية في القرن الأفريقي.

ويضع مركز سوفان هذه العلاقات في إطار سياسة إماراتية تعتمد على الاستثمارات والمشروعات التنموية ودعم الاستقرار الاقتصادي في المنطقة، وهو ما يمنح أبوظبي مصالح مباشرة في الحفاظ على استقرار إثيوبيا ومنع انزلاقها مجددًا إلى حرب داخلية واسعة.

ويزيد الملف السوداني المشهد تعقيدًا، إذ تتقاطع فيه مصالح عدة أطراف إقليمية، وسط تقييمات ومزاعم متباينة بشأن طبيعة الدعم المقدم للأطراف المتحاربة، فضلًا عن التداعيات الإنسانية المستمرة للحرب، خصوصًا في دارفور.

هل تتشكل اصطفافات إقليمية جديدة؟

أحد أكثر أجزاء تحليل مركز سوفان حساسية يتعلق بالسيناريوهات المحتملة للاصطفافات الإقليمية إذا تحولت التوترات الحالية إلى مواجهة عسكرية واسعة.

وبحسب السيناريو الذي يستعرضه التقرير، قد تميل السعودية ومصر وإريتريا والحكومة الفيدرالية الصومالية والقوات المسلحة السودانية إلى مواقف أقرب إلى جبهة تحرير تيغراي، انطلاقًا من شبكة العلاقات القائمة مع أسمرة والقاهرة. وفي المقابل، قد تميل الإمارات وقوات الدعم السريع السودانية، وفق السيناريو نفسه، إلى مواقف أقرب إلى الحكومة الفيدرالية الإثيوبية استنادًا إلى العلاقات والشراكات القائمة مع أديس أبابا.

غير أن التقرير يشدد على أن هذه الخريطة ليست تحالفات معلنة ولا التزامات سياسية أو عسكرية مؤكدة، وإنما سيناريو تحليلي يستند إلى شبكة المصالح والعلاقات القائمة. كما يستشهد بتقييم لأحد المحللين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أعرب فيه عن القلق من احتمالات اتساع نطاق التصعيد، من دون اعتبار ذلك مؤشرًا حتميًا إلى توجه المنطقة نحو حرب إقليمية.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن طبيعة التحالفات في القرن الأفريقي شديدة السيولة؛ فالعلاقات بين الدول والفاعلين المحليين تحكمها ملفات متعددة، من الأمن البحري والموانئ إلى المياه والاستثمارات والنزاعات الداخلية، ما يجعل اختزالها في محورين متقابلين أمرًا لا يعكس بالضرورة تعقيدات المشهد.

واشنطن ومحاولة منع الانفجار

في مواجهة احتمالات التصعيد، يبرز الدور الأمريكي ضمن الجهود الرامية إلى تثبيت الاستقرار الإقليمي. ويشير التقرير إلى رفع الولايات المتحدة العقوبات المفروضة على إريتريا في مايو/أيار 2026، في خطوة كان من أهدافها المعلنة دعم استقرار ممرات الملاحة في البحر الأحمر.

ويرى مركز سوفان أن واشنطن تولي أهمية لاستمرار التنسيق مع شركائها الإقليميين، خصوصًا في ظل الترابط المتزايد بين أمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر والتطورات الأوسع في منطقة الخليج.

اتفاق بريتوريا أمام اختبار جديد

يبقى جوهر الأزمة مرتبطًا بمستقبل اتفاق بريتوريا. فالحرب الإثيوبية السابقة خلفت كلفة إنسانية هائلة، وبالتالي فإن أي انهيار للترتيبات التي أنهت القتال قد يفتح الباب أمام أزمة جديدة يصعب احتواؤها داخل الحدود الإثيوبية.

ويخلص تحليل مركز سوفان إلى أن هشاشة تنفيذ اتفاق 2022 تستوجب متابعة إقليمية ودولية دقيقة، في ظل تداخل المصالح الأمنية والاقتصادية والتنموية للدول المحيطة بإثيوبيا. فمصر تتحرك أساسًا من اعتبارات أمن المياه وحوض النيل، والسعودية تنظر إلى أمن البحر الأحمر بوصفه مصلحة استراتيجية، بينما ترتبط الإمارات بشبكة واسعة من الاستثمارات والشراكات الاقتصادية والتنموية في إثيوبيا والمنطقة.

وتزداد خطورة الوضع لأن التوتر الإثيوبي يأتي في لحظة تشهد فيها المنطقة أصلًا ضغوطًا جيوسياسية وأمنية على الممرات البحرية. وبالتالي، فإن انتقال الأزمة من مستوى التوتر الداخلي إلى مواجهة مفتوحة يمكن أن يضيف بؤرة اضطراب جديدة إلى البيئة الأمنية الممتدة من الخليج ومضيق هرمز إلى باب المندب والبحر الأحمر.

وفي المحصلة، لا تكمن خطورة تجدد التوتر في تيغراي في احتمال عودة الحرب الإثيوبية وحده، وإنما في قابلية الأزمة للتشابك مع تنافسات ومصالح إقليمية قائمة أصلًا. ومن هنا يصبح الحفاظ على اتفاق بريتوريا ومنع انهياره مسألة تتجاوز استقرار إثيوبيا، لتلامس بصورة مباشرة أمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر وموازين النفوذ في واحدة من أكثر المناطق حساسية بالنسبة إلى التجارة والأمن العالميين.