مقالات

هل تمهد التفاهمات لمرحلة جديدة أم أنها هدنة تحت ضغط الضرورة؟

غزة بين وقف النار واستحقاقات السياسة

هل تمهد التفاهمات لمرحلة جديدة أم أنها هدنة تحت ضغط الضرورة؟

يدخل ملف الحرب على قطاع غزة منعطفاً سياسياً بالغ الحساسية مع الحديث عن بدء تنفيذ المرحلة الثانية من تفاهمات التهدئة، وإبلاغ الوسطاء الدوليين وفود التفاوض بقرار وقف العمليات العسكرية والاغتيالات المتبادلة، في خطوة تعكس انتقال الأزمة من منطق الميدان إلى منطق السياسة. وإذا ما التزم جميع الأطراف بهذه التفاهمات، فإن المنطقة ستكون أمام مرحلة جديدة تختلف في طبيعتها عن الأشهر السابقة، حيث ستنتقل الأولوية من إدارة الحرب إلى إدارة تداعياتها السياسية والإنسانية والأمنية.

ولا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن التحولات التي فرضتها الحرب. فبعد أشهر طويلة من المواجهات، بات واضحاً أن الخيارات العسكرية، على الرغم من ضراوتها، لم تتمكن من إنتاج حسم سياسي نهائي. فإسرائيل لم تحقق بصورة كاملة الأهداف التي أعلنتها منذ بداية الحرب، وفي مقدمتها القضاء على المقاومة وإعادة تشكيل الواقع السياسي في قطاع غزة وفق رؤيتها، كما أن المقاومة، رغم قدرتها على الصمود وإعادة صياغة معادلات الردع، دفعت ثمناً إنسانياً هائلاً نتيجة حجم الدمار والخسائر التي أصابت القطاع وسكانه.

ومن هذا المنطلق، فإن التفاهمات المطروحة لا ينبغي النظر إليها بوصفها مجرد وقف لإطلاق النار، وإنما باعتبارها محاولة لإعادة صياغة المشهد السياسي، وتهيئة الأرضية لمرحلة قد تشمل ترتيبات أمنية وإدارية وإنسانية تتجاوز حدود القطاع، وتمتد آثارها إلى القضية الفلسطينية برمتها.

وتكشف التحركات الدبلوماسية المكثفة أن الوسطاء الإقليميين والدوليين باتوا أكثر اقتناعاً بأن استمرار الحرب لم يعد يخدم الاستقرار الإقليمي، بل يهدد بتوسيع دائرة الصراع، وهو ما يفسر الضغوط المتزايدة للوصول إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ، تتضمن تثبيت وقف إطلاق النار، واستكمال عمليات تبادل الأسرى، وإدخال المساعدات الإنسانية، والانطلاق في إعادة إعمار القطاع ضمن آليات تحظى برقابة وضمانات دولية.

إلا أن النجاح الحقيقي لهذه التفاهمات سيظل مرهوناً بمدى التزام الأطراف بها، وبوجود ضمانات دولية تحول دون العودة إلى دوامة التصعيد. فالتجارب السابقة أثبتت أن الاتفاقات الهشة سرعان ما تنهار عندما تصطدم بالحسابات السياسية الداخلية أو بالمواقف الأيديولوجية المتشددة، خصوصاً في ظل الانقسام داخل الساحة الإسرائيلية، واستمرار وجود قوى ترى في أي تسوية سياسية تراجعاً عن أهداف الحرب، مقابل سعي الفصائل الفلسطينية إلى تحويل ما تعتبره صموداً ميدانياً إلى مكاسب سياسية ووطنية.

وعلى المستوى الفلسطيني، فإن المرحلة المقبلة تفرض استحقاقات لا تقل أهمية عن وقف الحرب نفسها. فإعادة إعمار غزة، واستعادة وحدة المؤسسات الفلسطينية، وتوحيد القرار الوطني، وإعادة بناء النظام السياسي على أسس الشراكة والشرعية، تمثل جميعها عناصر لا غنى عنها لضمان عدم تكرار دورات الصراع، ولتحويل التهدئة إلى فرصة حقيقية لاستعادة المشروع الوطني الفلسطيني.

أما إقليمياً، فإن نجاح التفاهمات سيعزز دور الوساطة العربية، ولا سيما الدور المصري، باعتباره ركيزة أساسية في إدارة الأزمة، كما قد يفتح المجال أمام تحركات دولية أوسع لإحياء المسار السياسي، شريطة ألا تقتصر الجهود على معالجة النتائج الإنسانية، بل تمتد إلى معالجة جذور الصراع المتمثلة في استمرار الاحتلال والاستيطان وغياب الحل السياسي العادل.

وفي المقابل، فإن القراءة الواقعية تقتضي عدم المبالغة في التفاؤل. فوقف العمليات العسكرية لا يعني نهاية الصراع، بل يمثل بداية مرحلة أكثر تعقيداً، عنوانها الصراع السياسي على مستقبل غزة، وآليات إدارتها، وإعادة إعمارها، وطبيعة العلاقة بين القطاع والضفة الغربية، فضلاً عن مستقبل العملية السياسية الفلسطينية برمتها.

إن أي اتفاق لا يعالج الأسباب الجوهرية للصراع سيبقى معرضاً للانهيار عند أول اختبار. فالسلام المستدام لا يتحقق بمجرد وقف إطلاق النار، وإنما بإرساء تسوية سياسية عادلة تستند إلى القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وتنهي الاحتلال، وتكفل للشعب الفلسطيني حقه غير القابل للتصرف في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

وعليه، فإن الأيام المقبلة ستكون اختباراً مزدوجاً: اختباراً لجدية الأطراف في الالتزام بالتفاهمات، واختباراً لإرادة المجتمع الدولي في الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول. فإما أن تشكل هذه التفاهمات نقطة انطلاق نحو استقرار سياسي طال انتظاره، وإما أن تتحول إلى هدنة مؤقتة تؤجل الانفجار ولا تمنع وقوعه، لتبقى المنطقة رهينة دورة جديدة من الصراع، يدفع ثمنها الجميع.