أخبار

صفقة اضطرارية مع طهران.. هل يصبح التفاهم مع إيران الخيار الوحيد لإنقاذ أمن الخليج ومضيق هرمز؟

صفقة اضطرارية مع طهران.. هل يصبح التفاهم مع إيران الخيار الوحيد لإنقاذ أمن الخليج ومضيق هرمز؟

لندن: يرى مقال افتتاحي نشرته مجلة الإيكونوميست، ونقلته نشرة مينا إنتل بريف، أن استمرار إغلاق مضيق هرمز بعد أكثر من خمسة أشهر من الحرب وضع دول الخليج أمام معادلة استراتيجية صعبة، إذ لم تنجح الضربات العسكرية ولا الضغوط السياسية في إعادة فتح الممر البحري، بينما تبدو مشاريع الالتفاف على المضيق غير كافية لتأمين صادرات الطاقة والتجارة الخليجية، ما يجعل التوصل إلى تفاهم مع إيران، رغم كلفته السياسية، الخيار الأكثر واقعية في المدى المنظور. ‎⁨

ويشير التقرير إلى أن الأزمة دخلت مرحلة الجمود، حيث تكرر خلال الأشهر الماضية نمط ثابت يتمثل في عودة القتال كلما تعثرت المحادثات الأمريكية الإيرانية، ثم استئناف التفاوض بعد عجز العمليات العسكرية عن تحقيق حسم ميداني. وفي هذا السياق، عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الجمع بين التلويح باستخدام القوة والدعوة إلى اتفاق يعيد فتح المضيق، مانحاً طهران فرصة جديدة للتفاوض. ‎⁨

وبحسب التقرير، فإن إيران لا تزال متمسكة بفرض سيطرة شبه كاملة على المضيق، في وقت لا تبدو فيه الدول الخليجية قادرة على تغيير هذا الواقع أو إرغام طهران على التراجع عنه، بل إن أي تغيير محتمل في القيادة الإيرانية لا يضمن التخلي عن الورقة الاستراتيجية التي يوفرها التحكم بالممر البحري الأهم لتجارة الطاقة العالمية. ‎⁨

وفي مواجهة هذا الواقع، تسارع دول الخليج إلى تقليص اعتمادها على هرمز عبر مشاريع بنية تحتية ضخمة، تشمل توسيع خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية، وخططاً عراقية لتحويل جزء من الصادرات النفطية شمالاً، إضافة إلى دراسة إنشاء مصفاة نفط عملاقة خارج نطاق المضيق باستثمارات أمريكية وسعودية، بهدف الحد من المخاطر المرتبطة بإغلاقه. ‎⁨

لكن التقرير يرى أن هذه البدائل، رغم أهميتها، لن تنهي الاعتماد على المضيق. فحتى إذا اكتملت جميع المشاريع المعلنة بحلول عام 2030، سيبقى نحو خمسة ملايين برميل يومياً، من أصل خمسة عشر مليون برميل كانت تعبر هرمز قبل الحرب، بحاجة إلى المرور عبره. كما أن خطوط الأنابيب نفسها قد تصبح أهدافاً للهجمات الإيرانية، الأمر الذي ينقل نقاط الاختناق إلى مواقع أخرى، أبرزها مضيق باب المندب، حيث تشكل هجمات الحوثيين تهديداً إضافياً لحركة الملاحة. ‎⁨

ولا تقتصر التداعيات على صادرات النفط فقط، إذ يلفت التقرير إلى أن قطر ستظل عاجزة عن تصدير الغاز الطبيعي المسال الذي يمثل نحو خمس الإمدادات العالمية في حال استمرار إغلاق المضيق، كما ستواجه مصافي الخليج عزلة متزايدة، وستتعرض واردات المنطقة الأساسية، من الغذاء إلى المعادن والمواد الخام، لصعوبات لوجستية كبيرة وارتفاع في تكاليف النقل عبر المسارات البرية البديلة. ‎⁨

وتعتبر المجلة أن الاستثمار في خطوط الأنابيب يجب أن يترافق مع تعزيز حمايتها وتطوير بدائل إضافية، إلا أن تنفيذ هذه المشاريع يحتاج إلى سنوات، بينما تواجه دول الخليج تحدياً فورياً يتمثل في ضمان عبور السفن بأمان. وترى أن الضربات العسكرية الأمريكية لم تحقق هذا الهدف، لأن مجرد هجوم بطائرة مسيّرة كفيل بردع شركات الشحن ورفع تكاليف التأمين البحري بصورة كبيرة. ‎⁨

وانطلاقاً من ذلك، يخلص التقرير إلى أن الخيار الأكثر عملية يتمثل في التفاوض مع إيران على ترتيب جديد لإدارة الملاحة في المضيق، حتى وإن كان اتفاقاً غير مثالي. ويشير إلى أن طهران تطرح إدارة مشتركة للمضيق مع سلطنة عُمان، ويرى أن أي مفاوضات من هذا النوع قد تمنح دول الخليج فرصة لتثبيت خطوطها الحمراء والحفاظ على مصالحها الأمنية والاقتصادية خلال مرحلة انتقالية. ‎⁨

كما لا يستبعد التقرير أن تضطر دول الخليج إلى قبول دفع رسوم لعبور السفن، مع توقع أن يتحمل مالكو السفن هذه الكلفة طالما لم تتعارض مع منظومة العقوبات الدولية، وهو ما يجعل مشاركة الولايات المتحدة في أي ترتيبات مستقبلية أمراً ضرورياً لضمان تنفيذ الاتفاق واستدامته. ‎⁨

ورغم ذلك، يحذر التقرير من أن أي تسوية ستظل هشة، لأن مبدأ حرية الملاحة الذي يكفله القانون الدولي يتعارض مع فرض ترتيبات تمنح إيران نفوذاً دائماً على المضيق. ويرى أن الاتفاق الأكثر استقراراً سيكون ذلك الذي يضم أطرافاً دولية مؤثرة، وعلى رأسها الصين، بحكم مصالحها الكبيرة في استمرار تدفق التجارة والطاقة وقدرتها على التأثير في السلوك الإيراني، إلا أن الظروف السياسية الحالية تجعل مثل هذا السيناريو بعيد المنال. ‎⁨

ويختتم التقرير بالإشارة إلى أن أي اتفاق، حتى لو كان محدوداً وغير متوازن، قد يمنح دول الخليج الوقت اللازم لاستكمال مشاريع البنية التحتية وتعزيز قدراتها الدفاعية وتقليص اعتمادها على مضيق هرمز تدريجياً. وبينما يرجح أن تحقق إيران مكاسب في المواجهة الحالية، فإنه يرى أن هذه المكاسب قد لا تترجم إلى انتصار استراتيجي طويل الأمد إذا نجحت دول الخليج في بناء منظومة بديلة تقلل من النفوذ الإيراني مستقبلاً. ‎⁨