مقالات

غزة والانتخابات التشريعية... اختبارُ الجاهزية قبل استحقاق الصندوق

غزة والانتخابات التشريعية... اختبارُ الجاهزية قبل استحقاق الصندوق

إلى قيادة حركة فتح، بكل ما تحمل الكلمة من مسؤولية، وبكل ما يفرضه الظرف الراهن من قراءةٍ هادئةٍ وعميقة للمشهد:

ليست القضية في مبدأ الانتخابات، ولا في حق شعبنا في اختيار ممثليه، وإنما في الجاهزية لخوض هذا الاستحقاق في توقيته وظروفه الراهنة. فالانتخابات ليست صناديق اقتراعٍ فقط، وليست مهرجانًا تنظيميًا عابرًا؛ إنها اختبارٌ حقيقي للمزاج الشعبي، ولقدرة التنظيمات على قراءة الشارع، وإقناع الناس، واستعادة ثقتهم.

وغزة اليوم ليست غزة التي عرفناها قبل الحرب.

غزة مدينةٌ مثقلةٌ بالركام والوجع والفقد والنزوح، وذاكرتها القريبة ما زالت تنزف. شعبٌ عاش أقسى صور الموت والجوع والتهجير، وشعر في مراحل كثيرة أنه تُرك وحيدًا في مواجهة مصيره. ولذلك فإن أي قراءة انتخابية جادة لا يمكن أن تبدأ من مكاتب التنظيم، بل يجب أن تبدأ من نبض الناس، ومن الشارع، ومن البيوت التي فقدت أبناءها، ومن القواعد التي أنهكها الانتظار والإحباط.

وهنا تحديدًا تكمن المسألة.

هل نحن جاهزون فعلًا؟

ليس المطلوب أن نُعلن عن حالة تعبئةٍ تنظيمية لأن الاستحقاق الانتخابي اقترب، ثم نكتشف عند الصندوق أن التعبئة كانت في الأوراق أكثر منها في النفوس.

فحتى القاعدة الفتحاوية، وصولًا إلى المستويات التنظيمية الأعلى، تحتاج اليوم إلى مراجعةٍ صريحة وواقعية: هل الكادر مقتنع؟ هل يستطيع إقناع الناس؟ هل يمتلك خطابًا يلامس جراح غزة؟ وهل يستطيع أن يذهب إلى المواطن ويقول له بثقة: نحن نعرف ماذا حدث، ونعرف ماذا تريد، ونملك إجابةً للمستقبل؟

هذه الأسئلة ليست ترفًا تنظيميًا، بل هي جوهر المعركة الانتخابية.

ولعل تجربة انتخابات دير البلح تستحق أن تُقرأ باعتبارها مؤشرًا سياسيًا وتنظيميًا، لا باعتبارها مجرد نتيجة محلية. فالانتخابات المحلية كثيرًا ما تكشف ما لا تستطيع الاجتماعات المغلقة أن تراه، وتُظهر المسافة الحقيقية بين التنظيم والشارع.

وفي المقابل، هناك تحالفات وتقاطعات تتشكل، وهناك قوى وشخصيات تسعى إلى استثمار حالة الغضب والإحباط. ومن الخطأ أن تراهن فتح على رصيدها التاريخي وحده، أو أن تفترض أن اسم الحركة قادرٌ بمفرده على استعادة الثقة.

التاريخ يمنح الحركة مكانتها، لكنه لا يمنحها أصوات الناخبين إلى الأبد.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تدخل فتح الانتخابات وهي تتعامل مع غزة كما لو أن شيئًا لم يتغير، بينما تغير كل شيء تقريبًا: الناس، والظروف، والمزاج، والأولويات، والأسئلة، وحتى مفهوم الناخب لما يريده من ممثله القادم.

ومن هنا، فإن التحذير ليس من الانتخابات، وإنما من الدخول إليها دون جاهزية حقيقية.

لا أكتب هذا الكلام خصومةً مع أحد، ولا اعتراضًا على مبدأ الاستحقاق الانتخابي، بل من موقع الحرص على فتح ومشروعها الوطني، وعلى ألا تتحول الانتخابات من فرصة لاستعادة الثقة إلى محطةٍ تزيد الفجوة بينها وبين جمهورها.

فالقيادة الحكيمة لا تسأل فقط: متى نذهب إلى الصندوق؟

بل تسأل قبل ذلك:

هل القاعدة جاهزة؟

هل الكادر قادر على الإقناع؟

هل الشارع مستعد لسماع خطابنا؟

هل فهمنا حجم الجرح الذي تركته الحرب؟

وهل قدمنا للناس ما يجعلهم يمنحوننا ثقتهم من جديد؟

غزة لا تحتاج اليوم إلى شعاراتٍ انتخابية بقدر ما تحتاج إلى خطابٍ صادق، ومراجعةٍ شجاعة، واعترافٍ بحجم الألم، واستعادةٍ حقيقية للثقة.

فالناخب الغزي لن يدخل إلى صندوق الاقتراع بعقلٍ منفصل عن ذاكرته؛ سيدخل ومعه صور الشهداء، وبيوتٌ مهدمة، وذكريات النزوح، وأسئلةٌ كثيرة عن السنوات التي عاشها تحت النار والحصار والخوف.

وهذا هو اختبار الجاهزية الحقيقي.

فإذا كانت فتح تريد خوض الاستحقاق الانتخابي في غزة، فعليها أولًا أن تخوض معركةً أخرى: معركة استعادة ثقة أبنائها وجمهورها.

لا يكفي أن نطلب من القاعدة أن تُعبّئ الناس؛ ينبغي أولًا أن نُعبّئ القاعدة بالأمل والثقة والقدرة على الإقناع.

ولا يكفي أن نطلب من المواطن أن يمنح صوته؛ ينبغي أن نعطيه سببًا مقنعًا ليمنحه.

فالانتخابات يومٌ في التقويم، لكن نتائجها قد تصنع سنواتٍ كاملة من المستقبل.

ولهذا، فإن التريث في قراءة الواقع ليس تراجعًا، والاستماع إلى القواعد ليس ضعفًا، ومراجعة الجاهزية ليست خوفًا من الصندوق.

بل هي عين المسؤولية.

غزة تستحق أن نقرأها كما هي، لا كما نتمنى أن تكون.

وفتح تستحق أن تدخل أي استحقاقٍ انتخابي وهي واثقةٌ من قواعدها، قادرةٌ على إقناع جمهورها، ومتصالحةٌ مع أسئلة الناس.

فالسؤال الحقيقي اليوم ليس: هل نذهب إلى الانتخابات؟

بل:

كيف نذهب إليها ونحن نملك ما يكفي من الجاهزية والثقة والإقناع لنخرج منها أقوى، لا أكثر انقسامًا وضعفًا؟

وهنا تبدأ مسؤولية القيادة، وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي.