مقالات

وحدة الحال بين الاستعمار وقانون الغاب

وحدة الحال بين الاستعمار وقانون الغاب

من نافل القول، لا يمكن وجود قانون مستقل في مطلق دولة استعمارية، فالقانون جزء لا يتجزأ من منظومة الدولة القائمة بالاحتلال لأرض وشعب آخر، ولا يمكن الفصل بين الدولة الاستعمارية وقوانينها ومحاكمها بمختلف مسمياتها ومهامها، وهما وجهان لعملة واحدة، لأن القانون والقضاء في خدمة وتنفيذ سياسات وبرامج المشاريع الاستعمارية، ويستهدف مصالح وحقوق الشعب الواقع تحت نير الاستعمار، ومحاولات تبييض صفحة المحاكم والقضاء الاستعماري بإصدار بعض الاحكام المجتزأة في القضايا الهامشية وغير الأساسية المتعلقة بأبناء الشعب المستَعمر، لا يسقط ولا يغلي الوجه القبيح للقانون الاستعماري، ودولة بغض النظر عن اسمها وهويتها تقوم باحتلال دولة وشعب آخر، لا يمكن أن تكون ديمقراطية او حرة.

فكيف لدولة لقيطة وطارئة في التاريخ والجغرافيا كإسرائيل يمكن تصنيفها "دولة ديمقراطية"؟ فإسرائيل الأداة الوظيفية للغرب الامبريالي، التي تشكلت من رحم الإرهاب والحروب والعنصرية النازية، وبنت قاعدتها الاجتماعية من مجموعات بشرية من مرتزقة القبيلة الثالثة عشر – الخزر – لم تكن يوما منذ تأسيسها في العام 1948 دولة ديمقراطية، لأنها نقيضة الديمقراطية، ولا يمكن الربط والجمع بين أداة وظيفية استعمارية والديمقراطية، لأنها وجدت ومولت لتكون قاعدة ارتكاز لخدمة المصالح الامبريالية. وبالنتيجة هي عبارة عن عصابة يحكمها قانون الغاب، ولا يقتصر جور وفواحش قوانينها على الشعب العربي الفلسطيني، انما طال ويطال مجتمعها المرتزق، ولعل الانقلاب القضائي الذي نفذته حكومة بنيامين نتنياهو السادسة التي تولت مهامها نهاية عام 2022 يعكس هذه الحقيقة.

ومثال ساطع على وحدة حال الاستعمار وقانون الغاب، ما أظهرته أمس الاثنين 3 آب / أغسطس الحالي (2026)، المحكمة العليا الإسرائيلية خلال الجلسة التي خصصت للنظر في الالتماس الذي قدمه مركزا حقوق الانسان "عدالة" و"غبشاه – مسلك"، باسم عشرات اللاجئين الفلسطينيين، للطعن في قانونين أقرهما الكنيست في تشرين أول / أكتوبر 2024، والتعديل التشريعي اللاحق في كانون أول / ديسمبر 2025، وهي التشريعات التي تستهدف تقويض مكانة وعمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الاونروا" –. وجاء انعقاد الجلسة بعد نحو عام و7 أشهر على تقديم الالتماس، وإثر سلسلة متكررة من التأجيلات في ظل استمرار تنفيذ تلك القوانين وما سببته من انتهاكات جسيمة للحقوق الإنسانية للاجئين الفلسطينيين.

وتبنت المحكمة السياسات الرسمية للدولة الاستعمارية الإسرائيلية الساعية لتقويض وطمس حقوق اللاجئين الفلسطينيين وتصفية قضيتهم، وانحازت لخيار ورؤية الدولة الإسرائيلية الهادفة لإنهاء عمل وكالة الأمم المتحدة "الاونروا"، وأوصت طاقم الدفاع بسحب الالتماس ضد التشريعات التي حظرت دور ومهمة الوكالة. واستندت المحكمة الاستعمارية في مداولاتها واسئلتها بشكل مباشر الى الموقف الصادر عن دولة اسبرطة، والذي يزعم "مسؤولية إسرائيل عن تقديم الخدمات في القدس الشرقية" كمبرر لإنهاء نشاط "الاونروا" والاستعاضة عنها بجهات أخرى.

وانطلقت المحكمة من الفرضية آنفة الذكر دون اخضاعها للفحص القانوني أو المساءلة، ودون التطرق الى التبعات المباشرة والانتهاكات المسجلة بحق مئات الاف اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة الذين يعتمدون على خدمات الوكالة. وعوضا عن مناقشة الانتهاكات الحقوقية المدونة في الالتماس، ركزت المحكمة على صلاحيات الدولة الاستعمارية في العاصمة الفلسطينية المحتلة – القدس الشرقية -، وأغمضت العين كليا عن دور "الاونروا " في باقي أراضي الدولة الفلسطينية المحتلة عام 1967، أضف الى أن ما تقدمه الدولة الإسرائيلية لأبناء القدس لا يضاهي ما تقدمه الوكالة بالدلالات الاجتماعية والقانونية والسياسية، فالأمر لا يحصر بالخدمات الاجتماعية في الكرامة، والصحة، والتعليم والملكية فقط، كما أن المحكمة تجاهلت بشكل كامل الكارثة الناجمة عن مواصلة وتصاعد الهجمات والاقتحامات العسكرية من الجيش وعصابات المستعمرين في مخيمات شمال الضفة الغربية، وحاولت القاء التبعات على السلطة الفلسطينية باعتبارها الجهة المسؤولة عن تقديم الخدمات، مع العلم ان إسرائيل تلاحق السلطة الفلسطينية وتعمل على تقويض مكانتها ودورها، من خلال التهميش والقرصنة على أموال المقاصة، مما يعكس حرف النقاش، وقلب المعادلة، وطمس البعد القانوني الدولي، وتجاهل الحقوق الفردية والجماعية للاجئين والالتزامات الواجبة على إسرائيل وفق القانون الدولي، وتعارض ذلك مع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية تموز / يوليو 2024.

وجاءت جلسة المحكمة بالتلازم مع تصعيد ميداني متواصل ضد الوكالة الشاهد الأساس على مأساة اللاجئين الفلسطينيين خلال الأشهر الماضية، وشمل اقتحام المقر الرئيسي ل "الاونروا" في حي الشيخ جراح بالقدس، وتنفيذ اعمال هدم داخله، واقتحام مركز قلنديا للتدريب المهني واحتجاز الطلاب والموظفين، بالإضافة الى قطع الكهرباء والمياه والاتصالات عن العديد من المنشآت.

ولم يقتصر الامر على دور المحكمة في التساوق والتماهي مع رؤية الدولة الإسرائيلية الاستعمارية، بل سادت أجواءها الترهيب والتحريض بحضور مسؤولين وعصابات المستعمرين، كان في طليعتهم وزير الامن النازي ايتمار بن غفير، وعضو الكنيست تالي غوتلبت وألموغ كوهين وغيرهم، الذين حالوا الاعتداء على طاقم الدفاع من مركزي "عدالة" و"غبشاه – مسلك" وأطلقوا هتافات تحريضية في أروقة المحكمة.

وعقبت د سهاد بشارة، مديرة الوحدة القانونية في مركز عدالة، بالقول على ما شهدته المحكمة، ومقدمة الالتماس والمترافعة عنه أمس: "ما شهدناه اليوم في المحكمة يؤكد أنها لا ترى اللاجئين الفلسطينيين، ولا تعترف بمكانتهم القانونية أو بالحقوق التي كفلها لهم القانون الدولي بصفتهم لاجئين، بل سعت الى تصفية قضيتهم من خلال تفكيك "الاونروا" أولا، المحكمة عمليا تبنت الاطار الذي تتبناه الدولة، متجاهلة حقوق أكثر المجموعات استضعافا من بين اللاجئين، وأنصب اهتمامها في إقناعنا بأن هذا يقع ضمن صلاحيات الدولة، بدلا من مساءلتها عن انتهاك حقوق اللاجئين، وبذلك تمنح السياسات الهادفة الى تقويض وتصفية حقوق اللاجئين غطاءً كاملا."

ما تقدم نموذج بسيط عن دور المحكمة العليا الإسرائيلية، التي تماهت مع قانون الغاب وخيار المشروع الاستعماري الصهيوني للدولة اللقيطة الإسرائيلية، وهذا هو دورها ووظيفتها وتشريع وتغطية جرائم حرب دولتها الإسرائيلية النازية.