ثقافى

متنفَّس عبرَ القضبان (200)

متنفَّس عبرَ القضبان (200)

بدأت مشواري التواصليّ مع أسرانا الأحرار رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019 (مبادرة شخصيّة تطوعيّة، بعيداً عن أيّ أنجزة و/ أو مؤسسّة)؛ ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة بعد كلّ زيارة؛

أصدرت كتاباً بعنوان "زهرات في قلب الجحيم" (دار الرعاة للدراسات والنشر وجسور ثقافيّة للنشر والتوزيع)، وتناولت تجربتي مع الأسيرات حتى أواخر شهر آذار 2024، حين تمّ منعي من الزيارات، وتم لاحقاً إبطال المنع بعد اللجوء إلى القضاء.

أواكب حرائر الدامون المنسيّات خلف القضبان وأصغي لأحلامهن بالحريّة، وأدوّن بعضاً من آلامهن ومعاناتهن، صمتهن وصراخهن.

أتصل من بوابة الدامون مباشرة بالأهالي محاولاً أن أكون جسراً بينهم وبين بناتهم عبر القضبان؛ 

حاولت قدر المستطاع إيصال تلك الأوجاع والصرخات لكلّ حدب وصوب عبر "التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين"، وعبر الإعلام الدولي خارج الوطن، بعيداً عن الشجب والاستنكار وتحميل المسؤولية المؤسّساتي الممجوج، وهذا أضعف الإيمان؛

وزادت قناعتي أن صمتنا عارُنا.

موجع أن ألتقي قاصرات خلف القضبان؛ مشهد يتكرّر، الطفولة أمنيات لا تتحقّق، والوطن يمرّ فيه كلّ الأجيال إلّا جيل الطفولة، بلا فرح وأحلام. يرضع ويكبر ليصير وجبة شهيّة للأسر.

 نحن بلد المليون أسير، والأسر داهم غالبيّة بيوت بلادنا، من جميع الأطياف، وحلّق في فضاء اللقاءات طفولة سليبة؛ أطفال وأشبال وفتيان وفتيات أسرى وبالمقابل أباء وأمهّات أُبعدوا قسرًا عن أطفالهم وأحفادهم.

إنّها حكاية الطفل الفلسطينيّ الذي يخرج من رحم أمّه إلى النور مستعدّا لخوض الحياة المحتلّة، والأيام المحتلّة، والأحلام المحتلّة أيضًا ليغمس التراب بالحليب ليصير مولود الأمّ والأرض معًا!

إنّها الطفولة الفلسطينيّة السليبة، والطفولة أمنيات لا تتحقّق، والوطن تمرّ فيه كلّ الأجيال إلّا جيل الطفولة، بلا فرح وأحلام، يرضع ويكبر ليصير وجبة شهيّة للأسر.

آلاف الأطفال دفعوا ضريبة حبّ الوطن ومرّوا بمدرسة الأسر في سجون الاحتلال.

عقّب الدكتور جمال سلسع: "رسالتك سامية تدق جدران السجون".

وعقّبت الأسيرة المحرّرة د. سرين صعيدي [1]: "اللهم فك بالعز قيدهن وسائر المعتقلين أنت الأب لجميع الأسيرات والجسر الواصل بين مدافن الأحياء والعالم الخارج".

"جيت وعشت التجربة"

زرت صباح الاثنين 13.07.2026 سجن الدامون، ثلاثة أيام زيارات متتالية، والتقيت مباشرة بالأسيرة إسلام عبد المجيد عمارنة/ حماد؛ (مواليد 26.01.1995 من الدهيشة/ قلنديا)، أم للطفلة حور وزوجها أسامة يقبع خلف القضبان، صحافية (فري-لانسر).

متابعة شو بتكتب، وبآخر فترة بطّلت أقدر أقرأ هيك أمور صعبة، وجيت وعشت التجربة.

بعد التحيّة أوصلتها رسائل العائلة؛ تخرّج حور من الروضة (وصفت لها شو كانت لابسة)، نحيب متواصل، وأختها شفاء خلّفت محمد القاسم (بتبارك لها) وسلامات الجميع، وزوجها أسامة عرف إنها معتقلة.

اعتقلت فجر 03.05.2026، الساعة الثالثة والنصف، من بيت أهلها في الدهيشة، (صحيت حور على صراخ الجنود، كانت قوية، قال الجندي: "سلّم عل ابنك" فعقّبت: أنا بنتها، مش ابنها") إلى سجن عسقلان، 23 يوم معزولة لحالي، (فكّرناك خطيرة، طلعت مش!)، معبار الرملة (سمعت الآذان)، فرشة بدون حرام، الغرفة مش نظيفة، أكل قديم مع دود، وإلى الدامون.

إسلام بغرفة 7؛ برفقة آلاء عبده (بتبارك لأخوها بالخطبة. مين العروس؟)، فاطمة يوسف، ربى قمحية، آسيا مرعي، ولينا وزوز. في الغرفة 3 تخوت، صغيرة كثير ومضغوطة، رطوبة وعفَن، مليانة حشرات.

الوضع في السجن صعب كثير، السجّانين بلفّوا علينا بالليل كل نص ساعة، سجّانين مش سجّانات وبنظل خايفات، بعملوا مشاكل للبنات، العزل على أتفه الأمور، بضوّا علينا الضو كل الليل، تخبيط على الأبواب، كل احتجاج – سدّ نيعك!

القمعات دوريّة؛ بكلبشونا كلبشات بلاستيكية شديدة كثير وبطلّعونا ع الساحة على بطوننا. في صبيّة داخت بالقمعة.

غرفة 8 بعدها بعقاب صارم، شيرين [2] طلعت من العزل، فرح ومنار ونداء وآية معزولات.

بسملة حواشين/ جنين وصلت الدامون.

حفظت قرآن وبراجع.

طلبت إيصال سلاماتها واشتياقها لابنتها حور (بكاء ونحيب، مين بدّو يدير باله عليها لمّا تروح ع المدرسة؟ بأيّة مدرسة سجّلوها؟ ديروا بالكم على تربيتها، علموها تعتمد ع حالها – تفرشي أسنانها، حمام وتمشيط)، شو صار مع نور/ زوج فاطمة الزهراء؟، بتبارك لفطوم بنت عمها بالزواج، وخلّي أبوي يبتسم بجلسة المحكمة الجاي، وللجميع.

 طلبت إيصال رسائل لأهالي زميلات الأسر.

"يا لها من طفولة سليبة"

بعد لقائي بالأسيرة إسلام حماد، أطلّت الطفلة السجينة علا عبد الناصر طالب قطيشات (مواليد 27.08.2009 من قرية طمون/ طوباس)، طالبة في مدرسة بنات طمون الثانوية.

بعد التحيّة مباشرة أخبرتها بأنها فازت بجائزة أجمل لوحة فنيّة في الوطن فانفرجت أساريها (أحلى خبريّة من يوم الحبسة) وأوصلتها سلامات العائلة واشتياقهم (إن شاء الله بتطلعي قبل ما يطلّع عبيدة أول سن).

حدّثني بشغف عن جداريّة (صبرا وشاتيلا) وعن رسوماتها وتفوّقها بدراستها الثانويّة.

اعتقلت فجر 24.05.2026، الساعة الثالثة، من البيت إلى معسكر تحقيق وإلى الدامون.

علا بغرفة 12؛ برفقة ندى عودة.

بدون فورة، بدون تواصل مع الصبايا، الأكل بزتّوا حدّ الغرفة، مخبّص وما بتّاكل. نازلة بالوزن 3 كيلو. الغرفة صغيرة كثير، 24 ساعة لحالنا. كلّ الوقت عياط بِعياط. بطلّعونا للحمام 5 دقائق والضابط والسوهريّة ع الباب. مشكلة مع غسيل الأواعي، ضاع البنطلون وجابوا بنطلون بديل شتوي مش على مقاسي.

أول الحبسة كان صياح وضرب لأني ما كنت عارفة لازم أوقّف على العدد.

كاميرا بالغرفة 24 ساعة. غطّيناها وجابوا كاميرا حد الباب من برّا وشغّالة كل الوقت. الحشرات مليانة، وفئران وأبو بريص وعناكب.

ضروري نطلع من هاي الغرفة.

الوضع كثير سيئ بالقسم. عزل بسبب قراءة قرآن جماعي بصوت عالي.

مشتاقة لأمي وأبوي ومستفقدتهم بكل لحظة وبتمنى أكون معهم، ولأخوي حمودة وخيّاتي وعد ووصال وآسيا (بدّي تفرّحني بنتيجتها بالتوجيهي، أول ما تطلع النتيجة يبعثوا لي). مشتاقة لكل الأحفاد (عمّتكم وخالتكم مشتاقة كثير). ومشتاقة لصاحباتي وخالاتي وعماتي وخوالي.

 الأمانة يروحوا عند قبر عمّي مصطفى ويسلّموا لي عليه بذكرى وفاته السنويّة.

طلبت إيصال رسائل زميلات الأسر لأهاليهن.

في طريق عودتي من السجن لمكتبي أعادتني علا مجدّدا للقاءاتي بطفلات التقيتهن في سنوات سابقة عبر القضبان.

يا لها من طفولة سليبة.

لكن عزيزتيّ إسلام وعلا أحلى التحيّات، والحريّة لك ولجميع حرائر الدامون.

                                                                                                    الدامون/ حيفا تموز 2026    
[1] تحرّرت سرين صعيدي يوم 09.10.25

[2] تحرّرت شيرين حمامرة يوم 16.07.26