متنفَّس عبرَ القضبان (194)
حيفا: بدأت مشواري التواصليّ مع أسرانا الأحرار رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019 (مبادرة شخصيّة تطوعيّة، بعيداً عن أيّ أنجزة و/ أو مؤسسّة)؛ ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة بعد كلّ زيارة؛
أصدرت كتاباً بعنوان "زهرات في قلب الجحيم" (دار الرعاة للدراسات والنشر وجسور ثقافيّة للنشر والتوزيع)، وتناولت تجربتي مع الأسيرات حتى أواخر شهر آذار 2024، حين تمّ منعي من الزيارات، وتم لاحقاً إبطال المنع بعد اللجوء إلى القضاء.
أواكب حرائر الدامون المنسيّات خلف القضبان وأصغي لأحلامهن بالحريّة، وأدوّن بعضاً من آلامهن ومعاناتهن، صمتهن وصراخهن.
أتصل من بوابة الدامون مباشرة بالأهالي محاولاً أن أكون جسراً بينهم وبين بناتهم عبر القضبان؛
حاولت قدر المستطاع إيصال تلك الأوجاع والصرخات لكلّ حدب وصوب عبر "التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين"، وعبر الإعلام الدولي خارج الوطن، بعيداً عن الشجب والاستنكار وتحميل المسؤولية المؤسّساتي البغيض، وهذا أضعف الإيمان؛
وزادت قناعتي أن صمتنا عارُنا.
عقّب حازم الفاخوري: "حسبنا الله ونعم الوكيل. كنت معنا أستاذ حسن عبادي في حبسة أم أسامة السابقة واليوم أيضا أنت معنا لتكون منفذ الضوء الذي نرى من خلالها معاناة أسيراتنا وأسرانا. وأنا أشهد أنك حملت الأمانة بجد واقتدار، وأوصلت صوت أسيراتنا وأسرانا إلى كل مكان استطعت أن تصل إليه، عملت عملا كان الأجدر أن تقوم به مؤسسات وهيئات محلية ودولية فبارك الله فيك وأعانك الله على حمل هذه الأمانة.
نحن نرفع شكوانا لله الواحد القهار وندعوه أن يفرج كربتنا وكربة كل إنسان مظلوم على وجه الخليقة.
ثم نضع هذه الممارسات الإجرامية التي تمارس بحق أسيراتنا في ذمة المؤسسات الحقوقية والنسوية والإنسانية وكل إنسان حر. عزاؤنا أن أم أسامة مؤمنة قوية لا تنكسر
وعقّب الدكتور فاروق عاشور: "جزاك الله كل خير أستاذنا الحبيب الرائع على جهودك الاجتماعية في الزيارات، وعلى جهودك الإعلامية في التوثيق والنشر ونقل المعاناة. ونسأل الله الفرج العاجل لأسيراتنا وأسرانا البواسل".
وعقّب عدنان عودة: "كل التحية استاذ حسن، أنت تقوم بتوثيق حكاية مقاومة الاحتلال. إنها حرب المئة عام، ومن لم يكن آباءهم وربما أجدادهم قد ولدوا بعد، هم الآن يحملون راية لمقاومة.
أنت تسجل للجيل الرابع مقاومتهم، وربما أبناءهم أو أحفادهم يقرأون ما كتبت وهم يحتفون؛ بالعودة، بالنصر، بأجدادهم الذين جعلوا النصر ممكنا بزراعة الأمل."
"ما لحقت أوكل المعمول"
زرت صباح الثلاثاء 16.06.2026 سجن الدامون والتقيت بدايةً بالأسيرة لمى عبد المطلب الفاخوري (خاطر)؛ (كنت قد زرتها في حبسة سابقة، وشاركتني حفل إطلاق كتابي "زهرات في قلب الجحيم" في الخليل)، أطلّت مبتسمة، (اعتقلت فجر 23.03.26 بعد اقتحام همجيّ لمنزلها)، أم ليحيى وعز الدين، ويمان وبيسان، وأسامة وجدّة لحازم. كانت مرتّبة زيارة يوم 14.05.26 وانتظرت بوابة السجن لساعات ولم تتم بسبب "القمعة الكبيرة"، وزيارة أخرى يوم 08.06.26 ولم تتم بسبب حالة طوارئ.
تم الاعتقال فجر ثالث يوم العيد (ما لحقت أوكل المعمول)، 22 يوم مسكوبية/ جحيم، ويوم بالرملة وبعدها الدامون.
انضربت بجحيم المسكوبية، دخّلوني ع الحمام وبلّشوا السجانات يضربوني، بعد التفتيش العاري بالكامل، موقف كثير سيئ، الزنزانة عتمة، وبرد كثير، يوم ما دخلت المسكوبية طلبوا أنزّل الحجاب للتصوير وطبعاً رفضت، شلّحوني الحجاب بالقوة وصوّروني، اشتكيت وقمعوني، اشتكيت ع السجانة، دخلوا بمسبّات ورشّوا ميّة ع الفراش، أخذوا النظارة، قيّدونا وروسنا لتحت قعّدونا ع الركب والوجه للحيط في الساحة، (النحشون) جرّوني مقيّدة وراسي لتحت بوضعيّة الركوع مع مسبّات كل الوقت لمّا أخذوني أسمع قرار التثبيت.
ليلة الرملة مأساويّة؛ وحدي، زنزانة مع كاميرات، كمان بالحمام، وكلّها حشرات، خلّوني قاعدة ع الحديد كل الوقت، ما استعملت حمام وما نمت.
وصلت الدامون، وثالث يوم كانت القمعة الكبيرة، مع تصوير، وتفتيش عارٍ لكل الصبايا قبل التطليع ع الساحة. وبالساحة الإيدين مقيّدة لورا، وقاعدين ع الركب، إجريّ كأنهن مشلولات، شحطونا شحط، لليوم بنعاني، القمعات ع الطالع والنازل.
معظم أيامي بغرف معاقبة دون سبب. 10 أيام دون فورة. القمع مع عنف شديد، مع قنابل صوتية وكلاب بوليسية، بغمّضوا عينينا وبكلبشونا لورا، ببطحونا ع الأرض بالغرفة، للساحة حافيات، ببطحوما على وجوهنا بالساحة، بدعّسوا على صبايا بالبسطار، قنابل صومت بالساحة... وتصوير.
الليلة كانت قمعة لئيمة لغرف 2،3،4 مع قنابل صوتية، طلّعوا البنات ع الساحة بنصّ الليل وبطحوهن ع الأرض ودعّسوا عليهن.
لمى بغرفة 9؛ برفقة آمنة وآيات سويلم، أم البراء عياش [1]، سلام منصور، نيفين عبد الله، فاتنة الشرباتي[2]، شهد عادي، بشرى قواريق ونائلة سراديح. اكتظاظ عال جداً.89 أسيرة. بغرفتنا 4 صبايا بناموا ع الأرض، وفي غرف 8 صبايا بناموا ع الأرض.
وضع الحوامل سيئ جداً. سحبوا الأواعي اللي جيت معها. أعطوني أواعي (شاباص) موحّدة. كمام قصار وعملنا إضافة إلها.
الفورة قصيرة جداً، مل بنلحق كلنا نتحمّم، ما جابوا أواعي صيفي، غيار واحد (لما بنغسل بنظل لابسات برنس الصلاة تا ينشف.
الأكل قليل، البنات بناموا جوعانات (الفطور: معلقتين لبن + معلقة ططلي؛ الغداء: 8 ملاعق رز + حمص/ بليلة أو عدس؛ العشاء: بيضة + ملعقتين حمص/ طحينية ومرات شويّة شوربة. بنجمّع الأكل للمغرب ع شان نحاول نشبع).
القاصرات ندى وعُلا بغرفة 12.
غرفة 13 للعزل؛ دايماً ثنتين معزولات، مناوبة.
طمأنتها على يحيى وعز الدين (تبارك له بعيد ميلاده) ويمان، وبيسان وحملها (ضحكت قائلة: الحبسة السابقة طمّنتني على حمل نور/ زوجة أسامة، مبارك لك ولمحمود الحمل مجدّداً، إن شاء الله لما تولدي بكون برّا)، وأسامة ونور وحازم الصغير (صار يحكي بصوت خشن –سيدو-وهو متذكرك لما سألته عن صورتك مين هاي؟ حكالي: تيتا لمى) ... وحازم، لتنفرج أساريرها.
تطمئن الجميع؛ وطلبت إيصال سلاماتها للأهل وميسون والصاحبات.
"21 قمعة من يوم ما وصلت الدامون"
مباشرة بعد لقائي بلمى أطلّت الأسيرة نيفين توفيق حسن عبد الله بخطى متثاقلة (مواليد 19.10.1979، طولكرم). وأخيراً تمّت الزيارة بعد محاولتين سابقتين؛ انتظرت على بوابة السجن لساعات ولم تتم إحداها بسبب "القمعة الكبيرة"، والأخرى بسبب حالة طوارئ.
تم اعتقالها فجر 16.04.26، على وجه يوم الأسير الفلسطيني.
نيفين بغرفة 9؛ برفقة أم البراء عياش، بشرى قواريق، آمنة وآيات سويلم، لمى خاطر، شهد عادي، نائلة سراديح، سلام منصور وفاتنة الشرباتي. 89 أسيرة. بغرفتنا 4 صبايا بناموا ع الأرض.
طمأنتها على بناتها والأحفاد، وابنها وزوجها الأسرى، وزوج غيداء روّح.
أهم شي بدّي أطمّن على وضع ابني عبد الله/ الأسير.
قدّم لي المحامي استئناف، استنينا يوم الجلسة 48 دقيقة وما إجى، عصّب القاضي ورفض الاستئناف. معقول هالحكي؟ (الاسم محفوظ عندي).
بنتي غيداء: مشتاقة لك كثير وبدعيلك كل الوقت. بوسيلي عبد الله وعماد (اشتقت لأكلات ستّك؟). تمنّيت أكون معكم باستقبال زوجك. قضّوا مشاويركم بالسيارة، محمود يمشّيها، مرخّصة ومأمّنة زي اللعبة.
بنتي أم أيلول: الغالية يمّا، حبيبتي وصاحبتي، بوّسيلي لولو/ أيلول كثير.
بنتي داما: ديري بالك ع دروسك وجامعتك.
مريوما: حبيبتي، نقطة ضعفي هون. بفكّر فيك ليل نهار. بعرف أنّه عندك 3 أمهات غيري. ظلّي تذكّريني، خلّيهن يورجوك صوري ع شان ما تنسي (انبسطت ودمعت عيناها حين وصفت لها صورة مريم بالفستان الزهر "شريتلها إياه فستان للعيد").
أسيل: حبيبتي، بوّسيلي جوليا وزينة ورضى ويامن. تفقّدي خواتك.
صحتي ماشي حالها، نزلت 10 كيلو بالوزن، فش علاج (بالعيادة: إشربي ميّة!)، 21 قمعة من يوم ما وصلت الدامون، كلّ قمعة أصعب من اللي قبلها، الأكل قليل جداً، يا بنصوم يا بنام جوعانين.
سلاحنا القرآن والأدعية والصلاة.
القمعات وسخة كثير؛ تفتيش عارٍ لكل الصبايا قبل التطليع ع الساحة. كلاب بوليسيّة وقنابل صوت وضرب ومسبّات وشحشطة وجرجرة ومرمطة.
الليلة كانت قمعة صعبة بنص الليل لثلاث غرف مع قنابل صوتية، طلّعوا البنات ع الساحة مكلبشات إيدين وإجرين وبطحوهن ع الأرض ودعّسوا عليهن بالبساطير. والله صعبة!
طلبت إيصال سلاماتها للأهل وللجميع.
لكن عزيزتيّ لمى ونيفين أحلى التحيّات، والحريّة لك ولجميع حرائر الدامون.
الدامون/ حيفا حزيران 2026
[1] تحرّرت أم البراء عياش يوم 08.07.26
[2] تحرّرت فاتنة الشرباتي يوم 02.08.26