ثقافى

متنفَّس عبرَ القضبان (192)

متنفَّس عبرَ القضبان (192)

بدأت مشواري التواصليّ مع أسرانا الأحرار رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019 (مبادرة شخصيّة تطوعيّة، بعيداً عن أيّ أنجزة و/ أو مؤسسّة)؛ ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة بعد كلّ زيارة؛

أصدرت كتاباً بعنوان "زهرات في قلب الجحيم" (دار الرعاة للدراسات والنشر وجسور ثقافيّة للنشر والتوزيع)، وتناولت تجربتي مع الأسيرات حتى أواخر شهر آذار 2024، حين تمّ منعي من الزيارات، وتم لاحقاً إبطال المنع بعد اللجوء إلى القضاء.

أواكب حرائر الدامون المنسيّات خلف القضبان وأصغي لأحلامهن بالحريّة، وأدوّن بعضاً من آلامهن ومعاناتهن، صمتهن وصراخهن.

أتصل من بوابة الدامون مباشرة بالأهالي محولاً أن أكون جسراً بينهم وبين بناتهم عبر القضبان؛ 

حاولت قدر المستطاع إيصال تلك الأوجاع والصرخات لكلّ حدب وصوب عبر "التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين"، وعبر الإعلام الدولي خارج الوطن، بعيداً عن الشجب والاستنكار وتحميل المسؤولية المؤسّساتي البغيض، وهذا أضعف الإيمان؛

وزادت قناعتي أن صمتنا عارُنا.

حدّثتني الصبايا عن بداية كرههن للعصافير، ممّا أعادني لذات لقاء بالصديق راتب حريبات في إحدى السجون؛ كان في صغره يعشق العصافير وصيدها في البراري، وحين تعرّف على عصافير آدميّة بات يكرهها، وخاصّة بعد تعرّفه على عصافير عوفر ومجيدو، نفس الخطأ يتكرّر، الوقوع مع العصافير، ولم يأخذ شبابنا العبرة ممّا كتبه الصديق وليد الهودلي في "ستائر العتمة"، وها هو المشهد يعود مع حرائرنا.

عقّب عماد عبد الله (والد الأسيرة المحرّرة ريماء): "يا الله امنحهم عفوك. يا الله. بقدرتك هيئ لهم حرية. يا الله الظلم عم وطم وأصبح لا يحتمل. ما لنا سواك. هذه الأخت والباقي منهن تهان الحرائر ولا رادع وتهان المسلمات ولا مانع. فليس لهن إلا أنت فأفرغ عليهن صبرا جميلا وعفوا كبيرا وحرية قريبة. وأنت أخي المحامي الأستاذ حسن عبادي كل الاحترام والتقدير. فأنت لهن أب وأخ، أعطيت فأبليت بلاء حسنا. وبارك الله جهودك" ....

  وعقّب قصي العنتري أبو مجاهد: "الله يعطيك الصحة والعافية أخي الأستاذ حسن. والله إنك ذخر لنا ومعرفتك تاج على رؤوسنا. سعدنا بمعرفتك عن قرب. نتمنى لك موفور الصحة والعافية. أنت رجل في وقت عزت فيه الرجولة وقارب الرجال على الانقراض. لكم فائق الاحترام والتقدير عزيزي".

 وعقّبت الصديقة الزعترية صباح مصطفى: "الله محييك أستاذ حسن ويعطيك ألف عافية. بدي أسألك هل هنالك محامون يفعلون ما تفعله؟ أحيانا من القهر والحزن على أسرانا ومعاناتهم لا أرغب بالتعليق، ولكن عندما أرى ما تفعله أشعر ببارقة أمل بأن الله معك ومعهم. الله يفرجها ويفك أسر الأخوات والإخوة الأسرى. لعن الله الظالمين".

 

                           "الأكل بِتّاكلش "

عُدت صباح الاثنين 04.05.2026 إلى سجن الدامون بزيارتي الثانية هذا الأسبوع، بعد أن زرت الأسبوع الماضي أربع أسيرات، لألتقي بالأسيرة دانا عناد سبتي جودة، من عراق التايه/ نابلس (مواليد 31.07.1991، أم لفارس وحامل في شهرها الثاني، 9 أخوات وثلاثة أخوة).

دانا مريضة؛ عملت عملية قص معدة، ما بقدر أوقّف، بكاء طيلة اللقاء.

اقتحموا الدار برمضان، كسّروا باب غرفتي، أخذوني ليوم واحد وروّحوني، زتّوني ع حاجز عورتا وأخذني الإسعاف. قبل العيد بأسبوع اتصل كابتن المنطقة، مبروك الجيزة وكيف الخليل؟، وقبل عرس أختي سندس بيومين اتصل آجي لحوّارة. من الخوف ما حضرت عرس أختي، خفت يقتحموا السهرة. اعتقلوني يوم 19.04.26، ليلة كابوسيّة بالشارون (الحمام باب نص، قاذورات، أغمي عليّ وأخذوني للمستشفى مكلبشة إيدين وإجرين ومغمّضة عينين، عملوا لي فحص حمل)، ومنها للدامون.

نواح كلّ الوقت.

دانا بغرفة رقم 1؛ الغرفة صغيرة كثير، فيها بُرشين فقط، 6 أسيرات بدل ثنتين، الحمّام بدون باب، رطوبة بالغرفة وما بفتحوا الأشناب (برفقة أمينة طويل[1] / حامل، ندى عودة/ قاصر/ طمون، منار/ جديدة/ حامل/ دير ابزيع، ليان ناصر[2] وتسنيم عودة[3]).

الوضع صعب كثير. الأكل شحيح جداً، نزل وزني رغم الحمل، جفاف، أنا وأمينة ع تخوت والباقي ع الأرض، تسنيم وليان بعطونا أكلهن لأنهن مروّحات قريب، عدس وحمص حبّ مع ميّته، بِتّاكلش.

القمعات مستمرّة، أول مبارح ع الطناش ونص بالليل قمعة مع قنابل صوتيّة وأغمي عليّ. العلاج: ارفعوا إجريها وشرّبوها ميّة. الميّة بتنشربش.

فش حيل بسبب العمليّة، طلبت صورة للجنين بسبب وضعي الصحّي ورفضوا. بدّي مستشفى ضروري. بدنا يزيدوا لنا الأكل للحوامل. بدّي تغذية وشوربات.

الحمّام بدون باب، والغرفة بدون شبّاك، ما بفتحوا الأشناب وبسبّب ضغط. طلعنا ع الفورة بس بعد زيارتك الأسبوع الماضي.

القمعة الأخيرة لأنّه لينا عملت مخدّة (حطّت الأواعي بالسُترة).

أخذوني يوم الأربعاء بوسطة لمحكمة سالم، أغاني دي. جي. عرس، غرفة صغيرة مسكّرة وخنقة، وهناك زتّوني بغرفة لحالي، وما حقّقوا معي، شحشطوني وأغمي عليّ.

طلع حبّ بالأصابع، مش عارفة شو.

البيجاما للينا، فش أواعي ملايمة، جابوا مدير للقسم وبحكي (فرنساوي) ومش فاهمين عليه، المجنّدات بمشّوا على كيفهن.

صرنا 83 أسيرة (3 بالعزل من أسبوعين).

جاي ع بالي شوربة من إيدين إمي، وبسبوسة من خيّاتي.

اشتقت لابني وجوزي وأهلي. الأمانة سلّم عليهم كلهم.

وعدتها بإطلاق حملة دوليّة لتحرّرها من خلال التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين.

                                "عايشين في قبر!"

قمت ظهر الثلاثاء 26.05.2026 (عشيّة سفري إلى ألمانيا وعشيّة عيد الأضحى المبارك) بلقاء الأسيرة منار إبراهيم كمال إبراهيم، من دير إبزيع/ رام الله (مواليد 10.05.1998، أم لطفلين: أيمن/ 5 سنوات، وليلى/ 4 سنوات، وحامل في شهرها الثالث).

أوصلتها بداية رسائل أطفالها وزوجها، تحوّل النحيب لابتسامة حين أخبرتها أنّ زوجها "اشتريتلهم أحلي أواعي عيد بكل العالم، أيمن لبسته شُرْط رمادي وبلوزة زهري فاتح
وليلى بنطلون أسود وبلوزة (كت) حمرا زي الصبايا... أنا داير بالي على الأولاد وراح أسجلهم بالمخيم الصيفي في أكاديمية سردا راح تكون لمدة شهر... وآمنه حامل".

حدثتني عن الاعتقال؛ اعتقلوني يوم 30.04.26، ع الثلاث الفجر، اقتحموا البيت جنود كثار ومجنّدة، طلّعوني مع أواعي الصلاة، ما خلّوني أودّع الولاد وأحضنهم وأبوسهم، أخذوني لمعسكر، وخلّوني بكونتينر مسكّر أربع ساعات، ما توقّعت الاعتقال، 3 ليالي بكابوس الشارون لحالي ومنها للدامون.

عايشين في قبر!

منار بغرفة رقم 1؛ الغرفة صغيرة كثير، 3*4، فيها بُرشين فقط، 6 أسيرات بدل ثنتين، مليانة رطوبة وبتخنق، الحمّام بدون باب، الفتحة/ الأشناب مسكّرة كل الوقت (برفقة أمينة طويل/ حامل، دانا جودة/ حامل، إسراء خمايسة[4]، فرح أبو عياش/ دنيا سليم/ جديدة/ قلقيلية) ـ أنا بنام ع الأرض.

وفجأة بكت بكاءً مريراً قائلة: من يوم الأربعاء كاميرات بغرفتنا!!

الوضع صعب جداً. القمعات قايمة قاعدة، الأكل خفيف جداً وما بوخذوا بالحساب إنّا حوامل.

عملت يوم 17.05 فحص بالمستشفى وسمعت نبض البيبي.

أوصلتها تتمّة رسالة الأهل: (بدك أسدي -أنا متوقع ولد-اللي في بطنك يطلع ضعيف وأيمن يضربه؟! كل مصاري الدنيا ما بتسوى عندي دمعة وحدة منك، كوني على ثقة أنى راح أبذل كل جهد ممكن عشانك واحنا مش راح نيأس عبيل ما نشوفك بحضننا... عملت عزومة كبيرة لخمسين شخص بنية فرجك... تعلمت أستعمل الغسالة وطلعت منيحة مش زي ما بتقولي لي)، وضحكت حين أخبرتها: "مصعب محافظ على العصافير لالا وتقلقي وعلى ورداتك بسقيهم كل 3 أيام".

طلبت إيصال سلاماتها لزوجها مصعب (وزّع المخللات وفرّز لي دوالي من الخليل وملوخية) وللعائلة (خلّي أمّي تظلّ تدعيلي)، وتبارك لآمنة بالحمل، وبتعايد ع الجميع.

إحنا بنلبّي وبنكبّر كلّ الوقت.

طلبت إيصال رسالة خاصة لأيمن وليلى: "ماما بحبكم كثير، بس أطلع بدّي أخذكم ع الملاهي وأشتري لكم ألعاب كثير. ديروا بالكم على بابا وعلى بعض. دعواتكم".

وعدتها بإطلاق حملة دوليّة لتحرّرها من خلال التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين.

حين افترقنا ودّعتني باكية: "والله العيد بالسجن صعب".

بطريقي لمغادرة السجن نادتني أحلام شتيّة من الساحة وطلبت إيصال أهلها أنّها وصلت الدامون.

لكن عزيزتيّ دانا ومنار أحلى التحيّات، والحريّة لك ولجميع حرائر الدامون.

 الدامون/ حيفا أيار 2026    

الهوامش:

 [1] تحرّرت أمينة الطويل يوم 09.07.26

[2] تحرّرت ليان ناصر يوم 15.05.26

[3] تحرّرت تسنيم عودة يوم 11.05.26

[4] تحرّرت إسراء خمايسة يوم 09.07.26