أخبار

صفقة سلاح تركية لأوكرانيا تضع علاقات أنقرة وموسكو أمام اختبار جديد

صفقة سلاح تركية لأوكرانيا تضع علاقات أنقرة وموسكو أمام اختبار جديد

عواصم: تواجه العلاقات التركية–الروسية اختبارًا جديدًا على خلفية خطة لنقل أسلحة أمريكية الصنع من تركيا إلى أوكرانيا بقيمة نحو 283 مليون دولار، في خطوة أثارت تحذيرًا روسيًا حادًا، وتأتي بالتزامن مع تقارب متزايد بين أنقرة وواشنطن وتحولات تدريجية في علاقات تركيا الاقتصادية والطاقة مع موسكو.

وبحسب تقرير نشره موقع Nordic Monitor في 19 أغسطس/آب 2026، للصحفي ليفنت كنيز، فإن الحزمة المقترحة تمثل أكبر عملية نقل عسكري تقترحها تركيا لأوكرانيا منذ بدء الغزو الروسي الشامل في فبراير/شباط 2022، وقد دفعت موسكو إلى التحذير من تداعياتها المحتملة على علاقاتها مع كل من أنقرة وواشنطن.

أسلحة بقيمة 283 مليون دولار

تشمل الصفقة المقترحة 70 صاروخًا باليستيًا تكتيكيًا من طراز ATACMS M39، و12 منصة إطلاق صواريخ متعددة من طراز M270، و2524 صاروخًا من طراز M26، إضافة إلى 47 ألف قذيفة مدفعية عيار 203 ملم من طراز M509A1.

وأخطرت وزارة الخارجية الأمريكية الكونغرس بعملية النقل، مع إدراج تركيا دولة ناقلة وأوكرانيا دولة مستقبلة. ويبلغ مدى صواريخ ATACMS M39 نحو 165 كيلومترًا، ما يسمح باستخدامها ضد أهداف تقع خلف خطوط الجبهة، ويحمل كل صاروخ 950 قذيفة فرعية من طراز M74.

ولأن الأسلحة أمريكية المنشأ وموجودة بالفعل في تركيا، تحتاج أنقرة إلى موافقة واشنطن قبل نقلها إلى دولة ثالثة. وأبلغت الإدارة الأمريكية الكونغرس استعدادها للموافقة على العملية، فيما يملك المشرعون مهلة 15 يومًا لمراجعتها والاعتراض عليها، وفي حال عدم الاعتراض يمكن أن تمضي عملية النقل قدمًا.

وتقول تركيا إن العملية تستهدف التخلص من جزء من مخزون المعدات الدفاعية القديمة وتوجيه الموارد المالية نحو تحديث وصيانة أنظمتها الحالية، بينما تشير واشنطن إلى أن أوكرانيا تريد الأسلحة لتعزيز قدراتها الهجومية والدفاعية في مواجهة القوات الروسية.

موسكو تحذر وأنقرة تقترب من واشنطن

ردت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا على الخطة محذرة من أن نقل الأسلحة قد يلحق ضررًا بالغًا بعلاقات موسكو مع تركيا والولايات المتحدة، وطالبت البلدين بتقديم توضيحات بشأن الشحنة المقترحة.

ويأتي التوتر في وقت تشهد فيه العلاقات التركية–الأمريكية تقاربًا أكبر خلال الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، وسط علاقة وثيقة بينه وبين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ودعم أمريكي لتوسيع التعاون الدفاعي مع تركيا. وفي المقابل، أصبح التواصل المباشر بين أردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين أقل تكرارًا.

ووفق التقرير، كان آخر اتصال هاتفي بين أردوغان وبوتين في 3 أبريل/نيسان، بحسب مديرية الاتصالات التركية، وناقش خلاله الزعيمان العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية والدولية. وأكد أردوغان حينها رغبة بلاده في منع مزيد من التصعيد في الحرب الروسية–الأوكرانية، ودعا الأطراف إلى تجنب الخطوات التي قد تزيد التوتر.

الذخائر العنقودية تفتح ملفًا حساسًا

لا تقتصر حساسية الصفقة على تأثيرها في العلاقات مع موسكو، إذ تضم الحزمة كميات كبيرة من الذخائر العنقودية. ووفق التقرير، تحتوي صواريخ M26 البالغ عددها 2524 صاروخًا، إلى جانب 47 ألف قذيفة مدفعية وصواريخ ATACMS، على أكثر من عشرة ملايين قذيفة فرعية متفجرة إجمالًا.

وتحظر اتفاقية الذخائر العنقودية لعام 2008 على الدول الأطراف استخدام هذه الأسلحة أو إنتاجها أو تخزينها أو نقلها، لكن تركيا وروسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة ليست أطرافًا في الاتفاقية.

وتكتسب المسألة أهمية إضافية لأن تركيا كانت قد أعلنت سابقًا أنها لا تستخدم الذخائر العنقودية ولا تنتجها أو تستوردها أو تنقلها، وهو موقف أكدته بعثتها الدائمة في جنيف عام 2023 وكررته في سبتمبر/أيلول 2024، ما يعيد هذه التصريحات إلى الواجهة مع الصفقة الجديدة.

تراجع الاعتماد على النفط والغاز الروسيين

بالتوازي مع التحول العسكري، تظهر مؤشرات على إعادة تشكيل تدريجية لعلاقة تركيا بقطاع الطاقة الروسي. ورغم استمرار روسيا موردًا رئيسيًا للطاقة، خفضت أنقرة مشترياتها من النفط الروسي وزادت وارداتها من مصادر بديلة.

وبحسب بيانات نقلها التقرير عن وكالة رويترز، تراجعت الواردات التركية من موانئ البحر الأسود الروسية إلى نحو 900 ألف طن في يوليو/تموز 2026، مقارنة بنحو 1.2 مليون طن في يونيو/حزيران، مع توقعات بمزيد من الانخفاض في أغسطس/آب، فيما زادت تركيا مشترياتها من موردين آخرين، من بينهم البرازيل وغيانا.

وتسعى أنقرة كذلك إلى تنويع مصادر الغاز الطبيعي. فمع أن الغاز الروسي ما زال يمثل جزءًا مهمًا من مزيج الطاقة التركي، وسعت البلاد استخدامها للغاز الطبيعي المسال وأبرمت عقودًا طويلة الأجل، بينها عقود مع موردين أمريكيين. وبات الغاز الروسي المنقول عبر خطي «بلو ستريم» و«ترك ستريم» يشكل أقل من 40% من مزيج الغاز التركي بموجب عقود نوقشت أواخر 2025، مقارنة بأكثر من 50% عام 2018.

آق قويو تبقي المصالح الاستراتيجية قائمة

لكن تراجع الاعتماد التركي على واردات الطاقة الروسية لا يعني فك الارتباط الاقتصادي بين البلدين. فروسيا لا تزال حاضرة بقوة في البنية التحتية للطاقة التركية من خلال محطة آق قويو النووية في مرسين، التي تبنيها شركة روساتوم الحكومية الروسية.

وتضم المحطة أربعة مفاعلات روسية التصميم من طراز VVER-1200 بقدرة إجمالية تبلغ 4.8 غيغاواط. وبدأت روساتوم عمليات التشغيل الأولي للوحدة الأولى في يونيو/حزيران، مع توقع دخولها الخدمة التجارية خلال 2026.

ويظل المشروع أحد أكبر أوجه التعاون الاقتصادي والاستراتيجي طويل الأمد بين البلدين. وتمول روساتوم المشروع، فيما تناقش إمكانية بيع حصة تصل إلى 49% منه لشركات تركية. وكانت أنقرة وموسكو قد اتفقتا على المشروع عام 2010، قبل أن يبدأ البناء عام 2018.

من الاستفادة من روسيا إلى إعادة التموضع

اتبعت تركيا منذ بداية الحرب الأوكرانية سياسة موازنة دقيقة. فقد رفضت الانضمام رسميًا إلى العقوبات الغربية على موسكو، مستفيدة من النفط الروسي منخفض السعر ومن استمرار حركة السياحة والاستثمارات الروسية، في الوقت الذي حافظت فيه على عضويتها في حلف شمال الأطلسي وعلاقاتها مع أوكرانيا.

وساعدت هذه السياسة أنقرة على خفض فاتورة الطاقة وتحقيق عائدات مهمة خلال أزمة العملة، بعدما فقدت الليرة التركية أكثر من 28% من قيمتها أمام الدولار خلال عام 2022. كما شهدت تركيا تدفقًا كبيرًا لرؤوس الأموال الروسية، إذ تصدر الروس قائمة المستثمرين الأجانب في البلاد خلال العام نفسه بتأسيس 1363 مشروعًا مشتركًا، مقارنة بـ177 مشروعًا فقط في 2021، تركز معظمها في العقارات والاستشارات الاستثمارية.

وفي الوقت نفسه، أشارت وزارات العدل والتجارة والخزانة الأمريكية في إشعار مشترك صدر عام 2023 إلى استمرار محاولات الالتفاف على العقوبات المرتبطة بروسيا باستخدام وسطاء أو نقاط عبور لإخفاء المعاملات وهويات المستفيدين النهائيين الروس.

اختبار جديد لسياسة التوازن التركية

تضع صفقة الأسلحة المقترحة سياسة التوازن التي اتبعتها أنقرة منذ اندلاع الحرب أمام اختبار أكثر تعقيدًا. فتركيا لا تزال مرتبطة بروسيا بمصالح استراتيجية واسعة، تتقدمها الطاقة والتجارة ومشروع آق قويو النووي، لكنها في الوقت نفسه تتحرك باتجاه تعزيز علاقاتها الدفاعية والسياسية مع الولايات المتحدة وتنويع مصادر الطاقة وتقليل اعتمادها النسبي على موسكو.

ويذهب Nordic Monitor إلى ربط التوجه التركي المتزايد نحو الغرب باعتبارات داخلية أيضًا، معتبرًا أن أردوغان يحتاج إلى علاقات مستقرة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في ظل الضغوط الاقتصادية الداخلية، وأن أي صدام واسع مع الغرب قد يفاقم أزمة العملة والضغوط الاقتصادية. غير أن هذا الجزء يمثل القراءة التحليلية للموقع وليس معلومة رسمية؛ فالتقرير نفسه يشير إلى أن الموقع يتبنى توجهًا نقديًا واضحًا تجاه حكومة أردوغان، بينما تستند التفاصيل الأساسية المتعلقة بالصفقة وبيانات الطاقة إلى وثائق رسمية أمريكية وتقارير رويترز وتصريحات روسية رسمية.

وفي المحصلة، لا تعني الصفقة بالضرورة انتقال تركيا إلى مواجهة مباشرة مع روسيا، لكنها تكشف عن تغير تدريجي في معادلة التوازن التي حكمت علاقات أنقرة بموسكو والغرب خلال السنوات الماضية. وإذا اكتملت عملية نقل الأسلحة، ولا سيما صواريخ ATACMS، فإنها ستضيف عنصرًا عسكريًا مباشرًا وحساسًا إلى شبكة الخلافات المتنامية بين تركيا وروسيا، في وقت تحاول فيه أنقرة توسيع هامش حركتها بين الطرفين من دون التخلي عن مصالحها الاستراتيجية مع أي منهما.