مقالات

هندسة القمع وتحدي المشانق: قراءة تحليلية في تصاعد الإضرابات بالسجون الإيرانية

هندسة القمع وتحدي المشانق: قراءة تحليلية في تصاعد الإضرابات بالسجون الإيرانية

جغرافية الاحتجاج المؤسسي داخل المنظومة العقابية

يشهد المشهد الحقوقي والسياسي في إيران تصعيداً غير مسبوق يعكسه اتساع رقعة الاحتجاجات المؤسسية من داخل المنظومة العقابية. وفي هذا السياق، تبرز حملة ثلاثاءات لا للإعدام بوصفها ظاهرة فريدة تخطت المألوف النضالي، مسجلة دخولها الأسبوع الثالث والثلاثين بعد المائة من الإضراب الشامل عن الطعام، والمُنفذ في تسع وخمسين سجناً موزعة على مختلف المحافظات الإيرانية. ولا يعبر هذا الصمود الجماعي عن مجرد حالة تضامن تقليدية، بل يمثل مواجهة هيكلية مباشرة مع سياسة الإعدامات المنهجية التي تتبناها السلطة الحاكمة؛ بهدف كسر إرادة الشارع الإيراني وإعادة هندسة خريطة الخوف والترهيب المجتمعي، وسط تجاهل تام للمعايير الدولية للإجراءات القانونية المنصفة.

تفكيك الحصيلة الحقوقية ومؤشرات العنف المنهجي

تكشف البيانات الميدانية الموثقة عن مؤشرات بالغة الخطورة تخص تصاعد وتيرة الإعدامات منذ مطلع العام الجاري، حيث سُجل تنفيذ ما لا يقل عن 342  حالة إعدام، شملت نساء وأشخاصاً قاصرين وقت ارتكاب الجريمة المنسوبة إليهم، فضلاً عن عشرات السجناء السياسيين. وتتطابق هذه المؤشرات مع إصدار أحكام إعدام جديدة تتسم بالغموض وغياب الشفافية بحق معتقلين على خلفية انتفاضة يناير الشاملة في مدينة شيراز، مثل مجتبى دهبندي وكيانوش حمزه إي. وتؤكد تقارير مراكز الرصد الحقوقية المستقلة أن القضاء الإيراني يعتمد على استراتيجية فبركة القضايا وإنشاء الملفات الجماعية الكيدية، كما حدث في قضايا ميدان عليخاني، وميدان شهداء أصفهان، ومناطق شانديز وإسفراين، بهدف إرهاب الحراك الشعبي وإضفاء غطاء قانوني زائف على التصفية الممنهجة للأصوات المعارضة.

إخفاق استراتيجيات التنكيل وتصدع جدار الردع

في قراءة للتداعيات الاستراتيجية لهذه السياسات، يتبين أن أجهزة القمع تجاوزت الأحكام القضائية القاسية إلى ممارسات تنكيل مباشر شملت النقل التعسفي إلى الزنازين الانفرادية وفتح ملفات قضائية جديدة ضد السجناء المضربين. غير أن هذه المقاربة الأمنية الخشنة أفرزت نتائج عكسية على مستوى الاستقرار السياسي للنظام؛ إذ أسهمت في تعميق الاحتقان الجماهيري وتصاعد الغضب الشعبي العام. وأثبتت التجربة الميدانية أن محاولات كسر الحركة الأسيرة باتت تصطدم بجدار صلب من التلاحم الجماهيري، لا سيما مع انخراط قطاعات واسعة مثل المتقاعدين في دعم الحملة، مما حول السجون من مساحات للإكراه والإخضاع إلى بؤر إشعاع نضالي تهدد شرعية المنظومة السياسية برمتها.

أفق الصراع وبنيان التضامن الوطني العابر للأسوار

يعكس هذا الترابط العضوي بين الحركة الأسيرة والشارع المنتفض تحولاً جوهرياً في بنية المعارضة المدنية داخل إيران. إن انتشار الإضراب ليشمل شبكة واسعة من المعتقلات والسجون المركزية، بدءاً من سجن إيفين وسجن قزل حصار مروراً بسجون أهواز وشيراز وزاهدان وصولاً إلى تبریز ومشهد وسنندج، يرسخ وحدة جغرافية النضال ضد منظومة ولاية الفقيه. وتؤكد هذه التطورات أن استراتيجية التخويف الممنهج باتت تعاني من عطب بنيوي عاجز عن احتواء اتساع رقعة الرفض الشعبي؛ مما ينذر بمرحلة جديدة من التشابك السياسي الذي قد يعيد صياغة معادلات الصراع في البلاد نحو تفكيك آليات الاستبداد وإلغاء عقوبة الإعدام نهائياً.