أخبار

مستقبل أمن الخليج بعد حرب إيران: اتفاقية مكة وتنويع الشراكات في زمن «السلام البارد»

مستقبل أمن الخليج بعد حرب إيران: اتفاقية مكة وتنويع الشراكات في زمن «السلام البارد»

عواصم: تواجه دول الخليج مرحلة جديدة من إعادة التفكير في منظومتها الأمنية، في ظل تداعيات الحرب الأمريكية-الإيرانية، والاضطرابات المستمرة في مضيق هرمز، وتراجع الثقة بقدرة الولايات المتحدة على توفير الضمان الأمني التقليدي، بالتوازي مع صعود توجه إقليمي نحو تنويع الشراكات الدفاعية والاقتصادية وعدم الارتهان لمظلة أمنية واحدة.

وفي هذا السياق، جاءت اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، المعروفة إعلاميًا بـ«اتفاقية مكة»، باعتبارها أحد أبرز المؤشرات على التحولات الجارية في الحسابات الأمنية الإقليمية. وتنص الاتفاقية على اعتبار الاعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعًا، لكنها تثير في الوقت نفسه تساؤلات بشأن حدودها العملية، وما إذا كانت تمثل نواة لتحالف أمني جديد أم مجرد إطار إضافي ضمن سياسة تنويع الشراكات.

وبحسب أليسون ماينر، مديرة مشروع تكامل الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، خلال حلقة من بودكاست Live FP التابع لمجلة فورين بوليسي، بثت في 12 أغسطس 2026 وقدمها رئيس تحرير المجلة رافي أغراوال، فإن الاتفاقية تمثل تطورًا مهمًا، لكنها لا تعني بالضرورة قيام تحالف تشغيلي مماثل لحلف شمال الأطلسي أو التزام دفاعي يوازي «المادة الخامسة» في ميثاق الناتو.

وتشير ماينر إلى أن الاتفاقية لا ينبغي قراءتها باعتبارها موجهة بالضرورة ضد إيران أو إسرائيل، ولا باعتبارها إدانة مباشرة للسياسة الأمريكية في المنطقة، بقدر ما تعكس توجهًا خليجيًا أوسع نحو تنويع شبكة الشراكات الأمنية، في ظل تراجع مصداقية الضمان الأمني الأمريكي الذي استند تاريخيًا إلى «مبدأ كارتر».

وكانت السعودية وباكستان قد وقعتا اتفاقية دفاع ثنائية في سبتمبر 2025، قبل الهجمات الإيرانية على الخليج. وخلال الحرب، ظل الإسهام العسكري الباكستاني المباشر محدودًا نسبيًا، في حين برز الدور السياسي لإسلام آباد، ولا سيما عبر الوساطة بين الرياض وطهران وبين واشنطن وطهران. وهو ما يعزز الاعتقاد بأن القيمة السياسية والدبلوماسية للشراكات الجديدة قد تكون، في بعض الحالات، أكبر من بعدها العسكري المباشر.

«السلام البارد» بدل الحسم

ترى ماينر أن السيناريو الأكثر ترجيحًا لمسار الحرب الأمريكية-الإيرانية ليس انتصار أحد الطرفين أو الوصول إلى تسوية نهائية، وإنما الاستقرار في حالة من «السلام البارد» الممتد. وتستند في ذلك إلى تقدير تاريخي يفيد بأن أقل من 20 في المئة من الحروب خلال العقود الثمانية الماضية انتهت بانتصار عسكري حاسم، وأقل من 20 في المئة انتهت بتسوية تفاوضية، بينما استقرت أكثر من 60 في المئة منها في حالة جمود طويل الأمد.

ويحمل هذا السيناريو تداعيات مباشرة على دول الخليج، لأن استمرار حالة «اللاحرب واللاسلم» قد يعني بقاء مضيق هرمز معطلًا جزئيًا لأمد غير محدد، مع احتفاظ إيران بقدرتها على تعطيل الملاحة فيه، حتى إذا تراجعت وتيرة الهجمات المباشرة.

وبالتالي، لن يكون التحدي الخليجي مقتصرًا على خطر المواجهة العسكرية، بل سيمتد إلى تكاليف اقتصادية طويلة الأجل تتعلق بأسعار الطاقة والتجارة والاستثمار والتأمين وسلاسل الإمداد وثقة المستثمرين.

التنويع يتحول إلى استراتيجية أمن قومي

في مواجهة هذه البيئة، ترى ماينر أن الخيار المتاح أمام دول الخليج يتمثل في توسيع استراتيجية التنويع لتشمل أكبر عدد ممكن من القطاعات والشركاء. فليست هناك صناعة خليجية محصنة بصورة كاملة ضد تداعيات الاضطرابات الإيرانية، سواء جاءت عبر هجمات مباشرة أو من خلال تعطيل الملاحة في مضيق هرمز.

ويكتسب هذا الأمر أهمية إضافية مع تحول الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة إلى أداة قادرة على إرباك أنظمة الدفاع الجوي، وإلحاق آثار اقتصادية تتجاوز حجم الضرر العسكري المباشر، من خلال التأثير في ثقة المستثمرين وحركة السياحة والأسواق.

وتشير ماينر إلى أن السعودية تحاول، ضمن هذا التوجه، تعزيز مكانة موانئها على البحر الأحمر كمركز لوجستي عالمي يمكنه الاستفادة من اضطرابات هرمز، بالتوازي مع توقع زيادة الاستثمارات الخليجية في تقنيات مكافحة المسيّرات وحماية مراكز البيانات والبنية التحتية الحيوية والطاقة.

ويمثل ذلك تحولًا في مفهوم الأمن الخليجي نفسه، بحيث لم يعد مقتصرًا على امتلاك منظومات عسكرية متقدمة، وإنما أصبح مرتبطًا أيضًا بمرونة الاقتصاد، وتعدد الممرات التجارية، وأمن البيانات والطاقة، والقدرة على مواجهة أسلحة منخفضة التكلفة.

واشنطن باقية.. لكن بشروط مختلفة

ورغم تنويع شراكاتها، لا تبدو دول الخليج، وفق ماينر، في طريقها إلى التخلي عن علاقتها الأمنية مع الولايات المتحدة. فواشنطن لا تزال تمتلك قدرات عسكرية يصعب إيجاد بديل فعلي عنها؛ في حين لم تظهر الصين استعدادًا مماثلًا للتدخل العسكري، كما لا تقدم روسيا بديلًا يتناسب بالضرورة مع المصالح الخليجية.

لكن المشكلة تكمن في شروط الشراكة الأمريكية نفسها. فقد شعرت دول الخليج بأنها لم تُستشر بالقدر الكافي قبل قرار واشنطن شن الحرب، رغم أنها تحملت لاحقًا جانبًا من عبء الرد الإيراني بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

ويضاف إلى ذلك تحدي مخزونات الذخائر الأمريكية المتقدمة، بما فيها صواريخ باتريوت وتوماهوك. وترى ماينر أن طبيعة حرب المسيّرات تفرض على دول الخليج البحث عن أنظمة دفاعية أقل تكلفة وأكثر سرعة وقدرة على التعامل مع الهجمات الكثيفة، بدل الاعتماد الحصري على منظومات أمريكية متطورة وباهظة الثمن.

وبذلك، لا يبدو الاتجاه الخليجي منصبًا على استبدال الولايات المتحدة بقوة دولية أخرى، وإنما على إعادة التفاوض على طبيعة العلاقة معها، بالتوازي مع توسيع شبكة الشركاء لتقليل مخاطر الاعتماد على طرف واحد.

الخلاف السعودي-الإماراتي وتحدي التنسيق الخليجي

لكن بناء منظومة أمنية خليجية أكثر تماسكًا يصطدم أيضًا بالخلافات داخل مجلس التعاون. وتلفت ماينر إلى التوتر في العلاقات السعودية-الإماراتية، ولا سيما على خلفية ملفي اليمن والسودان، فضلًا عن اختلاف مقاربة البلدين للحرب على إيران.

وبحسب ما ورد في الحلقة، كانت الإمارات أكثر ميلًا إلى دفع واشنطن نحو تصعيد يستهدف تغيير النظام الإيراني، في حين تبنت السعودية مقاربة أكثر حذرًا. وتعتبر ماينر أن هذه التباينات تعقد إمكانية بلورة موقف خليجي موحد تجاه إيران، رغم عمق الروابط بين الرياض وأبوظبي.

ويكشف ذلك أحد التحديات الأساسية أمام أي هندسة أمنية خليجية جديدة: فتنويع الشراكات الخارجية قد يكون أسهل من بناء توافق خليجي داخلي مستدام بشأن طبيعة التهديدات وكيفية التعامل معها.

إسرائيل من شريك محتمل إلى مصدر قلق

وتضيف العلاقة مع إسرائيل بعدًا آخر إلى التحولات الأمنية الجارية. فإلى جانب القضية الفلسطينية بوصفها مصدر التوتر التقليدي، برزت شكوك خليجية متزايدة بشأن ما إذا كانت إسرائيل نفسها قد تتحول إلى عامل لزعزعة الاستقرار الإقليمي.

وقد تعززت هذه المخاوف بعد الضربة الإسرائيلية التي استهدفت الدوحة، باعتبار أنها مثلت هجومًا من شريك للولايات المتحدة على عاصمة شريك أمريكي آخر.

ومع ذلك، تتوقع ماينر أن يبقى الاتجاه العام لدول الخليج على المدى الطويل نحو التهدئة والحوار مع إسرائيل، شريطة معالجة هذه المخاوف بصورة مباشرة، سواء في الحوارات الثنائية أو في العلاقة مع واشنطن.

هل توفر باكستان مظلة نووية للسعودية؟

تفتح اتفاقية مكة كذلك الباب أمام تساؤلات بشأن البعد النووي للعلاقة السعودية-الباكستانية، لكن ماينر تستبعد أن تعني الاتفاقية امتداد «المظلة النووية» الباكستانية بصورة تلقائية إلى السعودية.

وفي المقابل، تحذر من أن استمرار حالة عدم الاستقرار الإقليمي قد يزيد مخاطر الانتشار النووي، خصوصًا إذا استمر الشعور بأن منظومة الردع التقليدية لم تعد كافية.

وتقدم ماينر في هذا السياق قراءة لافتة للسلوك الإيراني، إذ ترى أن مضيق هرمز أصبح في حسابات طهران أداة ردع فعلية ربما تفوق قيمة الرادع النووي المحتمل، نظرًا إلى قدرة إيران على استخدام موقعها الجغرافي لفرض تكاليف اقتصادية هائلة على خصومها والاقتصاد العالمي.

البحرين الحلقة الأكثر هشاشة

وسط هذه التحولات، تبرز البحرين، وفق تحليل ماينر، باعتبارها إحدى أكثر دول الخليج تعرضًا للمخاطر، بسبب اعتمادها الكبير على مضيق هرمز في تصدير الهيدروكربونات، ومحدودية التنوع الاقتصادي مقارنة بجيرانها.

وتزداد هذه الهشاشة مع احتمال تراجع قدرة الدول الخليجية الأكثر ثراءً على تقديم مستويات الدعم المالي المعتادة في حال استمرار الأعباء الاقتصادية للحرب، بالتزامن مع مخاوف من محاولات إيرانية لاستغلال التوترات الداخلية وتأجيج الاضطرابات عبر خلايا موالية لطهران.

منظومة أمنية متعددة الطبقات

تكشف التحولات التي أعقبت حرب إيران أن دول الخليج لا تتجه، على الأرجح، نحو استبدال المظلة الأمريكية بتحالف بديل واحد، وإنما نحو بناء منظومة أمنية أكثر تعددًا ومرونة. وفي هذا الإطار يمكن فهم اتفاقية مكة باعتبارها جزءًا من شبكة أوسع من العلاقات الدفاعية، وليس بالضرورة نواة لـ«ناتو» إقليمي جديد.

وتقوم المعادلة الجديدة على الاحتفاظ بالشراكة العسكرية الأمريكية، بالتوازي مع تطوير علاقات دفاعية مع قوى أخرى، والاستثمار في دفاعات أقل تكلفة ضد المسيّرات والصواريخ، وتنويع الممرات التجارية والاقتصادات الوطنية، وتعزيز حماية البنية التحتية والطاقة والبيانات.

لكن نجاح هذه الاستراتيجية سيظل مرتبطًا بعوامل لا تتحكم فيها دول الخليج بالكامل، وفي مقدمتها مستقبل المواجهة مع إيران، ووضع مضيق هرمز، وقدرة واشنطن على استعادة الثقة في التزامها الأمني، ومستقبل العلاقة مع إسرائيل، فضلًا عن قدرة دول مجلس التعاون نفسها على إدارة خلافاتها الداخلية.

وفي حال تحقق سيناريو «السلام البارد» الذي تطرحه ماينر، فإن التحدي الأمني الخليجي لن يكون الاستعداد لحرب جديدة فحسب، وإنما التكيف مع بيئة طويلة الأمد لا تعرف حربًا شاملة ولا سلامًا مستقرًا؛ وهي بيئة قد تجعل المرونة الاقتصادية وتنويع الشراكات والقدرة على امتصاص الصدمات عناصر ردع لا تقل أهمية عن القوة العسكرية التقليدية.

وتجدر الإشارة إلى أن المادة الأصلية عبارة عن حلقة حوارية وليست تقريرًا بحثيًا مكتوبًا، وأن عددًا من السيناريوهات الواردة فيها، وفي مقدمتها سيناريو «السلام البارد»، يمثل تقييمات واستشرافات شخصية لأليسون ماينر وليست وقائع مؤكدة.