أخبار

تقرير: إقرار قانون العفو يطوي صفحة السلاح مع «الكردستاني» ولا يغلق القضية الكردية في تركيا

تقرير: إقرار قانون العفو يطوي صفحة السلاح مع «الكردستاني» ولا يغلق القضية الكردية في تركيا

أنقرة: دخلت القضية الكردية في تركيا مرحلة جديدة بعد إقرار البرلمان التركي، في 10 أغسطس 2026، قانونًا يمنح عفوًا محدودًا لمقاتلي حزب العمال الكردستاني المسرّحين، في خطوة جاءت بعد إعلان الحزب حل نفسه رسميًا العام الماضي استجابة لدعوة مؤسسه المسجون عبدالله أوجلان. غير أن انتهاء التمرد المسلح الذي بدأ عام 1984 لا يعني بالضرورة أن أنقرة نجحت في إغلاق واحد من أكثر ملفاتها الداخلية تعقيدًا.

هذا هو السؤال الذي يطرحه هاليل كارافيلي، الزميل الأول في معهد آسيا الوسطى والقوقاز وبرنامج دراسات طريق الحرير، في مقال تحليلي نشرته مجلة «فورين بوليسي» في 17 أغسطس 2026، مستندًا إلى كتاب الصحفية أليزا ماركوس الجديد «صعود وثورة حزب العمال الكردستاني والنضال الكردي في تركيا وسوريا». ويرى المقال أن تفكيك الحزب بصورته المسلحة قد يمثل نهاية مرحلة، لكنه لا يعني نهاية الحركة الكردية أو المطالب السياسية والحقوقية التي راكمتها خلال العقود الماضية.

وصف أوجلان، الذي لم يشمله العفو، القانون الجديد بأنه يمهد لعملية دمقرطة لا تقل أهمية عن تأسيس الجمهورية التركية، فيما قدم رئيس البرلمان التركي الخطوة باعتبارها «تصفية للتنظيم الإرهابي» وبداية لمرحلة من الوحدة والتضامن الوطني. لكن خلف هذا التفاؤل الرسمي تظل أسئلة أساسية بشأن طبيعة التسوية وما إذا كانت تمثل حلًا فعليًا للقضية الكردية أم مجرد إنهاء لصيغتها العسكرية.

بحسب قراءة كارافيلي لكتاب ماركوس، فإن حل حزب العمال الكردستاني تنظيميًا لا يعني اختفاء الحركة التي نشأت حوله. فالسيناريو المطروح هو انتقالها إلى مرحلة جديدة تعتمد النشاط السياسي السلمي والعمل الديمقراطي، وربما ظهور منظمة أو مجموعة منظمات تسعى إلى تحقيق المطالب الكردية من داخل النظام السياسي التركي، مع محاولة بناء حضور سياسي في المدن الكردية الكبرى وكذلك في أنقرة وإسطنبول.

لماذا تخلى أوجلان عن السلاح؟

تكمن إحدى المفارقات الأساسية في أن أوجلان وافق عام 2025 على نزع السلاح وحل الحزب من دون التوصل مسبقًا إلى اتفاق رسمي مع الدولة التركية، رغم أنه كان قد رفض في مفاوضات السلام بين عامي 2013 و2015 التخلي عن الكفاح المسلح من دون ضمانات. كما قبل لاحقًا استبعاد القيادات العليا للحزب من العفو، وفرض قيود تمنع المقاتلين العائدين من ممارسة العمل السياسي لفترات تتراوح بين خمس وعشر سنوات.

ويفسر كارافيلي هذا التحول بوصول استراتيجية الكفاح المسلح إلى طريق مسدود. فقد منح التفوق العسكري التركي، وخصوصًا الاستخدام المكثف للمسيّرات، أنقرة قدرة على محاصرة مقاتلي الحزب في جبال شمال العراق. وجاءت الضربة الأكبر بعد محاولة الحزب إطلاق انتفاضة شعبية في مدن جنوب شرقي تركيا عام 2015، وهي تجربة انتهت بدمار واسع في مدن ذات أغلبية كردية وبخسارة الحزب جزءًا مهمًا من نفوذه في المناطق الحضرية، حتى بين قطاعات كردية كانت متعاطفة معه.

ومن هذا المنظور، لا ينظر الكاتب إلى موقف أوجلان الحالي بوصفه استسلامًا كاملًا بقدر ما يراه محاولة لإعادة بناء الحركة على أسس مختلفة بعد استنفاد الخيار المسلح. فالأهداف الكردية بعيدة المدى، وفق هذه القراءة، لم تتحقق، في ظل استمرار قضايا مثل التعليم باللغة الكردية والحكم الذاتي المحلي واعتقال سياسيين ومسؤولين أكراد منتخبين.

من الدولة الكردية إلى «الشعب الكردي المستقل»

التحول الأكثر أهمية يتعلق بإعادة تعريف الهدف نفسه. فبحسب الكتاب، طور أوجلان استراتيجية تقوم على بناء مؤسسات ديمقراطية كردية من القاعدة إلى القمة، من خلال هيئات تمثيلية وبرلمانات محلية، مستبدلًا السعي إلى إقامة دولة كردية مستقلة بفكرة بناء «شعب كردي مستقل».

وفي هذا التصور، يمكن للمقاتلين العائدين بموجب العفو أن يتحولوا من قوة عسكرية إلى طليعة للعمل السياسي والمدني. كما قد يسمح التخلي عن السلاح ببناء تحالفات أوسع مع القوى والأحزاب التركية، بعدما ساهم العمل المسلح، رغم دوره في تعبئة الأكراد، في نزع الشرعية عن جانب من تطلعاتهم في نظر قطاعات واسعة من المجتمع التركي.

لكن نجاح هذه الاستراتيجية يتوقف على عامل لا يتحكم فيه الأكراد وحدهم: مدى استعداد الدولة التركية للسماح بنشاط سياسي حقيقي يطالب بالحقوق الكردية، ثم استعدادها للاستجابة لهذه المطالب. ولهذا ترى ماركوس أن السلام قد يبقى بعيد المنال، سواء بسبب صعوبة تحويل حزب خاض صراعًا مسلحًا على مدى عقود إلى حركة سلمية بالكامل، أو بسبب الغموض المحيط بالمساحة السياسية التي ستتيحها أنقرة للحركة الكردية الجديدة.

القومية التركية.. العقبة الأعمق

يضع كارافيلي القومية التركية في صلب العقبات التي تواجه أي تسوية نهائية. والمفارقة أن دولت بهتشلي، زعيم حزب الحركة القومية وحليف الرئيس رجب طيب أردوغان، برز باعتباره أحد أكثر الداعمين لدفع العملية الجديدة قدمًا، في حين ظل أردوغان أكثر حذرًا تجاه الخطوات التي يمكن أن تستثير رد فعل قومي تركي قد ينعكس على حساباته الانتخابية.

ولا يقتصر الانقسام على السلطة. فحتى المعارضة التركية تواجه صعوبة في بناء تحالف كردي-تركي تقدمي، على الرغم من وجود قواسم مشتركة بين اليسار الكردي والتركي في قضايا العمل والنسوية والبيئة والعلمانية. ويعيد المقال جذور هذا الانقسام إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما نشأ حزب العمال الكردستاني من رحم خلاف مع اليسار التركي الذي كان يطالب الأكراد بتأجيل مطالبهم القومية لصالح أولوية الصراع الطبقي.

وتفاقمت الشكوك داخل المعارضة بسبب طبيعة التفاهم بين أوجلان وأردوغان. فبعض التقدميين الأتراك يخشون أن تكون الصفقة متضمنة، بصورة ضمنية، دعم أوجلان لإعادة انتخاب أردوغان بما يؤدي إلى تعزيز سلطته، وهو ما يفسر تصويت غالبية نواب المعارضة الوسطية اليسارية ضد قانون العفو.

انتصار عسكري لا يحسم القضية

السؤال المركزي، وفق المقال، هو من سيكون المستفيد النهائي من العملية: هل نجح أوجلان في فتح مساحة جديدة أمام التطلعات الكردية بعد إغلاق باب العمل المسلح، أم أن أردوغان تمكن من إنهاء تمرد حزب العمال الكردستاني بشروط الدولة، بما يعزز قبضته السياسية؟

يرى كارافيلي أن إعلان الانتصار الكامل قد يكون سابقًا لأوانه. فقد استطاعت تركيا تحقيق تفوق عسكري أجبر أوجلان على القبول بالسلام بشروط قريبة من شروط أنقرة، لكن أربعة عقود من الصراع أعادت في الوقت نفسه تشكيل الهوية الجماعية للأكراد ورسخت مطالب سياسية وثقافية لا تختفي بمجرد تفكيك التنظيم المسلح.

وبذلك، فإن التحدي الذي يواجه تركيا لم يعد بالضرورة كيفية هزيمة حزب العمال الكردستاني عسكريًا، بل كيفية التعامل سياسيًا مع المجتمع الكردي بعد انتهاء مرحلة السلاح. فنجاح عملية السلام لن يُقاس فقط بعدد المقاتلين الذين يلقون أسلحتهم أو بحل التنظيم، وإنما بقدرة الدولة على تحويل الانتصار الأمني إلى تسوية سياسية مستدامة تعالج قضايا الاعتراف والمساواة والحقوق.

وتخلص قراءة كارافيلي إلى أن الوحدة الوطنية التركية لن تصبح حقيقة لمجرد انتهاء التمرد المسلح؛ إذ سيبقى الإرث السياسي والهوياتي الذي خلفه الصراع قائمًا، وستضطر أنقرة إلى التعامل معه. وفي نهاية المطاف، لن يكون الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت تركيا قد حلت حزب العمال الكردستاني، بل ما إذا كانت قد بدأت فعلًا في حل قضيتها الكردية عبر الاستجابة لمطالب الأكراد بالاعتراف والمساواة.