شكوك أميركية في تحذير إسرائيلي من اغتيال ترامب وراء عملية سرية لتبديل طائرته في تركيا
واشنطن: كشفت معلومات استخباراتية أميركية عن شكوك داخل أجهزة الاستخبارات في صدقية تهديد إيراني مزعوم لاغتيال الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال وجوده في تركيا، رغم أن التحذير دفع الأجهزة الأمنية إلى تنفيذ عملية استثنائية لتغيير الطائرة التي غادر على متنها الرئيس الأميركي أنقرة.
وبحسب تقرير لصحيفة واشنطن بوست أعده الصحفيون وارن ب. ستروبل وجون هدسون ودان لاموث، ونُشر في 12 أغسطس/آب 2026، فإن التحذير جاء من إسرائيل، لكن محللي وكالة المخابرات المركزية الأميركية لم يجدوا المعلومات مقنعة، فيما وصف مسؤول أميركي مستوى الثقة في التقارير المتعلقة بالتهديد بأنه «منخفض».
ونقلت الحكومة الإسرائيلية معلومات بشأن تهديد محتمل باغتيال ترامب إلى وكالة المخابرات المركزية، إلا أن محللي الوكالة أبدوا تحفظات عليها ونقلوا شكوكهم إلى مسؤولين في إدارة ترامب. وقال أحد المسؤولين إن المعلومات المتعلقة بالتهديدات ضد حياة الرئيس كانت آتية من إسرائيل وليس من مصادر استخباراتية أميركية.
عملية أمنية استثنائية في أنقرة
تكتسب هذه الشكوك أهمية إضافية بالنظر إلى الإجراءات غير المعتادة التي اتخذت لحماية ترامب أثناء مغادرته قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة في 8 يوليو/تموز.
فبعد مخاوف أمنية تتعلق باستخدام طائرة بوينغ 747-8 الجديدة المهداة من قطر لنقل الرئيس من بيئة اعتُبرت potentially معادية، صعد ترامب في البداية إلى طائرة «إير فورس ون» التقليدية، قبل أن يغادرها سرًا ويُنقل بواسطة شاحنة تموين في المطار إلى طائرة ثالثة من طراز C-32A، أقل لفتًا للانتباه، نقلته مع عدد محدود من كبار مساعديه إلى بريطانيا.
ولم يقدم البيت الأبيض إجابة مباشرة عن طبيعة المعلومات الاستخباراتية التي تلقتها واشنطن أو تقييم الأجهزة الأميركية لها. واكتفى مسؤول أميركي بالتأكيد أن ترامب واجه تهديدات متعددة على حياته، بينها تهديدات مصدرها إيران، وأن جميع الإجراءات الضرورية تُتخذ لضمان سلامته. كما رفضت وكالة المخابرات المركزية التعليق، بينما لم تقدم السفارة الإسرائيلية في واشنطن توضيحًا للصحيفة حتى وقت إعداد التقرير.
الحيطة الأمنية رغم ضعف الثقة بالمعلومة
على الرغم من الشكوك في صدقية التحذير الإسرائيلي، قرر البيت الأبيض والخدمة السرية عدم المخاطرة، خصوصًا أن احتمالات استهداف إيران لترامب ومسؤولين أميركيين كبار ظلت مصدر قلق أمني منذ اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني عام 2020، وتصاعدت المخاوف بعد مقتل المرشد الأعلى الإيراني وعدد من كبار المسؤولين الإيرانيين مع اندلاع الحرب الأخيرة.
وبحسب التقرير، فإن ترامب نجا من ثلاث محاولات اغتيال معروفة منذ حملته الرئاسية عام 2024، من دون وجود صلة معروفة بين المشتبه بهم في تلك الوقائع وإيران. ولهذا نفذت الخدمة السرية خطتها المعقدة في أنقرة من باب الحيطة القصوى، إذ رأى مسؤول أميركي أن سجل التهديدات السابقة جعل الجهاز غير مستعد للمجازفة بسلامة الرئيس.
وكانت صحيفة «وول ستريت جورنال» قد كشفت سابقًا أن إسرائيل زودت الحكومة الأميركية بمعلومات حول التهديد الإيراني. كما رافقت مقاتلات من طراز «إف-16» الطائرة التي أقلت ترامب من أنقرة إلى قاعدة ميلدنهول الجوية في بريطانيا. وأكد ترامب لاحقًا أن قرار تغيير الطائرة اتخذته الخدمة السرية، وأنه التزم بالتعليمات الأمنية التي تلقاها.
تساؤلات حول دوافع إسرائيل
لكن الجانب الأكثر حساسية في تقرير «واشنطن بوست» يتعلق بتفسير بعض المسؤولين الأميركيين لدوافع إسرائيل من وراء تمرير التحذير. فقد رأى مسؤول أميركي حالي وآخر سابق أن مشاركة المعلومات ربما لم تكن تهدف فقط إلى التحذير من خطر أمني، وإنما إلى التأثير في قرارات ترامب والسياسة الأميركية في المنطقة.
ويأتي ذلك، وفق الرواية التي نقلها التقرير، في وقت تنظر فيه إسرائيل إلى إيران باعتبارها التهديد الأكثر إلحاحًا على المدى القريب، لكنها ترى تركيا مصدر تهديد على المديين المتوسط والطويل، وتتابع بقلق تحسن العلاقات بين واشنطن وأنقرة، ولا سيما في ظل العلاقة الشخصية بين ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
وذهب مسؤول أميركي سابق إلى أن القضية تتوافق مع نمط أوسع في بعض التقارير الاستخباراتية الإسرائيلية التي يعتقد مسؤولون أميركيون أنها تهدف إلى تشكيل قرارات الرئيس بقدر ما تهدف إلى إطلاعه على المعلومات. وأشار إلى أن وزير الخارجية ماركو روبيو أُبلغ بالمعلومات الإسرائيلية وبخطة التمويه الأمنية، لكنه اختار مع ذلك السفر على متن طائرة «إير فورس ون» التقليدية، التي كان من المفترض أن تكون هدفًا محتملًا لو كان التهديد الإيراني جديًا.
كما شكك مسؤول أميركي آخر مطلع على المناقشات الأمنية في جدية التهديد، مستشهدًا بحجم الإجراءات الأمنية التركية خلال قمة الناتو، التي شارك فيها عشرات الآلاف من عناصر الأمن.
مطالب بتوضيح حقيقة التهديد
وأثارت القضية مطالب داخل الكونغرس بتقديم مزيد من المعلومات حول خلفيات العملية. وقال السيناتور الديمقراطي كريس فان هولن إنه يريد معرفة مدى موثوقية المعلومات التي قدمتها إسرائيل وإمكان التحقق منها بصورة مستقلة، مشيرًا إلى أن وجود رغبة إيرانية في استهداف ترامب لا يعني بالضرورة أن تفاصيل التحذير المحدد كانت صحيحة.
وتكشف القضية في مجملها عن فجوة بين التقييم الاستخباراتي للتهديد والقرار الأمني المتخذ للتعامل معه؛ ففي حين صنف مسؤولون أميركيون المعلومات الإسرائيلية على أنها منخفضة الثقة وغير مقنعة بما يكفي، تعاملت الخدمة السرية معها وفق أسوأ الاحتمالات، ونفذت عملية تمويه معقدة لحماية الرئيس.
وفي الوقت نفسه، يفتح التقرير بابًا أكثر حساسية يتعلق باستخدام المعلومات الاستخباراتية في التأثير على السياسة الخارجية، إذ نقلت «واشنطن بوست» عن مصادرها شكوكًا في أن التحذير الإسرائيلي ربما استهدف، إلى جانب البعد الأمني، التأثير في نظرة إدارة ترامب إلى تركيا في وقت تشهد فيه العلاقات الأميركية-التركية تحسنًا ملحوظًا. غير أن هذا التفسير يبقى منسوبًا إلى مسؤولين أميركيين مجهولي الهوية، وليس حقيقة مثبتة أو موقفًا رسميًا، كما أن وكالة المخابرات المركزية رفضت التعليق ولم تكن الرواية الإسرائيلية الرسمية ممثلة في التقرير.