إثيوبيا بعد بريتوريا: سلام قائم على الورق وصراع يعيد تشكيل نفسه
أديس أبابا: بعد نحو أربعة أعوام على توقيع اتفاق بريتوريا الذي أنهى رسميًا حرب تيغراي، تبدو إثيوبيا أمام مفارقة سياسية وأمنية لافتة: الاتفاق ما زال قائمًا، ووقف الأعمال العدائية صمد إلى حد كبير، لكن عددًا من القضايا التي أشعلت النزاع بقي بلا حل، فيما أضاف التنافس المتصاعد على البحر الأحمر والتوتر مع إريتريا طبقة جديدة من المخاطر إلى سلام لم يتحول بعد إلى تسوية مستقرة.
وتقدم دراسة أكاديمية محكّمة نشرها الباحث هافتي غبرسيالسي غبريهيت في مجلة Frontiers in Political Science في 14 أغسطس 2026 إطارًا لتفسير هذه المفارقة، من خلال مفهوم تسميه الدراسة «تماسك النزاع» (Conflict Consolidation)، أي الحالة التي يظل فيها اتفاق السلام قائمًا ومعترفًا به رسميًا، بينما يعاد تنظيم الصراع داخله عبر التطبيق الانتقائي لبنوده، وتأجيل القضايا الجوهرية، واستخدام المؤسسات والسياسات الأمنية للحفاظ على توازنات ما بعد الحرب بدل الانتقال إلى سلام مستقر.
من حرب دامية إلى اتفاق لم يُستكمل
اندلعت حرب تيغراي في نوفمبر 2020 وتحولت إلى واحدة من أكثر النزاعات دموية في أفريقيا خلال القرن الحادي والعشرين. ووفق الأرقام التي تستند إليها الدراسة، تراوحت تقديرات الوفيات الناتجة عن القتال والمجاعة وانهيار الخدمات الصحية خلال أول عامين بين 800 ألف و1.2 مليون شخص، فيما احتاج أكثر من 5.2 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية ونزح أكثر من مليوني مدني. كما وثقت منظمات دولية انتهاكات واسعة ارتكبتها أطراف متعددة في الحرب.
وفي 2 نوفمبر 2022، وقعت الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي اتفاق بريتوريا لوقف الأعمال العدائية، برعاية الاتحاد الأفريقي ودعم أمريكي وأوروبي. ولم يقتصر الاتفاق على وقف إطلاق النار، بل وضع خريطة طريق واسعة لمرحلة ما بعد الحرب شملت حماية المدنيين وإيصال المساعدات، واستعادة الإدارة الدستورية في المناطق المتأثرة، وانسحاب القوات غير التابعة للجيش الفدرالي، ونزع سلاح قوات تيغراي وتسريحها وإعادة دمجها، وتشكيل إدارة انتقالية، وعودة النازحين، والعدالة الانتقالية، إضافة إلى إنشاء آلية أفريقية للرصد والمتابعة.
المشكلة، وفق الدراسة، ليست في اختفاء الاتفاق، وإنما في اتساع الفجوة بين بقائه القانوني والسياسي وبين تطبيق بنوده الأساسية.
غرب تيغراي.. العقدة التي لم تحلها بريتوريا
تظهر هذه الفجوة بوضوح في غرب تيغراي، الذي تحول إلى إحدى أكثر قضايا مرحلة ما بعد الحرب حساسية. فقد انتقلت السيطرة الإدارية على المنطقة خلال الحرب إلى سلطات إقليم أمهرة، ولم تستعد الإدارة الدستورية السابقة، كما لم يتمكن معظم النازحين من العودة.
وبحسب الأرقام الواردة في الدراسة، لا يزال نحو 1.4 مليون شخص نازحين من أصل قرابة 2.6 مليون شخص هجرتهم الحرب، بينهم نحو 760 ألفًا من غرب تيغراي غير قادرين على العودة. وفي الوقت نفسه، لم تتمكن آلية الرصد والتحقق التابعة للاتحاد الأفريقي، المنتشرة منذ يناير 2023، من فرض تنفيذ الاتفاق، إذ تستطيع توثيق الانتهاكات لكنها لا تملك أدوات إلزام الأطراف باستعادة الإدارة الدستورية أو سحب القوات أو إعادة النازحين.
وهكذا نشأ وضع لا يعيد بصورة كاملة ترتيبات ما قبل الحرب ولا يلغيها رسميًا. وهذا تحديدًا ما تعتبره الدراسة نموذجًا لـ«تماسك النزاع»: القضية الجوهرية تبقى معلقة، فيما يستمر اتفاق السلام باعتباره المرجعية الرسمية للعلاقة بين الأطراف.
الإقصاء السياسي يضيف أزمة جديدة
لم تعد المشكلة مقتصرة على الأرض والترتيبات الأمنية. فقد أضافت انتخابات الأول من يونيو 2026 بعدًا مؤسسيًا إلى أزمة تيغراي، بعدما جرى التصويت في معظم أنحاء إثيوبيا بينما بقي الإقليم خارج العملية الانتخابية.
كما ظلت جبهة تحرير شعب تيغراي وأحزاب أخرى مقرها الإقليم خارج المنافسة، بعدما ألغي التسجيل القانوني للجبهة في 2025 بسبب عدم استيفاء الشروط الانتخابية، وهو إجراء اعتبرته الجبهة انتهاكًا للشرعية التي اكتسبتها بموجب اتفاق بريتوريا.
ونتيجة لذلك، دخل تيغراي عامه السادس من دون تمثيل في مجلس نواب الشعب الفدرالي، بما يعني غياب صوت مباشر للإقليم داخل المؤسسة التي تعتمد التشريعات والموازنة وتشكل من خلالها الحكومة، في وقت يفترض أن تكون فيه قضايا إعادة الإعمار والإنفاق العام وإعادة الإدماج في صلب مرحلة ما بعد الحرب.
البحر الأحمر يعيد تعريف أزمة تيغراي
لكن المتغير الأكثر خطورة قد يأتي من خارج تيغراي نفسها. فالدراسة ترى أن جيوسياسة البحر الأحمر غيرت تدريجيًا البيئة التي ينفذ فيها اتفاق بريتوريا.
فمساعي إثيوبيا المتجددة للحصول على منفذ إلى البحر، والإشارات المتكررة إلى ميناء عصب، رفعت مستوى التوتر مع إريتريا، التي لا تنظر إلى هذه المسألة باعتبارها مطلبًا اقتصاديًا إثيوبيًا فحسب، وإنما بوصفها قضية تمس أمنها وسيادتها. ويتزامن ذلك مع استمرار الخلافات الحدودية وضعف الثقة بين البلدين وانسحاب إريتريا من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيغاد».
وتكتسب تيغراي أهمية خاصة في هذه المعادلة بسبب موقعها الجغرافي المحاذي لإريتريا. وتشير الدراسة إلى حديث بعض المراقبين المحليين عن علاقات مرنة وغير رسمية بين فاعلين إريتريين وعناصر داخل تيغراي، رغم نفي الجبهة رسميًا وجود مثل هذا التنسيق، في مقابل اتهامات من مسؤولين إثيوبيين لبعض فصائل تيغراي بالتعاون مع إريتريا.
الخطر هنا يتجاوز احتمال تجدد المواجهة العسكرية المباشرة. فربط قضية تيغراي بالتنافس الإثيوبي-الإريتري على البحر الأحمر يسمح بإعادة تعريف الملفات التي كان يفترض التعامل معها باعتبارها التزامات ضمن اتفاق السلام — مثل نزع السلاح، وإعادة الإدماج، واستعادة الأراضي والتمثيل السياسي — بوصفها قضايا أمن قومي.
وعندما تتحول مشكلة إعادة الإدماج إلى مشكلة أمنية، تتراجع مساحة الحلول التفاوضية وتتزايد احتمالات التعامل معها بأدوات القوة.
اتفاق واحد.. وروايات متعددة
تكشف الدراسة كذلك أن أحد أسباب استمرار الأزمة يتمثل في أن الأطراف لا تتفق فعليًا على معنى بريتوريا نفسه.
فالحكومة الفدرالية تقرأ الاتفاق من زاوية السيادة والشرعية القانونية، ويمكنها بالتالي تفسير التأخير أو التنفيذ المشروط باعتباره استجابة لمخاطر أمنية. أما القوى في تيغراي فتنظر إليه باعتباره إطارًا للاعتراف التفاوضي واستعادة الأراضي والحصول على ضمانات للحماية، ولذلك ترى في استمرار السيطرة على غرب تيغراي والإقصاء السياسي مؤشرين إلى غياب حسن النية.
في المقابل، تؤطر القوى الإقليمية في أمهرة القضية من زاوية الأمن والمطالب التاريخية بالأرض، بينما تنظر إريتريا، رغم أنها ليست طرفًا رسميًا في اتفاق بريتوريا، إلى التطورات من منظور السيادة والاحتواء الاستراتيجي.
وهذا الاختلاف لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار الاتفاق؛ بل قد يكون سببًا في استمراره بصورته الحالية. فكل طرف يستطيع البقاء رسميًا تحت مظلة بريتوريا، وفي الوقت نفسه إعادة تفسير الالتزامات الواردة فيه بما يتلاءم مع مصالحه.
أربعة مسارات لما بعد بريتوريا
تضع الدراسة أربعة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الوضع، استنادًا إلى تماسك المؤسسات، وتوافق حوافز النخب، وحجم الضغط الإقليمي الخارجي.
الأول هو التآكل المؤسسي تحت ضغط متصاعد، وفيه يبقى الاتفاق قائمًا رسميًا بينما تتراجع سلطته الفعلية بفعل الانقسام الداخلي والتوترات الإقليمية، وتعتبر الدراسة هذا السيناريو مرجحًا بدرجة عالية.
الثاني هو الجمود المطول تحت تشرذم مُدار، حيث تتجنب الأطراف الحرب الشاملة لكنها تتجنب كذلك تقديم التنازلات اللازمة للتسوية، فيستمر الاتفاق مع تنفيذ جزئي وغير متكافئ. وترى الدراسة أن هذا المسار هو الأكثر احتمالًا نسبيًا، ويمكن أن يمثل أحد أكثر أشكال «تماسك النزاع» استقرارًا، وإن ظل هشًا.
أما السيناريو الثالث فهو المركزة القسرية المدفوعة بالنزاع، وفيه تتعامل السلطات الفدرالية مع القضايا غير المحسومة في تيغراي باعتبارها تهديدًا أمنيًا أكثر منها مشكلة إعادة إدماج، فتتحول المواجهة إلى وسيلة لإعادة تنظيم السلطة. وتصنف الدراسة هذا السيناريو أيضًا باعتباره مرتفع الاحتمال.
ويبقى السيناريو الرابع، وهو التهدئة المشروطة عبر إعادة التموضع المؤسسي، الأقل ترجيحًا حاليًا. ويتطلب هذا المسار تسوية موثوقة لقضية غرب تيغراي، وإدماجًا سياسيًا حقيقيًا لقوى الإقليم، وآلية مستقلة للعدالة، بالتوازي مع خفض التوتر بين إثيوبيا وإريتريا.
وقف الحرب لا يعني بناء السلام
تتمثل الخلاصة الأساسية للدراسة في أن نجاح اتفاق بريتوريا في منع العودة المباشرة إلى الحرب لا يعني بالضرورة نجاحه في بناء السلام.
فقد أعيد تنظيم جزء من النزاع من خلال السيطرة الإقليمية والإجراءات الانتخابية والحسابات الأمنية المرتبطة بالبيئة الإقليمية. ومن ثم، فإن الحفاظ على وقف إطلاق النار وحده لا يكفي لمعالجة أزمة يكون جوهرها في التنفيذ الانتقائي لاتفاق السلام.
وتحدد الدراسة مجموعة من القضايا التي يتوقف عليها الانتقال من احتواء الصراع إلى تسويته، في مقدمتها إيجاد عملية سياسية وقانونية موثوقة لحسم وضع غرب تيغراي، وتوفير شروط العودة الآمنة للنازحين، وفتح مسار واضح لاستعادة تمثيل تيغراي على المستوى الفدرالي بعد استبعاده من انتخابات 2026، وتسوية الوضع القانوني للفاعلين السياسيين المستبعدين، إضافة إلى خفض التوتر مع إريتريا.
وبذلك، لم تعد أزمة ما بعد بريتوريا إثيوبية داخلية فقط. فكلما تصاعد التنافس على البحر الأحمر، ازدادت احتمالات اندماج قضية تيغراي في حسابات الأمن الإقليمي، وأصبح تنفيذ اتفاق السلام مرتبطًا بعلاقة أديس أبابا بأسمرة وبطموحات إثيوبيا البحرية بقدر ارتباطه بالتوازنات الداخلية.
المفارقة التي تطرحها الدراسة هي أن الخطر الأكبر على اتفاق بريتوريا قد لا يكون انهياره الرسمي. فالسيناريو الأكثر تعقيدًا هو أن يستمر الاتفاق لسنوات، وأن ينجح في منع الحرب الشاملة، لكنه يتحول تدريجيًا إلى إطار لإدارة النزاع واحتوائه بدل إنهائه. وفي هذه الحالة، يكون السلام قد صمد على الورق، بينما بقيت البنية التي تسمح بإعادة إنتاج الصراع قائمة تحته.