أخبار

السعودية تضغط على بغداد لمحاسبة قادة الفصائل الموالية لإيران وسط مساعٍ للتهدئة مع طهران

السعودية تضغط على بغداد لمحاسبة قادة الفصائل الموالية لإيران وسط مساعٍ للتهدئة مع طهران

الرياض: تضغط السعودية على الحكومة العراقية لاتخاذ إجراءات عقابية ضد قادة الفصائل الشيعية المدعومة من إيران، التي تتهمها الرياض بالمسؤولية عن هجمات استهدفت المملكة، في وقت تحاول فيه بغداد احتواء التوتر المتصاعد والحيلولة دون تحوّل العراق إلى ساحة مواجهة مباشرة بين السعودية وإيران.

وبحسب تقرير حصري نشره موقع Al-Monitor في 19 أغسطس 2026، للصحفية أمبرين زمان بمساهمة جاريد سوزوبا، فإن مسؤولين إقليميين قالوا إن المطلب السعودي لا يقتصر على ملاحقة منفذي الهجمات، بل يمتد إلى القيادات التي أصدرت الأوامر. ونقل التقرير عن أحد المسؤولين وصفه للموقف السعودي بالقول إن الرياض تريد «اعتقال ومعاقبة المسؤولين عن استهداف السعودية»، وإنها تريد محاسبة قادة الفصائل.

ويأتي الضغط السعودي في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى العراق، الذي يحاول رئيس وزرائه علي الزيدي تقليص نفوذ إيران من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع طهران وحلفائها. وكان من المقرر أن يزور الزيدي الرياض في 30 يوليو للقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في إطار مساعيه لتعزيز علاقات العراق مع السعودية وتركيا، إلا أن التطورات الميدانية أطاحت بالزيارة.

ضربات 28 يوليو تقلب المشهد

وفق التقرير، انهارت ترتيبات الزيارة بعد الضربات التي نفذتها طائرات أمريكية وسعودية في 28 يوليو ضد مقار لفصائل مدعومة من إيران في ثماني محافظات عراقية. وقالت الرياض إن العملية جاءت ردًا على هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت البنية التحتية للطاقة السعودية، بينما حمّلت القيادة المركزية الأمريكية إيران والحرس الثوري مسؤولية تدبير الهجمات ضد المنشآت النفطية السعودية والقوات الأمريكية في المملكة.

وفي محاولة لاحتواء الأزمة، زار وفد عسكري واستخباراتي عراقي رفيع السعودية في 13 أغسطس، بعد لقاء جمع الزيدي برئيس الاستخبارات السعودية خالد الحميدان في بغداد في 7 أغسطس. وبحسب التقرير، لم تسجل هجمات على السعودية انطلاقًا من الأراضي العراقية منذ 27 يوليو، لكن استمرار هذا الهدوء يرتبط إلى حد كبير بمسار الاتصالات بين واشنطن وطهران وبالخطوات الإيرانية المقبلة داخل العراق.

وأدت ضربات 28 يوليو، بحسب القيادة العامة لهيئة الحشد الشعبي، إلى مقتل ما لا يقل عن 20 شخصًا وإصابة 32 آخرين، فيما نقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤولين عسكريين عراقيين أن ستة مستشارين عسكريين إيرانيين قتلوا في الضربات. ويحذر التقرير من أن الخسائر البشرية يمكن أن تستخدمها الفصائل لتعزيز خطاب طائفي يصور المواجهة باعتبارها استهدافًا للشيعة بمساعدة أمريكية.

ويرى مايكل نايتس، من منصة Horizon Engage، أن استمرار استفزاز السعودية قد يمثل مكسبًا للفصائل العراقية، فيما تعتبر هذه الفصائل، من وجهة النظر السعودية، هدفًا أسهل من الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران أو الحوثيين. أما فيكتوريا تايلور، نائبة مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابقة لشؤون العراق وإيران، فترى أن ضربات يوليو حملت رسالة إلى إيران والحوثيين بأن الرياض مستعدة للرد إذا استمرت الهجمات عليها.

مهلة لنزع سلاح الفصائل

تتزايد الضغوط على الحكومة العراقية مع اقتراب 30 سبتمبر، وهو الموعد المحدد، وفق التقرير، لتسليم الجماعات المسلحة غير الحكومية أسلحتها أو مواجهة إجراءات قانونية. وتعهد الزيدي باحترام المهلة، وأطلق حملة ضد مسؤولين متهمين بالفساد بالتوازي مع مداهمات لمقار الفصائل، لكن النتائج أظهرت حجم الصعوبات التي تواجهها الحكومة.

فقد تمكنت حركة النجباء من صد قوات حكومية حاولت مداهمة أحد مقارها، فيما برأت محكمة في بغداد عباس يعقوبي، وهو مسؤول استخباراتي في الحركة اعتقل قبل أيام. وكانت النجباء قد طالبت، عقب ضربات 28 يوليو، بطرد القوات الأمريكية وقطع العلاقات مع السعودية، وهددت بفرض ثمن باهظ على المصالح الأمريكية والسعودية. ويكتسب تاريخ 30 سبتمبر أهمية إضافية لأنه يمثل أيضًا الموعد النهائي المقرر لانسحاب القوات الأمريكية من العراق.

ويشير التقرير إلى أن التقييم السائد لدى الجانب السعودي متشائم حيال قدرة بغداد على ضبط الفصائل. ونقل عن مصدر قوله إن «التقييم السعودي هو أن الحكومة العراقية لن تكبح جماح الفصائل». ويزداد الموقف تعقيدًا بسبب اعتماد رئيس الوزراء على تحالف من الأحزاب الشيعية التي تتفاوت في درجة قربها من إيران.

وفي مؤشر على صعوبة مهمة الحكومة، أعلنت كتائب حزب الله أنها لن تبحث نزع سلاحها إلا بعد تحقق ثلاثة شروط: الانسحاب النهائي للقوات الأمريكية وعدم عودتها، وانسحاب القوات التركية من شمال العراق، وحل قوات البيشمركة التابعة لإقليم كردستان. وتعد كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب الشهداء من أبرز مكونات ما يعرف بـ«محور المقاومة» المدعوم من إيران.

جرف الصخر.. نقطة الاشتعال الأخطر

تحتل منطقة جرف الصخر موقعًا خاصًا في الحسابات السعودية. فبحسب التقرير، أفاد فريق خبراء تابع لمجلس الأمن الدولي عام 2024 بأن ما لا يقل عن 80 مقاتلًا حوثيًا تلقوا تدريبات على أيدي جماعات عراقية مسلحة في المنطقة، التي تعد أحد أبرز معاقل كتائب حزب الله. كما أفاد معهد دراسة الحرب بأن الحوثيين أنشأوا مقرًا عملياتيًا فيها.

وكشف Al-Monitor أن السعودية كانت تخطط لضرب جرف الصخر خلال عمليات 28 يوليو، لكنها ألغت العملية بعدما طلب رئيس الوزراء العراقي مهلة للتعامل مع المنطقة، مؤكدًا أن الجيش العراقي سيتولى المهمة. ونقل الموقع عن ثلاثة مصادر مطلعة أن قرار إلغاء الضربة جاء بعد مشاورات بين عواصم إقليمية.

ووصف مايكل نايتس جرف الصخر بأنها تمثل لكتائب حزب الله العراقية ما يمثله سهل البقاع لحزب الله اللبناني، معتبرًا أنها تشكل أحد أبرز الأهداف المحتملة في حال قررت السعودية تنفيذ ضربة انتقامية جديدة. لكن دبلوماسيًا غربيًا مطلعًا على الملف العراقي حذر من أن محاولة الجيش العراقي اقتحام المنطقة فعليًا قد تعجل بسقوط حكومة الزيدي.

قاآني يتدخل لمنع التصعيد

وسط هذه التطورات، دخل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني على خط الأزمة. وبحسب التقرير، وصل قاآني إلى بغداد في 10 أغسطس، بعدما كانت الفصائل تستعد لموجة هجمات مضادة ضد السعودية. وأبلغ قادة الفصائل بعدم نزع سلاحهم في الوقت الراهن، مع دعوتهم إلى البحث عن تسوية سلمية مع الحكومة العراقية قبل حلول مهلة 30 سبتمبر بدل الانزلاق إلى مواجهة مسلحة.

لكن Al-Monitor أورد معلومة إضافية نقلًا عن مسؤول إقليمي، مفادها أن قاآني حذر الفصائل أيضًا من مواصلة مهاجمة السعودية، خشية أن تؤدي الهجمات إلى مواجهة أوسع وتدخل أمريكي إضافي، وكذلك بسبب مخاوف إيرانية من أن يؤدي التصعيد إلى دفع الرياض أكثر باتجاه تركيا.

اتفاق مكة يعيد رسم الحسابات

يتزامن التوتر العراقي مع تحولات أوسع في البيئة الأمنية الإقليمية. ففي 30 يوليو وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاق دفاع في مكة ينص على اعتبار الهجوم على أي عضو هجومًا على الجميع. ويجمع الاتفاق السعودية مع تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، وباكستان، القوة النووية، فيما أُعلن أيضًا عن تحالف آخر تقوده الرياض لأمن الملاحة في البحر الأحمر بهدف ردع الحوثيين.

لكن الاتفاقات الجديدة لم توقف الهجمات الحوثية. فبحسب التقرير، أعلن الحوثيون حصارًا بحريًا على مضيق باب المندب في 20 يوليو، وهو ممر بات يكتسب أهمية استثنائية للسعودية منذ إغلاق مضيق هرمز، إذ تمر عبره 80 في المئة من صادرات النفط السعودية. ومنذ 30 يوليو أعلنت الجماعة مسؤوليتها عن خمس هجمات ضد المملكة، بينها هجوم على مصفاة أرامكو في جازان وآخر استهدف سفينة حربية سعودية ومرافقاتها قرب المخا.

ومع أن بعض المحللين ينظرون إلى اتفاق مكة باعتباره موجهًا ضد إيران، فإن ولي نصر، أستاذ الشؤون الدولية في جامعة جونز هوبكنز، قال لـAl-Monitor إن طهران ترى الاتفاق «استعراضيًا في معظمه»، وإنها قد تنظر إلى التقارب السعودي مع تركيا وباكستان باعتباره عامل موازنة لمحور إسرائيل–الإمارات–الهند، بدل اعتباره تهديدًا مباشرًا لها.

الرياض تجمع بين الضغط والتفاوض

تكشف الصورة التي يرسمها التقرير عن مقاربة سعودية تقوم على مسارين متوازيين: الضغط على بغداد لمعاقبة قادة الفصائل المسؤولة عن الهجمات، مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع إيران لتجنب توسع الحرب. فالمسؤولون السعوديون، وفق التقرير، لا يريدون انهيار الدولة الإيرانية ويفضلون حلًا تفاوضيًا للصراع، لكنهم في الوقت نفسه يعتبرون الفصائل العراقية هدفًا أقل كلفة ومخاطر من مواجهة إيران أو الحوثيين مباشرة.

وفي المقابل، تبدو قدرة بغداد على تلبية المطالب السعودية محدودة بفعل قوة الفصائل وتشابكها مع بنية النظام السياسي العراقي وعلاقاتها بطهران. ولذلك فإن نجاح التهدئة لن يتوقف فقط على الإجراءات التي يستطيع رئيس الوزراء العراقي اتخاذها، وإنما أيضًا على حسابات إيران والفصائل المسلحة ومسار التفاهمات الإقليمية والأمريكية–الإيرانية.

ومع اقتراب مهلة 30 سبتمبر، يقف العراق أمام اختبار بالغ الحساسية: إما أن تنجح الحكومة في فرض قدر أكبر من السيطرة على الجماعات المسلحة وتمنع استخدام أراضيها منصة لاستهداف السعودية، أو أن تستمر الفصائل في تحدي الدولة، بما يرفع احتمالات عودة الضربات السعودية والأمريكية ويضع العراق مجددًا في قلب مواجهة إقليمية تتجاوز حدوده.