«حرب هرمز» ونهاية عصر السيادة الأمريكية
لم تعد «حرب هرمز» مجرد مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران حول مضيق استراتيجي، ولا اختبارًا لقدرة طهران على تحمل الحرب والعقوبات، ما يجري يطرح سؤالاً أكبر بكثير: هل نحن أمام لحظة تكشف بداية نهاية القاعدة التي حكمت الشرق الأوسط منذ حرب تحرير الكويت عام 1991، حين بدا أن التفوق العسكري الأمريكى قادر على فرض إرادته، وأن مجرد امتلاك واشنطن القدرة على الحسم يكفى لردع الخصوم؟
فى ذلك العام، لم تنتصر الولايات المتحدة على الجيش العراقى فقط، وإنما قدمت للعالم نموذجًا جديدًا للقوة، تفوق عسكري هائل، حسم سريع، خسائر محدودة، وقدرة على تشكيل ائتلاف دولي واسع خلف قرار الحرب. منذ ذلك الوقت، قامت منظومة الأمن الإقليمي على افتراض أن واشنطن تستطيع حماية الممرات الحيوية، وردع الخصوم، والسيطرة على مسار التصعيد إذا اندلع. لكن «هرمز» يقدم اليوم صورة مختلفة.
إيران لا تحتاج إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكريًا حتى تحقق مكسبًا استراتيجيًا، يكفيها أن تجعل أمن الملاحة أكثر كُلفة وأقل يقينًا، وأن تثبت أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على فرض النتيجة السياسية. فالقوة الأمريكية تستطيع تدمير أهداف ومنشآت ومنصات، لكنها تواجه صعوبة أكبر في تحويل هذا التفوق إلى استسلام سياسي أو إلى أمن مستدام للممر الذي تخوض الحرب من أجله.
وهنا تكمن المفارقة الأخطر. إذا أصبحت «الحرب الاقتصادية» هي الورقة التي تراهن عليها واشنطن لإجبار إيران على التراجع، بعد تعثر المسارين العسكري والدبلوماسي، فقد لا نكون أمام أداة قوة جديدة بقدر ما نكون أمام تحول في وظيفة القوة الأمريكية نفسها: من فرض النتائج إلى رفع كُلفة المقاومة.
وهذا تحديدًا ما يجعل لحظة هرمز مختلفة عن لحظة الكويت. فالقوة التى أظهرت عام 1991 أنها قادرة على إنهاء حرب خلال أيام، تجد نفسها اليوم أمام خصم لا يشترط الانتصار عليه عسكريًا؛ يكفيه أن يصمد، ويعطل، ويرفع كلفة الحرب، ويجعل الأسواق وشركات الملاحة والتأمين والطاقة تحسب المخاطر بطريقة مختلفة.
ويتماهى ذلك مع الفكرة المركزية في مقال عالم السياسة الأمريكي روبرت أ. بابى، «إيران والقواعد الجديدة للقوة العالمية»، المنشور قبل شهر في مجلة «فورين أفيرز»، حيث يرى أن حرب تحرير الكويت (حرب الخليج الثانية) جسدت ذروة الهيمنة الأمريكية، بينما تكشف المواجهة مع إيران حدود قدرة واشنطن على تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية. ويذهب «بابى» إلى أن «القوى الأضعف باتت تدرك أن تحدي الولايات المتحدة أصبح ممكناً».
لكن التغيير لا يخص إيران وحدها. دول الخليج نفسها بدأت تتعامل مع الأمن بمنطق أكثر تنوعًا؛ فلا تزال الشراكة الأمريكية مهمة، لكن فكرة الاعتماد الكامل على مظلة واحدة لم تعد مضمونة كما كانت. ومن ثم تتسع شبكة العلاقات مع قوى دولية وإقليمية أخرى، ليس بالضرورة في مواجهة واشنطن، وإنما تحسبًا لعالم لم تعد فيه القوة الأمريكية قادرة وحدها على ضمان الاستقرار.
وفي المقابل، تتحرك إسرائيل في بيئة إقليمية شديدة السيولة لتثبيت وقائع جديدة على خطوط التماس في غزة والضفة ولبنان وسوريا. وكأن الجميع بدأ يتصرف على قاعدة واحدة: المستقبل لن ينتظر حتى يستقر النظام الدولي الجديد، ومن يصنع الوقائع الآن قد يمتلك قدرة أكبر على التأثير في قواعده لاحقاً.
لا يعني ذلك أن الولايات المتحدة فقدت قوتها، أو أن إيران أصبحت قوة مهيمنة. هذا تبسيط لا يخدم التحليل. الولايات المتحدة ما زالت تمتلك تفوقًا عسكريًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا هائلًا. لكن السؤال تغير. لم يعد السؤال: من يملك القوة الأكبر؟
بل: من يستطيع تحويل قوته إلى إرادة سياسية نافذة؟
منذ 1991، كانت الإجابة شبه محسومة. أما «حرب هرمز» فتضع هذه المسلّمة تحت الاختبار. فإذا عجز التفوق العسكري عن إنتاج الحسم، ولم تستطع الدبلوماسية إنتاج التسوية، ولم تحقق العقوبات وحدها الإخضاع، فإن واشنطن لا تفقد قوتها، لكنها تفقد شيئاً أكثر أهمية: اليقين العالمي بأن قوتها قادرة دائماً على تحويل التفوق إلى نتيجة. وهذا هو المعنى الحقيقي لما يجري في «هرمز».
قد لا تكون «حرب هرمز» معركة إسقاط السيادة الأمريكية، لكنها بالتأكيد معركة إسقاط اليقين بها. فمنذ 1991 كانت واشنطن تفرض قواعد اللعبة؛ واليوم، للمرة الأولى منذ ثلاثة عقود، تبدو القواعد نفسها موضع تفاوض.