دبلوماسية المشانق وحجب الإنترنت في إيران: هل تتحرك باريس لكسر صمت العواصم الأوروبية؟
عندما تتحول البيانات الدبلوماسية إلى اختبار فعلي للسياسات الغربية
لم يعد البيان المشترك الصادر في الثاني عشر من أغسطس 2026، والذي وقّعته فرنسا إلى جانب أكثر من ثلاثين دولة داعياً السلطات في طهران إلى "الاستماع إلى صوت شعبها الذي يطالب بالتغيير"، يندرج تحت سقف الأعراف الدبلوماسية المعتادة. فالتحليلات الاستراتيجية المتزايدة، وآخرها ما طرحه الباحث والمحلل السياسي المتخصص في الشأن الإيراني حميد عنايت في صحيفة لادبيش الفرنسية، تضع العواصم الأوروبية — وعلى رأسها باريس — أمام مفترق طرق حاسم. لم يعد التحدي المرتبط بالملف الإيراني متمثلاً في صياغة الإدانات اللفظية، بل في الانتقال الفوري إلى تدابير عملية وملموسة تقوّض قدرة المنظومة الحاكمة على خنق الإرادة الشعبية وتطلعات التغيير الديمقراطي.
هندسة التعتيم الرقمي: كيف تُدار المجازر في ظلام الإنترنت؟
تعتمد الاستراتيجية الأمنية لنظام الولي الفقيه في مواجهة الاحتجاجات الشعبية المتصاعدة على ركيزة جوهرية تتمثل في فرض قطع شامل لشبكة الإنترنت. وقد وثّق وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو هذه الممارسة في الرابع عشر من يناير الماضي، مشيراً صراحة إلى أن قطع الاتصالات يستهدف إخفاء الحجم الحقيقي لحملات البطش والقتل الميداني بحق المتظاهرين. إن خطورة هذا العزل الرقمي لا تكمن فقط في حجب المعلومات عن الرأي العام العالمي، بل ترقى إلى شل التنسيق الميداني بين المدن والمحافظات، مما يتيح للأجهزة الأمنية عزل المناطق المنتفضة والاستفراد بها والتنكيل بالمحتجين بعيداً عن أي توثيق فوري لجرائم القتل والتعذيب.
مبادرة السيادة الرقمية: كسر الحصار التكنولوجي عن الشارع
في ظل هذه المعطيات، تبرز الحاجة الماسة لبلورة مبادرة أوروبية تقنية وقانونية تضمن عدم تحكم المنظومة الأمنية لـ حرس النظام الإيراني في الفضاء الرقمي للمواطنين. وتتجسد هذه الاستراتيجية في ثلاثة محاور رئيسية:
توفير أدوات وتقنيات آمنة: دعم البنية التحتية لتقنيات تجاوز الحجب والرقابة، وتأمين قنوات اتصال مشفرة للنشطاء والمواطنين.
الشراكة مع شركات التكنولوجيا: إزالة العقبات التجارية والبيروقراطية واستحداث آليات طوارئ لتأمين الإنترنت عبر الأقمار الصناعية حين يلجأ النظام لقطع الشبكة محلياً.
تكريس الاتصال كحق أساسي: التعامل مع الوصول إلى شبكة الإنترنت العالمية بوصفه حقاً أصيلاً مكفولاً بموجب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لا امتيازاً خاضعاً لأهواء السلطة الفاشية.
مقصلة الإرهاب الداخلي: استحضار سابقة ميكونوس الدبلوماسية
على الصعيد الداخلي، تُمثل الإعدامات اليومية أداة ترهيب سياسي منظمة يستخدمها النظام لبث الرعب وتطويق أي احتمال لانفجار الثورة الشعبية في ظل أزمة اقتصادية خانقة وفقدان تام للشرعية. وهنا يأتي دور الدبلوماسية الفرنسية — التي طالما جعلت من مناهضة عقوبة الإعدام ركيزة لمبادئها — لترجمة هذه القيم إلى إجراءات رادعة تشمل تخفيض التمثيل الدبلوماسي مع طهران، وتجميد اللقاءات الرسمية رفيعة المستوى، وربط أي أفق سياسي بوقف تنفيذ أحكام الإعدام ضد سجناء الرأي، مع الإبقاء حصراً على القنوات القنصلية الضرورية. هذا التحرك يستحضر سابقة محكمة ميكونوس عام 1997، حين اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوة تاريخية باستدعاء سفرائه من طهران إثر إدانة أعلى هرم السلطة باغتيال معارضين في برلين، مؤكداً أن غياب الثمن السياسي يمنح النظام حصانة للتصعيد.
نحو تحول ديمقراطي يقوده الشعب وقواه المنظمة
يُظهر تفكيك بنية السياسات الإيرانية أن النظام يرتكز على عمودين لتطويق الغضب الشعبي: العزل عبر حجب الإنترنت لتمزيق التواصل، والترهيب بالمشانق لرفع كلفة النزول إلى الشارع. إن الدعم الدولي الحقيقي والأخلاقي لنضال الإيرانيين لا يتطلب هندسة انتقال سياسي من الخارج، بل يتلخص في تجريد الفاشية الحاكمة من سلاحي القمع والتعتيم، مما يتيح للشعب الإيراني وقواه المنظمة في المقاومة الإيرانية حسم مصيرهم بأنفسهم وإسقاط الاستبداد تمهيداً لبناء جمهورية ديمقراطية قائمة على فصل الدين عن الدولة والمساواة.