نهاية رجل شجاع …. الشهيد «أبو رعد» فتحي حازم
يمكن استعارة عنوان رواية «نهاية رجل شجاع» للكاتب السوري الراحل حنا مينه، لوصف سيرة العقيد المتقاعد فتحي حازم «أبو رعد»، الذي انتهت حياته شهيداً بعد مسار طويل من الصبر والمواجهة والثبات.
فجر اليوم، الجمعة 21 آب/أغسطس 2026، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي مدينة جنين، مدججة بالسلاح، بحثاً عن العقيد المتقاعد فتحي حازم، المعروف بـ«أبو رعد». الرجل الذي لاحقته قوات الاحتلال وهددته مراراً، وطالبته بتسليم نفسه، لكنه ظل متمسكاً بموقفه، رافضاً أن يمنح الاحتلال ما أراده منه.
هذه المرة لم تأتِ قوات الاحتلال لاعتقال رجل عادي؛ كانت تلاحق واحداً من أكثر الوجوه التي ارتبط اسمها بالصبر والثبات في جنين، بعد أن فقد ابنيه الشهيدين رعد وعبد الرحمن.
وحين عجز الاحتلال، كما يبدو، عن إخضاعه أو دفعه إلى الاستسلام، انتهى الأمر باستشهاده خلال اقتحام منزله في منطقة الدوار الرئيسي وسط مدينة جنين، فيما أقدمت قوات الاحتلال على احتجاز جثمانه.
وفي لحظاته الأخيرة، وحين طالبه جنود الاحتلال بالانحناء، رفض ذلك وقال لهم: «من أنت لتطالبني بالانحناء؟». وبحسب ما تردد عن تفاصيل استشهاده، أطلق الجنود عليه سبع رصاصات، أدت إلى استشهاده.
هكذا، التحق «أبو رعد» بولديه، لتصبح العائلة التي عاشت الفقد والمطاردة والصمود، عائلة شهداء من بيت واحد.
لم يكن فتحي حازم مجرد والد لشهيدين. فمنذ استشهاد نجله الأكبر رعد في نيسان/أبريل 2022، تحوّل إلى شخصية حاضرة في المشهد الفلسطيني، بعدما ظهر متماسكاً في مواجهة محاولات الاحتلال الضغط عليه وإجباره على تسليم نفسه. ظل رافضاً الخضوع، الأمر الذي أكسبه احتراماً واسعاً، ولا سيما في جنين، حيث رأى فيه كثيرون أباً حمل آلام فقد ابنيه، لكنه لم يسمح للحزن أن يكسره.
رعد، نجله الأكبر، نفذ عملية في شارع ديزنغوف في تل أبيب في نيسان/أبريل 2022، ثم استشهد بعد مطاردة واشتباك مع قوات الاحتلال في يافا. وبعد أشهر قليلة، استشهد نجله الآخر عبد الرحمن خلال اشتباك مع قوات الاحتلال في مخيم جنين في أيلول/سبتمبر من العام نفسه.
وفي المرتين، كان الأب يقف أمام امتحان بالغ القسوة: كيف يمكن لرجل أن يودّع ابنيه شهيدين، ثم يواصل حياته حاملاً هذا القدر من الفقد؟
لكن «أبو رعد» اختار أن يحمل وجعه واقفاً.
كان عقيداً متقاعداً في الأمن الوطني الفلسطيني، وبقيت صورته في ذاكرة الناس صورة الضابط الذي رأى نفسه جزءاً من هموم شعبه واعتباره أن التناقض الرئيس هو مع الاحتلال، بقدر ما بقيت صورته صورة الأب الذي تلقى استشهاد ابنيه بثبات لافت، ورفض أن يتحول الحزن إلى انكسار.
وبعد استشهاد نجله رعد، لم يكن ظهوره الإعلامي مجرد حديث أب عن ابنه. فقد أصبح صوته جزءاً من المشهد العام في جنين، وبرز بخطاب شديد الثبات، فيما كان الاحتلال يلاحقه ويضعه في دائرة الاستهداف، حتى باتت تهديداته بحقه معروفة.
وكانت عبارته التي واجه بها تهديدات الاحتلال تختصر الكثير من شخصيته: «فاقضِ ما أنت قاضٍ».
ليست قيمة العبارة في كلماتها وحدها، بل في السياق الذي قيلت فيه: أب فقد ابنيه، ورجل يعرف أنه ملاحق ومهدد، وسلطة احتلال تملك السلاح والطائرات والقدرة على الاقتحام والقتل؛ ومع ذلك، يرفض أن يمنحها لحظة انكسار.
اليوم، بعد استشهاده، تستعيد جنين صورة «أبو رعد» من جديد، لكن هذه المرة من موقع الشهيد الذي التحق بولديه.
رحل الرجل الذي عاش سنواته الأخيرة محمولاً على وجع فقد الابنين، لكنه لم يسمح لذلك الوجع أن يهز صورته أو يدفعه إلى التراجع.
رحل «أبو رعد»؛ الأب الذي سبق أبناءه إلى الشهادة، ثم لحق بهم.
رحل العقيد المتقاعد، وبقيت صورته الأخيرة في الذاكرة: رجل حاصرته التهديدات، وطاردته قوات الاحتلال، وفقد ابنيه، لكنه ظل واقفاً لم ينحني.
ولذلك، فإن «نهاية رجل شجاع» ليست نهاية الشجاعة نفسها. فالشجاعة لا تنتهي بموت صاحبها؛ إنها تنتقل إلى الذاكرة، وتبقى شاهدة على أصحابها.
واليوم، في جنين، تنتقل ذاكرة «أبو رعد» إلى أبنائه، وإلى كل من عرفه، وإلى مدينة اعتادت أن تدفع أثماناً باهظة من أبنائها، لكنها لم تتعلم الانحناء.
المجد للشهيد فتحي حازم «أبو رعد»، ولولديه الشهيدين اللذين سبقاه: رعد وعبد الرحمن، ولجميع شهداء جنين وفلسطين.
ثلاثة أسماء من بيت واحد، وثلاثة فصول من حكاية لم تنتهِ.