أخبار

حرب إيران تعيد رسم التحالفات في الشرق الأوسط بعيداً عن حسابات واشنطن وتل أبيب

حرب إيران تعيد رسم التحالفات في الشرق الأوسط بعيداً عن حسابات واشنطن وتل أبيب

عواصم: تدخل منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التحالفات وموازين القوى، بعدما أفضت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران إلى نتائج مغايرة لما كانت تراهن عليه واشنطن وتل أبيب، ودفعت قوى إقليمية رئيسية إلى البحث عن ترتيبات أمنية جديدة تقلل من اعتمادها المطلق على الولايات المتحدة وتستجيب لمخاوفها من إيران وإسرائيل في آن واحد.

وبحسب افتتاحية نشرتها هيئة تحرير صحيفة فايننشال تايمز في 17 أغسطس 2026، فإن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب مهاجمة إيران، متجاهلاً تحذيرات حلفاء واشنطن العرب، أطلق سلسلة من التحولات التي بدأت تعيد رسم خريطة الاصطفافات في المنطقة. وكان ترامب يتوقع أن تستغرق العملية ما بين أربعة وخمسة أسابيع، لكن بعد قرابة ستة أشهر لا تزال المنطقة عالقة في وضع غير محسوم بين الحرب والسلام.

وترى الصحيفة أن النظام الإيراني، الذي مثّل منذ ثورة عام 1979 مصدر قلق مستمر للدول العربية، تعرض لأضرار جسيمة جراء الضربات الأميركية والإسرائيلية، لكنه بقي قائماً وقادراً على ممارسة الضغط الإقليمي. ولا تزال طهران تحتفظ بأوراق استراتيجية مهمة، في مقدمتها قدرتها على التحكم بمضيق هرمز، فضلاً عن شبكة حلفائها ووكلائها المنضوين ضمن ما يعرف بـ”محور المقاومة”، رغم ما لحق بهذه الشبكة من ضعف خلال السنوات الأخيرة والحرب الراهنة.

اهتزاز الثقة بالمظلة الأميركية

أحد أبرز التحولات التي أفرزتها الحرب، وفق الافتتاحية، يتمثل في إعادة دول الخليج تقييم اعتمادها على الولايات المتحدة بوصفها الضامن الأمني الرئيسي. فقد تعرضت خلال المواجهة قواعد عسكرية ومنشآت للطاقة ومطارات وبنى تحتية في المنطقة لهجمات إيرانية، الأمر الذي أثار تساؤلات بشأن قدرة المظلة الأميركية على توفير الحماية المطلوبة لحلفائها.

وفي الوقت نفسه، تصاعد القلق العربي والإسلامي تجاه إسرائيل، التي بات ينظر إليها على نحو متزايد باعتبارها عاملاً مزعزعاً للاستقرار الإقليمي. ووفق قراءة فايننشال تايمز، يعتقد كثيرون في المنطقة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دفع الشرق الأوسط إلى الحرب مع إيران انطلاقاً من حسابات إسرائيلية، وليس من منظور المصالح الأوسع لدول المنطقة.

وبذلك وجدت دول عربية نفسها أمام معادلة أمنية أكثر تعقيداً: إيران لا تزال تشكل مصدر تهديد، لكن الحرب كشفت في الوقت نفسه حدود الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة، بينما أدى السلوك الإسرائيلي إلى تعميق المخاوف من التداعيات الإقليمية لسياسات تل أبيب.

محور مكة

في هذا السياق، تبرز اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة مطلع أغسطس باعتبارها أحد أبرز المؤشرات على النظام الإقليمي الجديد الآخذ في التشكل.

وتؤكد الدول الثلاث أن الاتفاقية دفاعية بحتة ولا تستهدف دولة بعينها. غير أن أهميتها السياسية تتجاوز مضمونها العسكري المباشر، إذ تعكس توجهاً نحو بناء ترتيبات أمنية تقودها قوى المنطقة نفسها في مواجهة حالة عدم اليقين التي أفرزتها الحرب.

وتستند الاتفاقية إلى اتفاق دفاعي سعودي-باكستاني أُبرم في سبتمبر الماضي، وتوفر للدول الثلاث مصالح متبادلة؛ إذ تفتح أمام تركيا فرصاً لعقود وصفقات في قطاع الدفاع، وتتيح لباكستان الحصول على مزيد من الدعم المالي من الرياض، فيما تمنح السعودية تعزيزاً رمزياً لقدرتها على الردع في مواجهة إيران ووكلائها، ولا سيما في ظل تجدد الصراع مع الحوثيين في اليمن.

ومع ذلك، تحذر فايننشال تايمز من المبالغة في تقدير الوزن العسكري الفعلي للتحالف الجديد. فمن غير المرجح، بحسب تقدير الصحيفة، أن تنخرط تركيا أو باكستان تلقائياً في حرب مباشرة دفاعاً عن السعودية، كما أن الاتفاقية قد لا تكون كافية لردع إيران أو الحوثيين عن تنفيذ هجمات جديدة.

ولهذا، من المتوقع أن تظل الولايات المتحدة الشريك الدفاعي الرئيسي للعالم العربي، رغم الشكوك المتزايدة بشأن مدى موثوقية التزامها الأمني على المدى الطويل. وتكمن أهمية اتفاق مكة، في هذه المرحلة، في رمزيته السياسية أكثر من كونه بديلاً جاهزاً للمظلة الأميركية.

اصطفاف إقليمي مقابل

في الجهة المقابلة، ترى الافتتاحية أن هناك محوراً إقليمياً آخر تتصدره دول مرتبطة باتفاقيات أبراهام، وتبرز فيه الإمارات العربية المتحدة التي تعمق علاقاتها مع إسرائيل بالتزامن مع تصاعد التوتر في علاقتها بالسعودية وانتهاجها سياسة أكثر استقلالية عن شركائها العرب التقليديين.

أما مصر، فعلى الرغم من قربها من السعودية وتركيا وباكستان، فقد حافظت على موقع مختلف ولم تنضم إلى الاتفاقية الدفاعية الثلاثية. ومن المرجح، بحسب الصحيفة، أن تفضل غالبية الدول العربية والإسلامية الأخرى تجنب الاصطفاف الصريح مع أي محور، في ظل سيولة المشهد الإقليمي وعدم وضوح الشكل النهائي للتحالفات الناشئة.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن المنطقة تتجه إلى بناء كتلتين صلبتين ومتنافستين، بقدر ما يكشف عن عملية إعادة تموضع واسعة تبحث خلالها الدول عن هوامش أكبر للاستقلال الاستراتيجي، وتنويع الشراكات الأمنية، وتقليل المخاطر الناتجة عن الاعتماد على طرف خارجي واحد.

نتيجة معاكسة لرهان الحرب

التحول الأبرز، وفق قراءة هيئة تحرير فايننشال تايمز، يتمثل في أن الحرب قد تنتج أثراً معاكساً تماماً لما راهنت عليه واشنطن وتل أبيب.

فبدلاً من أن يؤدي إضعاف إيران إلى دفع الدول العربية نحو مزيد من التقارب مع إسرائيل وتوسيع نطاق اتفاقيات أبراهام، أسهمت الحرب في تعزيز الشكوك تجاه إسرائيل، وفي الوقت ذاته دفعت دول المنطقة إلى التفكير في ترتيبات أمنية إقليمية مستقلة نسبياً عن الولايات المتحدة.

وتخلص الافتتاحية إلى أن رهان ترامب ونتنياهو على أن تؤدي الحرب إلى تقريب الدول العربية من إسرائيل وتمهيد الطريق أمام توسيع اتفاقيات أبراهام مرشح للخيبة. فالحرب تعيد بالفعل تشكيل الشرق الأوسط، لكن الخريطة التي تتشكل قد تكون مختلفة تماماً عما أرادته واشنطن وتل أبيب أو توقعتاه.

وتبقى هذه القراءة، كما يوضح النص، تقديراً تحريرياً لهيئة تحرير فايننشال تايمز وليست توصيفاً إخبارياً محايداً، خصوصاً فيما يتعلق بمستقبل المحاور الإقليمية وقدرتها على التحول إلى تحالفات مستقرة ودائمة.