أخبار

حرب إيران تستنزف الترسانة الأمريكية.. وموسكو وبكين تراقبان تآكل قوة واشنطن

حرب إيران تستنزف الترسانة الأمريكية.. وموسكو وبكين تراقبان تآكل قوة واشنطن

عواصم: تواجه الولايات المتحدة ضغوطًا متزايدة على مخزوناتها من الأسلحة والذخائر المتطورة، بعدما أدى استمرار الحرب مع إيران إلى استهلاك كميات كبيرة من الصواريخ الاعتراضية والأسلحة بعيدة المدى، ودفع واشنطن إلى سحب بعض الإمدادات والأصول العسكرية من أوروبا وآسيا لتلبية متطلبات العمليات في الشرق الأوسط، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انعكاس ذلك على قدرتها على ردع روسيا والصين.

وبحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز، نُشر في 8 أغسطس/آب 2026، واستند إلى مسؤولين أميركيين وغربيين كبار، فإن معدل استهلاك بعض أنواع الذخائر المتقدمة تجاوز قدرة خطوط الإنتاج الأميركية على تعويضها، ما أوجد فجوة متزايدة بين احتياجات العمليات العسكرية وقدرة الصناعة الدفاعية على إعادة ملء المخزونات. ‎⁨

أكثر من 1500 صاروخ باتريوت

تظهر أزمة الاستنزاف بصورة خاصة في صواريخ الدفاع الجوي. فمنذ اندلاع الحرب مع إيران في 28 فبراير/شباط 2026، اضطرت القوات الأميركية إلى استخدام كميات ضخمة من الصواريخ الاعتراضية للدفاع عن قواعدها وحلفائها في مواجهة الهجمات الإيرانية.

ووفق الأرقام الواردة في التقرير، استخدمت الولايات المتحدة أكثر من 1500 صاروخ باتريوت اعتراضي، في حين لا يتجاوز المخزون الحالي نحو 1700 صاروخ، وقد يستغرق تعويض الكميات المستهلكة أكثر من عامين. ‎⁨

ولا تقتصر المشكلة على صواريخ باتريوت، إذ استُهلكت أيضًا مخزونات كبيرة من الأسلحة بعيدة المدى، من بينها منظومة ATACMS وصواريخ Precision Strike، وهي ذخائر تمثل عنصرًا مهمًا في الخطط الأميركية لأي مواجهة عسكرية محتملة مع الصين أو روسيا. ‎⁨

تحذيرات عسكرية من حرب طويلة

بحسب التقرير، كان رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين قد حذر الرئيس دونالد ترامب من مخاطر التوغل بصورة أكبر في المخزونات العسكرية المستنزفة، إلا أن الإدارة الأميركية انطلقت من تقدير بأن الحرب مع إيران ستكون قصيرة، قبل أن يمتد القتال لأكثر من خمسة أشهر من دون حسم. ‎⁨

وتكشف هذه التطورات عن مشكلة تتجاوز مجرد انخفاض عدد الصواريخ المتاحة، إذ يتعلق التحدي الأساسي بقدرة القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية على إنتاج الأسلحة المتطورة بالسرعة نفسها التي تُستهلك بها.

فالكثير من الصواريخ عالية الدقة يعتمد على سلاسل توريد معقدة ويحتاج إلى فترات طويلة للتصنيع، الأمر الذي يجعل تعويض آلاف الذخائر المستخدمة خلال حرب ممتدة عملية قد تستغرق سنوات، ويخلق فجوة بين معدل الاستهلاك ومعدل الإنتاج تهدد عناصر الردع التقليدي الأميركي. ‎⁨

أوكرانيا تدفع جزءًا من الثمن

تظهر التداعيات المباشرة للاستنزاف الأميركي بصورة واضحة في أوروبا، وخصوصًا في أوكرانيا، التي تعتمد بدرجة كبيرة على تدفق أنظمة وصواريخ الدفاع الجوي الغربية لمواجهة الهجمات الروسية.

وبحسب التقرير، تراجعت إمدادات صواريخ الدفاع الجوي الغربية إلى أوكرانيا إلى نحو ثلث مستويات عام 2025. وفي إحدى الهجمات الروسية الأخيرة، فشلت الدفاعات الأوكرانية في اعتراض 28 صاروخًا روسيًا، ما أدى إلى مقتل 17 شخصًا على الأقل. ‎⁨

ويرى محللون أن موسكو تتابع هذه التطورات عن كثب، ليس فقط من زاوية تأثيرها المباشر في الحرب الأوكرانية، وإنما باعتبارها اختبارًا لقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على التزامات عسكرية متزامنة في أكثر من مسرح عمليات.

وقد يدفع تراجع قدرة واشنطن على توفير الذخائر لحلفائها روسيا إلى إعادة تقييم موازين القوة وحدود الالتزام العسكري الأميركي، وربما إلى تبني خطوات أكثر جرأة إذا خلصت إلى أن الموارد الأميركية موزعة على عدد كبير من الجبهات. ‎⁨

الشرق الأوسط يسحب القوة الأميركية من آسيا

التداعيات الأكثر استراتيجية قد تظهر في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث يمثل احتواء الصين أحد أهم مرتكزات الاستراتيجية العسكرية الأميركية.

فالحرب مع إيران دفعت واشنطن، وفق التقرير، إلى سحب صواريخ توماهوك وأسلحة بعيدة المدى من القيادة الأميركية في المحيطين الهندي والهادئ، إلى جانب إعادة نشر مجموعة حاملة طائرات ومدمرات وأصول عسكرية أخرى باتجاه الشرق الأوسط. ‎⁨

ويثير ذلك مخاوف من أن يؤدي التركيز العسكري الأميركي على إيران إلى إضعاف مستوى الردع في شرق آسيا، خصوصًا في سيناريوهات مرتبطة بتايوان أو كوريا الشمالية.

ولا يتعلق القلق فقط بالصين، بل أيضًا بحسابات حلفاء الولايات المتحدة. فاليابان وكوريا الجنوبية تراقبان مدى قدرة واشنطن على الحفاظ على مظلتها الدفاعية التقليدية بينما تستنزف الحرب الإيرانية مخزوناتها.

ويحذر خبراء من أن تراجع الثقة بقدرة الولايات المتحدة على حماية حلفائها بوسائل غير نووية قد يعيد فتح النقاش في بعض الدول الآسيوية حول تطوير قدرات ردع نووي مستقلة، بما يحمل تداعيات واسعة على منظومة منع الانتشار النووي والتوازن الاستراتيجي في المنطقة. ‎⁨

ثلاث جبهات تضغط على واشنطن

تكشف أزمة الذخائر عن معضلة استراتيجية أوسع تواجه الولايات المتحدة، تتمثل في ضرورة إدارة ثلاثة التزامات عسكرية كبرى بصورة متزامنة: حرب مستمرة مع إيران، ودعم أوكرانيا في مواجهة روسيا، والمحافظة على قوة ردع كافية تجاه الصين في المحيط الهادئ. ‎⁨

وهذه المعضلة تجعل الحرب الإيرانية ذات تأثير يتجاوز الشرق الأوسط. فكل صاروخ اعتراضي أو سلاح بعيد المدى يُستهلك في مواجهة إيران هو ذخيرة تحتاج الولايات المتحدة إلى تعويضها إذا أرادت الحفاظ على مستويات المخزون المطلوبة لسيناريوهات الحرب المحتملة في أوروبا أو آسيا.

ومن هذه الزاوية، يرى محللون روس وأميركيون أن إطالة أمد الحرب مع إيران تصب موضوعيًا في مصلحة موسكو وبكين، لأنها تمنحهما وقتًا لإعادة تقييم ميزان القوة مع الولايات المتحدة والاستفادة من الفترة التي تحتاجها واشنطن لإعادة بناء مخزوناتها العسكرية. ‎⁨

البيت الأبيض ينفي وجود أزمة

في المقابل، يرفض البيت الأبيض والبنتاغون توصيف الوضع باعتباره أزمة ذخائر، ويتمسكان علنًا بأن القوات المسلحة الأميركية ما تزال قادرة على تنفيذ التزاماتها.

وبحسب التقرير، حمّل ترامب إدارة الرئيس السابق جو بايدن مسؤولية أي نقص في المخزونات، في الوقت الذي أبدت فيه الإدارة انزعاجًا من تسريب المعلومات المتعلقة بمستويات الذخائر، وأمر الرئيس بملاحقة المسؤولين عن تسريب معلومات عسكرية حساسة. ‎⁨

لكن المشكلة الأساسية تبدو أعمق من الخلاف السياسي الداخلي. فاستمرار الاستهلاك بالمعدلات الحالية، مقابل بطء إنتاج الصواريخ والذخائر المتقدمة، يعني أن إعادة بناء المخزون الأميركي لن تكون عملية سريعة.

وبذلك تتحول حرب إيران تدريجيًا من مواجهة إقليمية إلى اختبار لقدرة الولايات المتحدة على خوض أو دعم صراعات متزامنة في الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا. وإذا استمرت الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج، فإن آثارها قد تمتد إلى ما بعد ولاية ترامب نفسها، وتنعكس على قدرة واشنطن على الحفاظ على الردع العسكري في أكثر من مسرح جغرافي خلال السنوات المقبلة. ‎⁨