أخبار

فايننشال تايمز: تراجع واشنطن عن دعم الديمقراطية يُطلق "ربيعاً للطغاة"

ويُرسّخ قاعدة "كل رجل لنفسه"

فايننشال تايمز: تراجع واشنطن عن دعم الديمقراطية يُطلق "ربيعاً للطغاة"

واشنطن: يرى أليك راسل، محرر الشؤون الخارجية في صحيفة فايننشال تايمز (Financial Times)، أن العالم يدخل مرحلة تتراجع فيها القيود السياسية والأخلاقية التي كانت تفرضها الولايات المتحدة وحلفاؤها، ولو بصورة انتقائية، على الأنظمة السلطوية، فيما تتقدم قاعدة مختلفة للعلاقات الدولية يمكن اختصارها بعبارة: «كل رجل لنفسه». ويجادل راسل بأن تخلي واشنطن عن دورها التقليدي في دعم الديمقراطية والمعارضات ووسائل الإعلام حول العالم أطلق ما يشبه «ربيعًا للطغاة»، ومنح أنظمة استبدادية مساحة أوسع للتحرك من دون خشية حتى من التوبيخ الدبلوماسي الأميركي.

ويستعيد راسل في مقاله تجربة جمعته بالأمين العام الراحل للأمم المتحدة كوفي أنان قبل نحو 15 عامًا في تنزانيا. كان أنان، وفق الكاتب، يرفض الحجج التي ترى في الحكم الاستبدادي حلًا لمشكلات الدول الضعيفة والمضطربة، مؤكدًا أن الأنظمة السلطوية «مبنية على الرمال»، وأن الحكم الرشيد المستدام هو الطريق الحقيقي لبناء الدول.

آنذاك، بدت أجزاء واسعة من العالم النامي وكأنها تتجه، ولو ببطء، نحو انفتاح سياسي أكبر. أما اليوم، فيرى الكاتب أن المشهد انقلب بصورة لافتة. فالاستبداد يتصاعد منذ أكثر من عقد في قوى كبرى مثل الصين وروسيا، وفي قوى وسطى تمتد من تركيا ودول الخليج إلى الهند، وصولًا إلى إندونيسيا. غير أن التطور الأهم، بحسب راسل، يتمثل في تراجع الولايات المتحدة نفسها عن الدفاع عن الديمقراطية بوصفها عنصرًا من عناصر سياستها الخارجية.

من تنزانيا إلى زيمبابوي

يقدم الكاتب تنزانيا مثالًا على التحول الجاري. فقد علّقت السلطات هناك صحيفة بسبب تغطيتها توترات محتملة داخل الحكومة، في إجراء يرى أنه كان سيستدعي، قبل عقد، ضغوطًا من المانحين الغربيين، لكنه مر هذه المرة من دون رد فعل يُذكر. وبالنسبة إلى راسل، لا تكمن أهمية الحادثة في تنزانيا وحدها، بل في الرسالة الأوسع التي تصل إلى الحكومات السلطوية: تكلفة قمع الإعلام والمعارضة أصبحت أقل مما كانت عليه في السابق.

ويظهر التحول بصورة أوضح في زيمبابوي. فبحسب المقال، مرّر حلفاء الرئيس إيمرسون منانغاغوا قانونًا يمدد ولايته في خرق للدستور من دون صدور احتجاج أميركي، بينما انشغلت بريطانيا وفرنسا بملف إعفاء ديون البلاد من دون التركيز على مسألة الاستحواذ على السلطة. ويرى الكاتب في ذلك نموذجًا للبيئة الدولية الجديدة التي تستطيع فيها أنظمة أضعف، وليس القوى الكبرى فقط، اختبار حدود سلطتها الداخلية من دون الخشية من رد فعل خارجي جدي.

أميركا لم تكن مثالية.. لكنها كانت مؤثرة

لا يتجاهل راسل الاعتراض القائل إن الولايات المتحدة لم تكن يومًا نموذجًا ثابتًا في الدفاع عن الديمقراطية. ويشير إلى أن السياسة الأميركية عرفت تاريخيًا ازدواجية واضحة في المعايير، مستشهدًا بعلاقة واشنطن مع دكتاتور زائير السابق موبوتو سيسي سيكو، الذي حظي بدعم رؤساء أميركيين خلال الحرب الباردة باعتباره حليفًا مناهضًا للاتحاد السوفياتي رغم الفساد الذي ارتبط بنظامه.

ويستحضر في السياق نفسه توصيف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة والقائم على القواعد بأنه «خيال لطيف»، وهو انتقاد وجد صدى خصوصًا في دول الجنوب العالمي التي عانت طويلًا من ازدواجية المعايير الغربية.

لكن راسل يرى أن هذه الصورة لا تروي القصة كاملة. فبعد عام 1945، قدمت وزارة الخارجية الأميركية ومؤسساتها دعمًا لأحزاب معارضة ووسائل إعلام كانت تعمل في بيئات سياسية مغلقة. ويستعيد الكاتب مثال إذاعة «صوت أميركا»، التي كان صحفيوها، بحسب تجربته في أنغولا مطلع التسعينيات، يحظون بمكانة استثنائية بسبب تأثير بثهم في المجتمعات الخاضعة لأنظمة الحزب الواحد.

نهاية القوة الناعمة؟

يعتبر الكاتب أن إغلاق إدارة ترامب «صوت أميركا» وتراجع قضية نشر الديمقراطية على سلم الأولويات الأميركية يمثلان أكثر من مجرد خفض للإنفاق. فالتوفير المالي الناتج عن تقليص أدوات «القوة الناعمة»، في تقديره، ضئيل مقارنة بما يتركه من آثار في المعارضات ووسائل الإعلام والمجتمعات المدنية التي اعتمدت لعقود على أشكال مختلفة من الدعم الغربي.

والمشكلة، من وجهة نظره، لا تتوقف عند خسارة تلك القوى المحلية لمصدر دعمها، بل تمتد إلى المنافسة الدولية نفسها. إذ يرى أن بكين تتحرك لملء الفراغ الذي يتركه الانسحاب الأميركي في مجال النفوذ والقوة الناعمة. ومن ثم فإن السياسة التي تبدو في واشنطن وسيلة لتوفير الأموال أو التخلص من التزامات خارجية مكلفة قد تنتهي إلى تقليص النفوذ الأميركي نفسه.

من «النظام القائم على القواعد» إلى «قانون الغاب»

ينقل راسل النقاش من مصير الديمقراطية إلى طبيعة النظام الدولي الآخذ في التشكل. ويستعيد التعبير الشائع عن «قانون الغاب»، لكنه يشير إلى أن استخدامه الحالي يختلف عن المعنى الأصلي الذي صاغه روديارد كيبلينغ، حيث كان المقصود إبراز قوة التعاون داخل القطيع: «قوة القطيع هي الذئب، وقوة الذئب هي القطيع».

ويربط الكاتب هذه الفكرة بدعوة مارك كارني «القوى الوسطى» إلى التعاون من أجل إبقاء التعددية الدولية حية، من خلال صيغ أكثر مرونة، مثل «التعددية الجزئية» القائمة على ائتلافات مخصصة للتعامل مع قضايا محددة، و«المرونة التعددية».

لكن راسل يرى أن الاتجاه الغالب عالميًا لا يسير حتى الآن نحو هذا النوع من التعاون. فالشعار العملي للمرحلة يبدو أقرب إلى «كل رجل لنفسه»: عالم تسعى فيه الدول إلى تحقيق أهدافها بقدر أقل من القيود، مستفيدة من ضعف آليات المحاسبة الدولية وتراجع قدرة القوى الكبرى أو رغبتها في فرض قواعد مشتركة.

ويستشهد في هذا السياق بالحرب في السودان، مشيرًا إلى حديث مسؤولين أمميين عن نحو عشر دول تغذي الصراع، بينما تتصرف، بحسب توصيفه، بشعور واسع بالإفلات من العقاب. ويصبح السودان، وفق هذه القراءة، مثالًا أكثر اتساعًا على ما يحدث عندما تتراجع القواعد من دون أن يحل محلها نظام دولي جديد قادر على فرض الانضباط.

واقعية جديدة بثمن مرتفع

يقر راسل بأن مؤيدي الانكفاء الأميركي يمتلكون حجة لا يمكن تجاهلها: العالم تغير، وعودة واشنطن إلى سياسة أكثر «واقعية» قد تكون تصحيحًا متأخرًا لمرحلة بالغت خلالها الولايات المتحدة في الاعتقاد بقدرتها على إعادة تشكيل المجتمعات والدول وفق رؤيتها.

لكنه يرى أن هذا التفسير صحيح جزئيًا فقط. فالتخلي عن السياسات الأميركية السابقة لا يعني إنهاء ازدواجية المعايير فحسب، بل قد يؤدي أيضًا إلى إنهاء منظومة من الضغوط والحوافز والدعم كانت، رغم عيوبها، تمنح المعارضات ووسائل الإعلام والمجتمعات المدنية مساحة للحركة في عدد كبير من الدول.

وهنا تكمن المفارقة التي يطرحها المقال: قد تنجح الولايات المتحدة في تقليص تكاليف التزاماتها الخارجية، لكنها في المقابل تخسر جزءًا من قدرتها على التأثير في شكل النظام الدولي الذي سيحل محل النظام القديم. وبينما تتقدم الصين لملء جانب من فراغ القوة الناعمة، تتحرك حكومات سلطوية بجرأة أكبر، وتتراجع قدرة المؤسسات الدولية على فرض المحاسبة، يصبح العالم أقل خضوعًا لقواعد مشتركة وأكثر اعتمادًا على موازين القوة والمصالح المباشرة.

وفي المحصلة، لا يرى راسل أن النظام الدولي الجديد قد استقر على صيغة واضحة بعد. فما يتشكل ليس نظامًا بديلًا متماسكًا بقدر ما هو تفكك تدريجي للقيود التي حكمت المرحلة السابقة. وبين دعوات «القوى الوسطى» إلى بناء أشكال جديدة من التعاون والتعددية، وتصاعد سياسات القوة والانكفاء الوطني، تبدو القاعدة الأكثر حضورًا في المرحلة الراهنة، وفق توصيف الكاتب، هي: «كل رجل لنفسه».