أدميرال أمريكي سابق: غموض «نظرية النصر» يطيل حرب إيران ويبقي هرمز رهينة الأزمة
واشنطن: يرى نائب الأدميرال الأمريكي المتقاعد جون و. ميلر، القائد السابق للقوات البحرية الأمريكية المركزية والأسطول الخامس، أن المشكلة الأساسية التي تواجهها واشنطن في حربها مع إيران لم تعد مرتبطة بقدرتها على إلحاق أضرار عسكرية كبيرة بطهران، بقدر ما تكمن في غياب تعريف واضح لما يعنيه «النصر» وكيف يمكن تحويل التفوق العسكري إلى نهاية سياسية واستراتيجية مستدامة للصراع.
وفي تحليل نشره معهد دول الخليج العربية في واشنطن (AGSI) في 19 أغسطس/آب 2026، يقيّم ميلر مسار الحرب منذ انطلاق عملية «الغضب الملحمي» في 28 فبراير/شباط، مروراً بوقف إطلاق النار في أبريل/نيسان، وصولاً إلى الأشهر التالية من المفاوضات المتعثرة. ويجادل بأن الغموض المستمر بشأن «نظرية النصر» الأمريكية منح إيران فرصة للصمود واستغلال حالة عدم اليقين، رغم الخسائر العسكرية الواسعة التي تعرضت لها.
أهداف عسكرية واضحة.. ونهاية غامضة
يستعيد ميلر الأهداف التي أعلنها وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث في الأيام الأولى للعملية، والتي تمثلت في تدمير الصواريخ الهجومية الإيرانية وقدرات إنتاجها، وتدمير البحرية والبنية الأمنية الإيرانية، وضمان ألا تمتلك طهران أسلحة نووية. وبدأت الحملة، بحسب التحليل، بضربات استهدفت أكبر عدد ممكن من قيادات النظام بهدف شل مراكز صنع القرار الرئيسية.
وبحلول وقف إطلاق النار في أبريل/نيسان، كانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد ضربتا، وفق الأرقام التي يوردها ميلر، نحو 24 ألف هدف تابع للنظام الإيراني، شملت مراكز القيادة والسيطرة، والبنية الدفاعية، والدفاعات الجوية، والأهداف البحرية، إضافة إلى أهداف قيادية.
لكن هذا الحجم من القوة لم يُترجم، بحسب ميلر، إلى نهاية واضحة للحرب. وينتقد الأدميرال السابق عجز إدارة الرئيس دونالد ترامب عن التعبير بصورة مستمرة ومحددة عن «نظرية النصر» التي تحكم عملياتها. فحتى إذا أمكن اعتبار منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وتقليص برنامجها الصاروخي، وتحييد وكلائها أهدافاً تصلح نظرياً لتعريف نهاية الحرب، فإن عدم صياغتها ضمن استراتيجية واضحة أربك الرأي العام الأمريكي والحلفاء ودول الخليج الواقعة في قلب الصراع، ومنح طهران مساحة لاستغلال الالتباس الأمريكي.
إيران خسرت الكثير لكنها احتفظت بأداة الضغط
تكمن إحدى أبرز مفارقات الحرب، وفق التحليل، في قدرة إيران على مواصلة الرد رغم الخسائر الواسعة التي أصابت بنيتها العسكرية التقليدية. ويذكر ميلر أن طهران أطلقت خلال الشهر الأول من الصراع نحو 4,295 طائرة مسيّرة و1,840 صاروخاً باليستياً و37 صاروخ كروز، مستهدفة قواعد تضم أصولاً عسكرية أمريكية، إلى جانب بنى تحتية مدنية في دول مجاورة، من بينها منازل ومطارات ومحطات تحلية ومنشآت نفطية.
وتزامن ذلك مع إعلان إيران إغلاق مضيق هرمز ومهاجمة السفن المدنية العابرة، ما أدى إلى احتجاز آلاف البحارة داخل الخليج.
ويخلص ميلر إلى أن إيران خرجت من خمسة أسابيع من القصف المكثف وقد فقدت بحريتها التقليدية وسلاحها الجوي ومنظومات دفاعها الجوي وطبقات من كبار قياداتها، لكنها بقيت قادرة على تهديد الملاحة في المضيق وضرب دول الجوار. ومن هنا يرى أن الصورة التكتيكية قد تبدو في مصلحة واشنطن وتل أبيب، لكن الوضع الاستراتيجي يميل لصالح إيران بعد مرور أشهر على وقف إطلاق النار، لأنها احتفظت بالأداة الأهم التي تمكنها من ممارسة الضغط على خصومها.
هرمز ومعضلة الاقتصاد العالمي
يضع التحليل مضيق هرمز في قلب تعريف أي نهاية مقبولة للحرب. فبحسب ميلر، تعمل الملاحة الخليجية حالياً عند نحو عُشر مستواها السابق للحرب، بينما تجد دول الخليج صعوبة في الانتقال بصورة كاملة إلى إعادة الإعمار وتأمين أراضيها، وهو وضع يعتبره غير قابل للاستمرار بالنسبة للاقتصاد العالمي.
وفي المقابل، فرضت الولايات المتحدة بعد وقف إطلاق النار في أبريل/نيسان حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية يستهدف، وفق مسؤولي الإدارة الذين يستشهد بهم ميلر، أكثر من 80 في المئة من التجارة الدولية الإيرانية التي تمر بحراً. لكن الاعتماد على الضغط الاقتصادي وحده يعني انتظار فترة طويلة حتى يصل النظام الإيراني إلى مرحلة الاستسلام، ما يجعل من الضروري التحرك في مسارات أخرى بالتوازي.
ثلاثة مسارات لإنهاء الحرب
يقترح ميلر استراتيجية تقوم على ثلاثة مسارات متزامنة: عسكري واقتصادي ودبلوماسي.
المسار الأول يبدأ بتحديد الإدارة الأمريكية بصورة صريحة معنى «النصر»، بما يسمح لها بكسب تأييد الرأي العام الأمريكي وحشد الحلفاء المحتملين.
أما المسار الثاني فيتمثل في استمرار الضغط العسكري وتحميل إيران كلفة أي محاولة متجددة لاستهداف مضيق هرمز أو دول الجوار، إلى أن يُعاد فتح المضيق وتأمين المواد النووية الإيرانية.
ويتعلق المسار الثالث باستمرار الضغط الاقتصادي عبر الحصار والعقوبات، ولكن بالتزامن مع المسارين العسكري والدبلوماسي، وليس بوصفه بديلاً عنهما. وينتقد ميلر في هذا السياق تأرجح الإدارة الأمريكية منذ بداية الحرب بين استخدام القوة والعمل الدبلوماسي، وكأن اللجوء إلى أحدهما يستوجب تعطيل الآخر.
حرية الملاحة خط أحمر
يعتبر ميلر أن العودة إلى مضيق هرمز «حر ومفتوح» ليست مسألة قابلة للتفاوض في أي تسوية نهائية. ويرى أن إخفاق الولايات المتحدة في تحقيق هذا الهدف ستكون له تداعيات تتجاوز الخليج، لأنه سيضعف قدرتها على الدفاع عن مبدأ حرية الملاحة الذي شكل أحد مرتكزات دورها الدولي.
ويذهب التحليل إلى أبعد من الشرق الأوسط، رابطاً ما يجري في هرمز بالتنافس الأمريكي-الصيني. فالصين، التي تطالب بمناطق واسعة من بحر الصين الجنوبي باعتبارها أراضي تاريخية، تراقب ما إذا كانت واشنطن مستعدة بالفعل للدفاع عن النظام الدولي وحرية الملاحة عندما تتعرض هذه المبادئ لاختبار فعلي. وبالتالي، فإن نتيجة المواجهة في هرمز قد تتحول إلى رسالة استراتيجية تتلقاها بكين بشأن حدود الإرادة الأمريكية في ساحات أخرى.
الحلقة الدبلوماسية المفقودة
إلى جانب المسارين العسكري والاقتصادي، ينتقد ميلر ما يعتبره غياباً شبه كامل للتواصل الدبلوماسي الأمريكي مع الحلفاء والمجتمع الدولي والأمم المتحدة. ويرى أن هذا الفراغ أتاح لطهران تصوير الحرب باعتبارها جهداً منفرداً تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل، بدلاً من تقديمها كتحرك دولي للدفاع عن حرية الملاحة ومنع الانتشار النووي.
ويشير إلى أن القيادة الأمريكية حققت تاريخياً نتائج أفضل عندما نجحت في إشراك المجتمع الدولي واستقطاب شركاء حول قضية مشتركة، ولذلك يدعو إلى جعل الدبلوماسية عنصراً ثالثاً أساسياً إلى جانب الضغطين العسكري والاقتصادي، بما يسمح بإنهاء الصراع على نحو يعيد الاستقرار الإقليمي ويكرس مجدداً قواعد حرية الملاحة.
معضلة النصر: التفوق العسكري لا يكفي
تتمثل الخلاصة المركزية لتحليل ميلر في أن تدمير قدرات الخصم لا يعني بالضرورة تحقيق النصر الاستراتيجي. فقد تمكنت الولايات المتحدة وإسرائيل من إلحاق خسائر هائلة بالقدرات العسكرية التقليدية الإيرانية، لكن طهران احتفظت بقدرات غير متماثلة، خصوصاً الصواريخ والمسيّرات والقدرة على تعطيل الملاحة، مكّنتها من مواصلة فرض كلفة مباشرة على الولايات المتحدة ودول المنطقة.
وبذلك تصبح المشكلة، في رؤية ميلر، الفجوة بين النجاح التكتيكي والنتيجة الاستراتيجية: واشنطن قادرة على تدمير آلاف الأهداف، لكن هذا التفوق لا يحقق غايته ما لم يكن مرتبطاً بتصور محدد لنهاية الحرب وبمسار سياسي ودبلوماسي قادر على تثبيت نتائجها.
ومن هنا تأتي دعوته إلى الانتقال من إدارة الحرب بأدوات منفصلة إلى استراتيجية متزامنة تجمع القوة العسكرية والضغط الاقتصادي والتحرك الدبلوماسي. فاستعادة حرية الملاحة في هرمز لا تمثل، وفق هذا التصور، هدفاً خليجياً أو إقليمياً فحسب، وإنما اختباراً أوسع لمصداقية الردع الأمريكي وقدرة واشنطن على الدفاع عن النظام الدولي الذي تقوده، سواء في الشرق الأوسط أو في ساحات استراتيجية أخرى مثل بحر الصين الجنوبي.