أخبار

المياه والغاز يدخلان معادلة الضغط السياسي.. هل تعيد إسرائيل تشكيل "السلام البارد" مع الأردن ومصر؟

المياه والغاز يدخلان معادلة الضغط السياسي.. هل تعيد إسرائيل تشكيل "السلام البارد" مع الأردن ومصر؟

عواصم: تشهد العلاقات بين إسرائيل وكل من الأردن ومصر تحولًا في طبيعة استخدام الموارد الاستراتيجية، بعدما انتقلت المياه والغاز من أدوات لتعزيز التعاون الإقليمي إلى وسائل ضغط سياسي، في تطور قد يدفع البلدين العربيين إلى تسريع خطط تقليل الاعتماد على إسرائيل بدلًا من ترسيخ نموذج “السلام البارد”، وفق تحليل نشره المعهد الملكي المتحد للخدمات الأمنية (RUSI) في لندن.

ويشير التقرير، الذي أعده الباحثان Urban Coningham وAlaa Zoubi، إلى أن التحولات الأخيرة تعكس تغيرًا في فلسفة إدارة العلاقات الإقليمية، إذ أصبحت الموارد الحيوية تُستخدم بصورة متزايدة كورقة نفوذ سياسي، الأمر الذي قد يؤدي إلى نتائج معاكسة للأهداف الإسرائيلية على المدى البعيد. ‎⁨

أزمة المياه مع الأردن

وبحسب التقرير، أعلنت وسائل إعلام أردنية في يوليو 2026 أن إسرائيل قررت عدم تجديد الاتفاق الموقع عام 2021، برعاية أمريكية، والذي يقضي بتزويد الأردن بـ50 مليون متر مكعب إضافية من المياه سنويًا، إلى جانب الكمية المنصوص عليها في معاهدة السلام الموقعة عام 1994. ‎⁨

ويلفت الباحثان إلى أن تقارير إعلامية تحدثت عن ربط تجديد الاتفاق باستعادة مستوى أعلى من العلاقات الدبلوماسية مع الأردن وتخفيف الانتقادات الأردنية لإسرائيل بشأن الحرب في غزة، مع التأكيد على أن هذه الشروط لم تؤكدها رسميًا أي من الحكومتين. ‎⁨

ويؤكد التقرير أن الأردن يعد من أكثر دول العالم معاناة من شح المياه، إذ يبلغ نصيب الفرد نحو 61 مترًا مكعبًا فقط سنويًا، وهو أقل بكثير من معيار “الندرة المطلقة” المعتمد دوليًا والبالغ 500 متر مكعب، بينما تتعرض معظم أحواضه الجوفية للاستنزاف بوتيرة تفوق قدرتها على التجدد. ‎⁨

ويرى الباحثان أن استخدام المياه كورقة ضغط يتجاهل حساسية الوضع الداخلي الأردني، في ظل استضافة المملكة ملايين الفلسطينيين، وقيام الملك عبدالله الثاني بدور الوصاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وهو ما يجعل أي تقارب سياسي معلن مع إسرائيل شديد الحساسية داخليًا. ‎⁨

تعاون أمني مستمر رغم الخلافات

ورغم التوتر السياسي، يشير التقرير إلى أن الأردن لا يزال شريكًا أمنيًا مهمًا لإسرائيل، وشارك في اعتراض مقذوفات إيرانية عبرت أجواءه خلال هجمات أبريل 2024 ضمن جهد دفاعي متعدد الجنسيات، ما يعكس استمرار التعاون الأمني حتى مع تصاعد الخلافات السياسية. ‎⁨

كما يرى الباحثان أن سياسة الضغط الحالية دفعت الأردن إلى تسريع تنفيذ مشروع الناقل المائي الوطني (العقبة–عمان) لتحلية المياه، بما يقلل تدريجيًا من أهمية المياه الإسرائيلية بالنسبة للمملكة مستقبلًا. ‎⁨

مصر.. تنويع مصادر الطاقة

أما بالنسبة لمصر، فيوضح التقرير أن القاهرة تواصل استيراد الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق طويل الأمد مع شركاء حقل “ليفياثان”، يقضي بتوريد نحو 130 مليار متر مكعب حتى عام 2040، بقيمة تقديرية تصل إلى 35 مليار دولار. ‎⁨

غير أن الباحثين يشيران إلى أن مصر تعمل بالتوازي على تنويع مصادر الطاقة، عبر زيادة عمليات التنقيب والإنتاج المحلي، والاحتفاظ بمسارات إمداد متعددة، بهدف تجنب الاعتماد على مورد واحد، مستفيدة من حجم اقتصادها وبنيتها التحتية وقدراتها الإنتاجية الأكبر مقارنة بالأردن. ‎⁨

ويخلص التقرير إلى أن الاعتماد على الموارد قد يمنح إسرائيل نفوذًا سياسيًا في المدى القصير، لكنه يشجع في المقابل الدول المجاورة على الاستثمار في بدائل تقلل من هذا الاعتماد، ما يؤدي في النهاية إلى تراجع فعالية أدوات الضغط نفسها. ‎⁨

ويرى الباحثان أن ما يجري لا يعني انهيار اتفاقيات السلام بين إسرائيل وكل من الأردن ومصر، بل يعكس إعادة صياغة مفهوم “السلام البارد”، بحيث تصبح الاعتبارات المتعلقة بالأمن الوطني والمرونة الاقتصادية وتقليل التبعية هي المحدد الرئيسي لاستمرار التعاون، بدلًا من الرهان على تعميق الترابط الاقتصادي وحده. ‎⁨

ويختتم الباحثان بدعوة الحكومات الأوروبية، ولا سيما المملكة المتحدة، إلى دعم مشاريع البنية التحتية المشتركة في مجالي المياه والطاقة، بما يحافظ على قنوات التعاون الإقليمي ويحول دون تحول الموارد الحيوية إلى أدوات للإكراه السياسي. ‎⁨