إيران ما بعد الحرب: من الصمود إلى محاولة إعادة صياغة ميزان القوى في الخليج
طهران: تبدو إيران، بعد أشهر من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، أكثر طموحًا في تحديد موقعها الإقليمي وشروط علاقتها مع واشنطن ودول الخليج، وفق قراءة يقدمها البروفيسور فالي نصر، أستاذ العلاقات الدولية في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز ومؤلف كتاب «استراتيجية إيران الكبرى». ففي حلقة من بودكاست The Rachman Review التابع لصحيفة فايننشال تايمز، بثت في 13 أغسطس 2026 وأدارها جدعون راخمان، يرى نصر أن طهران لا تتعامل مع نتائج الحرب باعتبارها مجرد نجاح في البقاء، بل بوصفها فرصة لإحداث تحول طويل الأمد في ميزان القوى الإقليمي.
وبحسب نصر، لم تتغير الغاية الأساسية للاستراتيجية الإيرانية بصورة جوهرية منذ اندلاع الحرب؛ إذ لا تزال طهران تسعى إلى دفع الولايات المتحدة بعيدًا عن حدودها وتعديل ميزان القوى معها. لكن التغيير الأهم، في تقديره، يتعلق بأسلوب القيادة الإيرانية الجديدة في السعي لتحقيق هذه الأهداف، بعدما خلصت إلى أن قدرتها على تحمل الضربات العسكرية منحتها مساحة أوسع لرفع سقف مطالبها.
ويرى نصر أن الإنجاز الاستراتيجي الأبرز لإيران تمثل في إثبات أن القوة العسكرية الأمريكية، رغم اغتيال قيادات إيرانية واستهداف البرنامج الصاروخي، لم تتمكن من إخضاعها. وفي قراءته، أضعف ذلك فاعلية إحدى أهم أدوات الضغط التي امتلكتها واشنطن تاريخيًا تجاه طهران. وفي الوقت نفسه، اكتشفت إيران أن قدرتها على التحكم بمضيق هرمز يمكن أن توفر لها ورقة ضغط أكثر تأثيرًا من برنامجها النووي في انتزاع تنازلات سياسية واقتصادية.
ومن هنا، لم تعد مطالب طهران، وفق نصر، تقتصر على وقف الحرب أو ضمان بقاء النظام، وإنما باتت تتحرك في مسارين متوازيين: إنهاء الاحتواء العسكري وإنهاء الاحتواء الاقتصادي. ويشمل الأول انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة والحصول على ضمانات بعدم شن حرب جديدة أو استهداف القيادة الإيرانية، فيما يشمل الثاني تعويضات الحرب، وتحرير الأصول المجمدة، ورفع العقوبات، إلى جانب فرض رسوم على حركة الشحن عبر مضيق هرمز يمكن أن تحقق عائدات تقارب 40 مليار دولار سنويًا.
ويقر نصر بأن إيران ربما تكون قد رفعت سقف مطالبها إلى مستوى ينطوي على مخاطرة كبيرة، لكنه يعتقد أن القيادة الإيرانية تتصرف وفق منطق «الآن أو أبدًا». فمن وجهة نظر طهران، قد لا تتكرر الظروف التي تتيح لها تحويل نتائج الحرب إلى مكاسب استراتيجية، ولذلك ترى أن المطالبة بأقصى ما تستطيع تحقيقه قد تكون مجدية حتى إذا انتهت بالحصول على جزء فقط من هذه المطالب.
حرب لم تنتهِ استراتيجيًا
لا يتوقع نصر أن يؤدي الوضع الحالي إلى استقرار سريع، بل يرجح استعداد إيران لمواجهة طويلة ومتقطعة. فطهران، في تقديره، تدرك أن الولايات المتحدة وإسرائيل لن تتقبلا بسهولة التحول في ميزان القوى، وقد تعودان إلى التصعيد مستقبلًا.
وتكمن المشكلة الأساسية، وفق هذا التصور، في اختلاف تعريف الأطراف لطبيعة المرحلة الراهنة. ففي حين تنظر واشنطن وأوروبا إلى الحرب باعتبارها مرحلة استثنائية يمكن بعدها العودة تدريجيًا إلى الوضع السابق، تتعامل طهران معها باعتبارها نقطة تحول أفضت إلى تغيير دائم في البيئة الاستراتيجية للمنطقة.
ويبرز الخليج في قلب هذه الاستراتيجية. فبحسب نصر، تعمل إيران على إقناع الملكيات الخليجية بأن الوجود العسكري الأمريكي لم يعد ضمانة كافية للأمن، بل قد يتحول إلى عامل يجلب إليها الحروب التي تريد تجنبها. ويعتقد أن ذلك قد يدفع بعض دول الخليج إلى الحفاظ على علاقاتها الأمنية الوثيقة بواشنطن، فيما تتجه أخرى إلى تنويع شراكاتها مع قوى مثل تركيا وباكستان والصين وروسيا، أو إسرائيل، بما يؤدي إلى تفكيك الجبهة العربية الموحدة التي واجهت إيران تاريخيًا.
وفي هذا السياق، يتوقف نصر عند اتفاقية الدفاع الثلاثية بين السعودية وتركيا وباكستان. فهو لا يعتبرها في وضعها الراهن تحالفًا عسكريًا تشغيليًا حقيقيًا، لكنه يراها مؤشرًا مهمًا على تزايد الشكوك العربية في موثوقية الضمان الأمني الأمريكي. كما يضعها في سياق إقليمي أوسع يشمل التقارب الإماراتي مع إسرائيل، والخلافات السعودية الإماراتية، واتساع الحضور الإسرائيلي في المنطقة، وهي عوامل تدفع تركيا وباكستان بدورهما إلى مراقبة التحولات الإقليمية بحذر أكبر.
الخليج في قلب الطموح الإيراني
يذهب نصر أبعد من ذلك في توصيف التحول الإيراني، معتبرًا أن طهران تشعر اليوم بدرجة غير مسبوقة منذ عقود من الثقة بقدرتها على التأثير في أمن الخليج. وبرأيه، لم تعد إيران «شرطي الخليج» بالمعنى الذي ارتبط بعهد الشاه، لكنها باتت تمتلك مستوى مرتفعًا من السيطرة الفعلية على مضيق هرمز، وتتعامل معه كما لو كان مجال نفوذ مباشرًا تستطيع من خلاله تحديد شروط المرور وكلفته.
ولا تتوقف الطموحات الإيرانية، وفق هذه القراءة، عند الخليج. فطهران تسعى إلى مد نفوذها باتجاه البحر الأحمر مستفيدة من الحوثيين، ومن قدراتها الصاروخية بعيدة المدى، وشبكة نفوذها في العراق، الأمر الذي يمنحها قدرة على التأثير في أكثر من ممر بحري استراتيجي. ويرى نصر أن الولايات المتحدة لا تمتلك حاليًا خطة واضحة لإعادة هذا النفوذ إلى مستوياته السابقة، فيما قد تفضل بعض دول الخليج محاولة تنظيم القوة الإيرانية عبر ترتيبات واتفاقات ثنائية بدل الدخول في مواجهة مفتوحة معها.
إسرائيل أمام معضلة استراتيجية
على الجانب الإسرائيلي، يقدم نصر تقييمًا شديد الوضوح لنتائج الحربين اللتين خاضتهما إسرائيل ضد إيران في يونيو 2025 وفبراير 2026، إذ يصفهما بأنهما شكلتا هزيمة استراتيجية لإسرائيل، بعدما فشلتا، بحسب رأيه، في إسقاط الجمهورية الإسلامية أو إضعافها بالمستوى الذي كانت تتوقعه تل أبيب.
ويعتبر أن إسرائيل تعاملت مع إيران على أساس أن النظام أصبح ضعيفًا بعد إضعاف حماس وحزب الله والنظام السوري، لكن نتيجة المواجهة جاءت مختلفة؛ إذ خرجت إيران، وفق تقييمه، في موقع أقوى مما كانت عليه قبل الحربين، بينما أصبحت الولايات المتحدة أضعف نسبيًا. كما يرى أن الخيار العسكري، الذي شكل تاريخيًا الأداة الإسرائيلية المفضلة في التعامل مع التهديد الإيراني، بات أكثر صعوبة في المدى المنظور.
ولا يعني ذلك اقتراب الطرفين من تسوية. على العكس، يتوقع نصر دخول المنطقة مرحلة ممتدة من التنافس والعداء بين قوتين إقليميتين كبيرتين تنظر كل منهما إلى الأخرى بمنطق صفري. فإسرائيل تريد زوال الجمهورية الإسلامية، فيما تريد إيران زوال إسرائيل، وهو ما يجعل فرص التعايش أو الوصول إلى استقرار إقليمي مستدام محدودة في المدى القصير.
وفي المحصلة، ترسم قراءة فالي نصر صورة لإيران انتقلت، في تصور قيادتها، من مرحلة الدفاع عن بقاء النظام إلى محاولة تحويل نتائج الحرب إلى إعادة صياغة للبيئة الاستراتيجية المحيطة بها. وإذا صح هذا التقدير، فإن التحدي الرئيسي في المرحلة المقبلة لن يكون فقط منع اندلاع جولة عسكرية جديدة، بل تحديد ما إذا كان ميزان القوى الذي نشأ بعد الحرب قابلًا للاستمرار، وما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج ستقبل بالتكيف معه أم ستسعى إلى تغييره مجددًا.
وتظل هذه القراءة في جوهرها تقييمًا تحليليًا واستشرافيًا لفالي نصر وليست تقريرًا لوقائع محسومة؛ فالمادة الأصلية عبارة عن حوار بودكاست، وبعض استنتاجاتها، بما فيها مستقبل الوجود الأمريكي في الخليج ومآلات الصراع الإيراني الإسرائيلي، تظل سيناريوهات وتوقعات مرتبطة بنزاع لا يزال متطورًا.