خامنئي يعيد رسم قمة القيادة العسكرية والأمنية في إيران وسط استمرار الحرب
طهران: أعاد المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي تشكيل قمة الهرم العسكري والأمني في إيران عبر سلسلة من التعيينات وإعادة الهيكلة، شملت دمج أعلى مرجعيتين عسكريتين في البلاد، وتثبيت ست قيادات عليا، بالتوازي مع تعيين محسن رضائي أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي.
وتأتي هذه التحركات في وقت تخوض فيه إيران حربًا مع الولايات المتحدة وإسرائيل، خلّفت خسائر كبيرة في صفوف قياداتها العسكرية والأمنية، وأوجدت فراغات في مواقع حساسة داخل أجهزة الاستخبارات ووزارتي الدفاع والاستخبارات.
وبحسب تقرير أعده MENA Intel Brief ونُشر في 11 أغسطس/آب 2026، فإن إعادة الهيكلة الجديدة تبدو محاولة لبناء قيادة أكثر تماسكًا في زمن الحرب، عبر توحيد التخطيط الاستراتيجي والقيادة العملياتية وتثبيت شخصيات تمتلك خبرة طويلة داخل المنظومة العسكرية والأمنية الإيرانية.
دمج الأركان مع مقر خاتم الأنبياء
أبرز التغييرات تمثل في قرار خامنئي استكمال دمج هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة مع المقر المركزي لخاتم الأنبياء، الذي يمثل أعلى قيادة عملياتية مشتركة في إيران، وتعيين علي عبد الله رئيسًا موحدًا للأركان.
ويحمل الدمج دلالة مؤسسية مهمة، إذ كانت المؤسستان تؤديان تقليديًا وظيفتين مختلفتين: تتولى هيئة الأركان رسم السياسة العسكرية وتنسيق فروع القوات المسلحة والإشراف على إعدادها، فيما يعمل مقر خاتم الأنبياء باعتباره قيادة عملياتية مشتركة تدير القوات خلال الحروب والعمليات الكبرى.
وبهذا المعنى، يعكس القرار تراجعًا جزئيًا عن إعادة الهيكلة التي أجراها المرشد السابق علي خامنئي عام 2016، عندما فصل قيادة المؤسستين بعدما كانتا تخضعان معًا لرئيس الأركان الأسبق حسن فيروزآبادي.
وكان علي عبد الله يقود مقر خاتم الأنبياء منذ عام 2025، وبرز باعتباره أحد قادة العمليات خلال الحرب الحالية. ويحل الآن محل رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي، الذي قُتل في 28 فبراير/شباط إلى جانب قائد الحرس الثوري محمد باكبور ووزير الدفاع عزيز ناصرزاده.
وكلف خامنئي رئيس الأركان الجديد برفع جاهزية القوات المسلحة والباسيج، وضمان قدرتها على التعامل بسرعة وفاعلية مع التهديدات التقليدية والمعرفية والهجينة.
ستة تعيينات لتثبيت قيادة الحرب
لم يقتصر التغيير على رأس هيئة الأركان، فقد أصدر خامنئي مراسيم لتثبيت خمس شخصيات عسكرية وأمنية إضافية، كانت بعضُها تمارس مهامها فعليًا منذ أشهر من دون صدور مراسيم رسمية.
وشملت التعيينات كيومرث حيدري، القائد السابق للقوات البرية للجيش، نائبًا لرئيس الأركان؛ وأحمد وحيدي قائدًا عامًا للحرس الثوري مع ترقيته إلى رتبة لواء، بعدما كان قد تولى فعليًا قيادة الحرس عقب مقتل محمد باكبور.
كما عُيّن مصطفى إيزدي، القائد السابق لمقر التهديدات السيبرانية والمستجدة في خاتم الأنبياء، نائبًا للقائد العام للحرس الثوري، فيما تولى الأدميرال علي عزمايي قيادة بحرية الحرس الثوري، بعد أن كان يمارس هذا الدور منذ يوليو/تموز إثر مقتل علي رضا تنكسيري.
أما التعيين السادس، والأكثر دلالة من الناحية السياسية والأمنية الداخلية، فكان إعادة حسين طائب، الرئيس الأسبق لمنظمة استخبارات الحرس الثوري، إلى موقع تنفيذي بارز بتعيينه قائدًا لقوة الباسيج.
وتسد هذه القرارات جزءًا من الشواغر التي خلّفتها الضربات الأمريكية والإسرائيلية منذ بداية الحرب، كما تعيد تنظيم العلاقة بين التخطيط العسكري الاستراتيجي والقيادة الميدانية تحت هيكل أكثر توحيدًا.
حسين طائب.. عودة رجل الاستخبارات إلى الواجهة
يمثل تعيين حسين طائب على رأس الباسيج أحد أكثر القرارات أهمية سياسيًا، بالنظر إلى الدور الذي تؤديه القوة شبه العسكرية التابعة للحرس الثوري في ضبط الأمن الداخلي ومواجهة الاحتجاجات.
وسبق لطائب أن قاد الباسيج قبل انتقاله إلى رئاسة منظمة استخبارات الحرس الثوري لأكثر من عقد، إلى أن أُقيل عام 2022 بعد سلسلة من الاختراقات الأمنية التي نُسبت إلى إسرائيل.
لكن خروجه من رئاسة جهاز الاستخبارات لم يؤدِ إلى ابتعاده عن دوائر القرار. ويشير تقرير MENA Intel Brief إلى أن طائب ظل جزءًا من الشبكة الاستخباراتية والأمنية القديمة المحيطة بمجتبى خامنئي، وشارك خلال الحرب الحالية في مداولات أمنية وسياسية رفيعة المستوى، من بينها النقاشات والخلافات المتعلقة بالمفاوضات مع واشنطن.
وبذلك تعيد القيادة الإيرانية شخصية استخباراتية مخضرمة إلى موقع تنفيذي يتصل مباشرة بالأمن الداخلي، في وقت تواجه فيه طهران تهديدًا عسكريًا خارجيًا بالتوازي مع مخاوف من تجدد الاضطرابات في الداخل.
فراغات استخباراتية لم تُحسم
وعلى الرغم من اتساع نطاق إعادة الهيكلة، فإنها لم تشمل حتى الآن عددًا من المناصب الاستخباراتية شديدة الحساسية.
فلم تعلن طهران عن رئيس دائم لمنظمة استخبارات الحرس الثوري أو لجهاز حماية الاستخبارات التابع له، بعد مقتل ماجد خادمي، الذي كان يرأس الجهازين معًا، في ضربة استهدفت طهران في 6 أبريل/نيسان.
كذلك لم يُعلن عن بديل دائم لغلامرضا رضائيان، رئيس منظمة استخبارات الشرطة الذي قُتل في الضربات الأمريكية الإسرائيلية الافتتاحية. ولا يزال منصبا نائب رئيس الأركان للاستخبارات ونائب رئيس العمليات في هيئة الأركان العامة من دون خلف دائم معلن منذ مقتل شاغليهما غلامرضا مهرابي ومهدي رباني في ضربات إسرائيلية خلال حرب يونيو/حزيران 2025.
وتكشف هذه الشواغر أن إعادة بناء المنظومة الأمنية والاستخباراتية الإيرانية لا تزال أقل اكتمالًا من عملية إعادة ترتيب القيادة العسكرية.
وزارتا الدفاع والاستخبارات بلا وزيرين دائمين
يمتد الفراغ إلى المستوى الحكومي. فوزارة الدفاع لا تزال تحت إدارة القائم بأعمال الوزير ماجد بن الرضا، الذي عينه الرئيس مسعود بزشكيان بعد مقتل الوزير عزيز ناصرزاده، من دون ترشيح وزير دائم حتى الآن.
كما لم تحصل وزارة الاستخبارات على وزير دائم منذ مقتل إسماعيل الخطيب في مارس/آذار. وكان مكتب بزشكيان قد أعلن تعيين وزير بالنيابة من دون الكشف عن هويته.
وأشار التقرير، نقلًا عن وسائل إعلام بينها إيران إنترناشونال، إلى أن محاولات بزشكيان تعيين وزير دائم للاستخبارات واجهت مقاومة من أحمد وحيدي وقيادة الحرس الثوري.
ويختلف ملء هذه المناصب عن التعيينات العسكرية المباشرة، إذ يتطلب تعيين الوزراء ترشيحًا من الرئيس وتصويت البرلمان على منحهم الثقة، وفق المادة 133 من الدستور الإيراني، في حين يشغل كبار القادة العسكريين مواقعهم بمراسيم مباشرة من القائد العام.
محسن رضائي يعود إلى مركز صناعة القرار
وبالتوازي مع إعادة ترتيب القيادة العسكرية، عاد محسن رضائي، القائد العام الأسبق للحرس الثوري، إلى موقع مركزي في منظومة الأمن القومي، بعد تعيينه في 9 أغسطس/آب أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي خلفًا لمحمد باقر ذوالقدر، الذي استقال بعد نحو أربعة أشهر فقط في المنصب.
كما عيّن خامنئي رضائي ممثلًا له في المجلس في قرار منفصل، ما يمنحه موقعًا أكثر قوة داخل المؤسسة المركزية المعنية بقرارات الحرب والدبلوماسية وإدارة المواجهة مع الولايات المتحدة.
ويملك رضائي، البالغ 71 عامًا، تاريخًا يمتد لأكثر من أربعة عقود داخل النظام الإيراني، أبرزها قيادته للحرس الثوري خلال معظم سنوات الحرب الإيرانية العراقية، قبل دخوله الحياة السياسية وخوضه أربع محاولات غير ناجحة للوصول إلى الرئاسة.
كما يرتبط اسمه بملف تفجير مركز الجالية اليهودية AMIA في الأرجنتين عام 1994، والذي صدر على خلفيته إشعار أحمر من الإنتربول بحقه، بحسب التقرير.
إعادة بناء قيادة دولة في زمن الحرب
تكشف القرارات الأخيرة عن اتجاه واضح لدى مجتبى خامنئي نحو إعادة بناء منظومة القيادة الإيرانية على أساس احتياجات الحرب، وليس مجرد ملء المناصب التي شغرت بفعل مقتل عدد من كبار القادة.
فدمج هيئة الأركان مع مقر خاتم الأنبياء يقلص المسافة بين التخطيط الاستراتيجي والقيادة العملياتية، بينما يؤدي تثبيت قيادات الحرس والجيش والباسيج إلى إعادة بناء سلسلة القيادة العسكرية والأمنية. وفي الوقت نفسه، تعكس عودة شخصيات مخضرمة مثل حسين طائب ومحسن رضائي اعتماد خامنئي على شخصيات ذات خبرة طويلة وارتباط وثيق بمراكز القوة التقليدية في الجمهورية الإسلامية.
لكن الصورة لا تزال غير مكتملة. فاستمرار الشواغر في أجهزة استخبارات الحرس الثوري وفي وزارتي الدفاع والاستخبارات يعني أن إعادة بناء القيادة الإيرانية تسير بسرعات متفاوتة، وأن طهران نجحت حتى الآن في إعادة ترتيب قمة القيادة العسكرية بدرجة أكبر مما نجحت في استكمال إعادة بناء منظومتها الاستخباراتية والحكومية.
وعليه، يمكن قراءة موجة التعيينات باعتبارها انتقالًا من مرحلة إدارة الخسائر والفراغات التي أحدثتها الحرب إلى محاولة بناء هيكل قيادة أكثر مركزية وتماسكًا وقدرة على إدارة حرب ممتدة، يجمع بين مواجهة التهديد العسكري الخارجي وضبط الجبهة الداخلية، مع بقاء أجزاء مهمة من عملية إعادة البناء المؤسسي معلقة حتى الآن.