مقالات

الشهيد يوسف رجب يوسف رابعة... حكايةُ عائلةٍ أثقلتها الحربُ بالفقد

لم يكن يحملُ سلاحًا... كان يحملُ مستقبلَهُ فاستشهد

الشهيد يوسف رجب يوسف رابعة... حكايةُ عائلةٍ أثقلتها الحربُ بالفقد

في الحروب، لا يُقتل الجنود وحدهم، بل تُغتال الأحلام، وتُطفأ مشاريع الحياة قبل أن تكتمل. هناك من كان يحمل بندقية، وهناك من كان يحمل قلمًا أو دفتر حسابات، لكن الموت لم يفرّق بين أحد. هكذا رحل الشهيد يوسف رجب يوسف رابعة، الذي لم يكن يبحث عن بطولة، ولم يكن ينتظر أن يُكتب اسمه في سجل الشهداء، بل كان يسعى إلى بناء مستقبله بعرق الجبين والعمل الشريف.

ولد يوسف في الخامس عشر من يونيو عام 1997، ونشأ في كنف عائلة فلسطينية عُرفت بالأصالة والكرم، تعود جذورها إلى بلدة حمامة المهجرة، قبل أن تستقر في منطقة تل الزعتر شمال قطاع غزة. كان الابن الأكبر بين أربعة أشقاء هم: يوسف، وأمير، وأحمد، وخالد، وله خمس شقيقات.

عمل والده في التجارة، وسار يوسف وشقيقه أمير على النهج نفسه، فاختارا الكفاح بالعمل، واتخذا من التجارة وسيلة لبناء حياة مستقرة. وكان يوسف أعزب، يشهد له كل من عرفه بدماثة الخلق، وحسن المعاملة، وطيب القلب، وهدوء الطبع.

في صباح الاثنين التاسع من أكتوبر 2023، وعند الساعة الحادية عشرة وخمس وعشرين دقيقة، كان يوسف يباشر عمله محاسبًا داخل مكتب رابعة للصرافة والعقارات في مخيم جباليا. لم يكن ذلك اليوم مختلفًا عن غيره في نظره، لكنه كان يحمل موعدًا مع القدر. ففي لحظات معدودة، تعرّض المكان للاستهداف في المجزرة التي عُرفت لاحقًا باسم "مجزرة الترنس"، ليسقط يوسف شهيدًا عن ستة وعشرين عامًا، وهو يؤدي عمله، لا يحمل سوى دفاتر الحسابات وأحلام الشباب.

نُقل جثمانه الطاهر بسيارة إسعاف، وووري الثرى في مقبرة الفالوجا، تلك المقبرة التي لم تسلم هي الأخرى من بطش الحرب، إذ تعرضت لاحقًا لعمليات تجريف، وكأن آلة الدمار أرادت أن تطال الأحياء والشهداء معًا.

ولم يكن يوسف الضحية الوحيدة في تلك المجزرة؛ فقد أصيب شقيقه أمير إصابة بالغة انتهت بفقدان عينه اليمنى، كما أصيب عدد من أبناء عمومته، لتتحول لحظة واحدة إلى جرحٍ غائر في ذاكرة العائلة كلها.

غير أن المأساة لم تتوقف عند هذا الحد. فبعد أربعين يومًا فقط من استشهاد يوسف، عاد الحزن ليخيم على البيت من جديد، حين استُهدف منزل العائلة، لترتقي زوجة شقيقه أمير شهيدةً، وهي حامل، في مشهد تختلط فيه الفاجعة الإنسانية بفقد أمٍ وجنينها قبل أن يرى النور، لتتضاعف آلام الأسرة التي لم تكد تفيق من صدمة الفقد الأولى.

ومنذ اندلاع الحرب، لم تعرف عائلة رابعة طعم الاستقرار. فقد اضطرت إلى النزوح عشر مرات بين مخيم جباليا، ومدارس وكالة الأونروا، ومراكز الإيواء، والخيام، وهي تحمل ما تبقى من ذكرياتها في كل رحلة. وخلال هذه المسيرة القاسية، فقدت خمسة منازل بالكامل، لتجد نفسها في كل مرة تبدأ الحياة من الصفر، بينما كانت الحرب تواصل مصادرة المكان والذاكرة معًا.

لم يكن يوسف مجرد رقم يُضاف إلى إحصاءات الضحايا، بل كان وجهًا بشوشًا، وابنًا بارًا، وأخًا محبًا، وشابًا عرفه الناس بصدقه وتواضعه ونقاء سريرته. كان يؤمن بأن المستقبل يُبنى بالعمل والاجتهاد، لكن الحرب اختارت أن تسرق مستقبله قبل أن يكتمل، وأن تجعل من اسمه شاهدًا على جيلٍ كامل حُرم من حقه في الحياة.

لقد دفعت عائلة رابعة ثمنًا باهظًا من الدم والوجع؛ فقدٌ متكرر، وإصابات، ونزوح لا ينتهي، وبيوت تحولت إلى أنقاض، وأحلام سُحقت تحت الركام. ومع ذلك، بقيت متمسكة بإيمانها وصبرها، تستمد قوتها من يقينها بأن الإنسان قد يفقد كل شيء، لكنه لا يفقد كرامته ولا ذاكرته.

رحم الله الشهيد يوسف رجب يوسف رابعة، ورحم شهداء عائلته، وشفى جرحاهم، وألهم ذويهم جميل الصبر والسلوان. وستبقى قصته وقصة عائلته صفحةً مؤلمة من صفحات غزة، تروي للأجيال أن هناك من لم يكن يحمل سلاحًا، بل كان يحمل مستقبلًا... فاستشهد.