مقالات

السيد يهزم الإيباك

السيد يهزم الإيباك

الإبادة الجماعية الإسرائيلية على الشعب العربي الفلسطيني ما بعد السابع من تشرين اول / أكتوبر 2023، شكلت محطة فاصلة ما بين مرحلتين في الرأي العام العالمي عموما والرأي العام الأميركي والغربي خصوصا، وأحدثت تحولات نوعية تجاه قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وقلبت رأسا على عقب معادلات الوعي تجاه الروايتين الفلسطينية العربية والإسرائيلية الصهيونية، فبعد أن كان الرأي العام الغربي عموما والأميركي خصوصا منحازا بشكل شبه مطلق لصالح الرواية الصهيونية الغربية المزورة قبل 7 أكتوبر 2023، بات بعد الإبادة الجماعية على الشعب الفلسطيني وسقوط نحو 300 الف من الشهداء والجرحى، وتدمير نحو 90% من الوحدات السكنية والمدارس والجامعات والمعاهد والمعابد المسيحية والإسلامية، وإخراج نحو 150 مركزا صحيا و30 مستشفى من أصل 36، وتدمير الغالبية الساحقة من البنى التحتية في قطاع غزة، بالتلازم مع حرب التجويع والامراض، ونزوح نحو 1,9 مليون انسان من مدنهم وبلداتهم من الشمال الى جنوب القطاع، وانتفاء مقومات الحد الأدنى من الحياة الادمية، انقلب الوعي شبه الجمعي الأميركي والغربي لصالح الرواية الفلسطينية الاصلانية، وتم عزل ومحاصرة الرواية الإسرائيلية الصهيونية وكل من يدعمها في الأنظمة الحاكمة والمنظمات الصهيونية وخاصة لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية "إيباك".

ويمكن تلخيص اللوحة والمعادلة الجديدة بما صرح به الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أيلول / سبتمبر 2025، الذي قال "عشت زمنا من كان ينتقد إسرائيل سابقا، كان يخرج من الحلبة السياسية، وأعيش الآن زمنا من يدعم إسرائيل يخرج من السياسة"، ما تقدم له عميق الصلة بمعركة الانتخابات التمهيدية بين التيارين الديمقراطي "اليساري" والوسطي "اليميني" في الحزب الديمقراطي، وأحد مظاهرها وتجلياتها الهامة المنافسة بين المرشح الأميركي من الأصول المصرية العربية عبد الرحمن محمد السيد، الذي مَثل التيار الديمقراطي، والنائبة المرشحة هايلي ستيفنز، المدعومة من الايباك والتيار الداعم لإسرائيل في ولاية ميشيغان عن الدائرة الثانية عشر في الولاية ، أمس الثلاثاء – الأربعاء 4و5 اب / أغسطس الحالي (ارتباطا بفارق الوقت بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط)، وفاز فيها السيد بفارق بسيط بنسبة 49% مقابل 47%. تمهيدا لخوض الانتخابات النصفية العامة لتمثيل الولاية في مجلس الشيوخ الأميركي في 3 تشرين ثاني / نوفمبر القدام، وسيواجه السيد في الانتخابات العامة المرشح الجمهوري وعضو الكونغرس السابق مايك روجرز، في سباق يعد حاسما بالنسبة للديمقراطيين، إذ إن خسارة المقعد ستجعل استعادة الأغلبية في مجلس الشيوخ أكثر صعوبة. وهذا ما أعلنته وسائل الاعلام الأميركية، من بينها شبكة "إن بي سي نيوز".

وكانت المنافسة شرسة صبت فيها الايباك نحو 65 مليون دولار أميركي لدعم النائبة ستيفنز، مقابل 6,5 مليون دولار استثمرها السيد وحلفائه، وهو ما يعكس عمق التحول في الرأي العام الأميركي، واظهره استطلاع أجرته رويترز / أبسوس تراجع نسبة تأييد الديمقراطيين لإسرائيل من 59% عام 2018 الى 22% في أيار / مايو الماضي (2026)، ورأى خبراء في الحزب الديمقراطي أن الانتخابات تمثل أيضا اختبارا لحجم استياء الناخبين من الأوضاع الاقتصادية ومن قيادة الحزب التقليدية.

وكانت مواقف عبد الرحمن السيد واضحة وجلية في المنافسة، ومن بينها الدعوة الى إنهاء المساعدات العسكرية الأميركية غير المشروطة لإسرائيل، متهما إياها بارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة، كما دعا لنظام صحي أميركي يخدم الشعب الأميركي وطبقاته وشرائحه الاجتماعية المحتاجة للرعاية الصحية، وطالب بالعديد من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومنها الدعوة لتوجيه أموال دافعي الضرائب للاستثمار في الداخل الأميركي بدلا من الانفاق على الحرب الإسرائيلية في غزة. وهذا التحول في خطاب التيار الديمقراطي اليساري داخل الحزب يعتبر نقلة هامة في منسوب الوعي الأميركي العام وخاصة داخل صفوف الحزب الديمقراطي ونتاج تعاظم الغضب داخله، الذي لم يعد يخشى البوح بمواقفه السياسية، ولم يعد يحسب حسابا للإيباك ولا للتيار المحافظ داخل الحزب ولا لتغول الإدارة الأميركية وسلطاتها التنفيذية، بل العكس صحيح، حيث باتت أموال الايباك نقمة ولعنة على المرشحين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

وحظيت النائبة ستيفنز بدعم زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، فيما حصل السيد على دعم السيناتور بيرني ساندرز، وعضوة مجلس النواب الكساندريا أوكاسيو كورتيز. وجاءت الانتخابات بعد تقاعد السيناتور الديمقراطي غاري بيترز. وفي السياق، أفادت وكالة اسوشيتدت برس بفوز النائبة الأميركية من أصول فلسطينية رشيدة طليب في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي عن الدائرة ذاتها في ولاية ميشيغان.

قاطرة التغيير في الوعي داخل الحزبين والشارع الأميركي عموما انطلقت، ولم يعد بإمكان إسرائيل واموال الحركة الصهيونية والإدارات الأميركية من اعادتها للخلف، وباتت إسرائيل تعاني اتساعا جليا في العزل داخل الولايات المتحدة، وكان للإبادة في قطاع غزة دورا هاما واساسيا في إحداث النقلة النوعية في المشهد الأميركي، ومبروك للفائزين من التيار اليساري في الحزب الديمقراطي.