أخبار

أين تتمركز حاملات الطائرات الأميركية؟ ضغوط الانتشار تكشف حدود الجاهزية

أين تتمركز حاملات الطائرات الأميركية؟ ضغوط الانتشار تكشف حدود الجاهزية

واشنطن: تملك الولايات المتحدة أكبر قوة لحاملات الطائرات في العالم، بأسطول يضم 11 حاملة نووية نشطة، لكن امتلاك هذا العدد لا يعني أن جميعها متاحة للانتشار في وقت واحد. فمتطلبات الصيانة والإصلاح وإعادة التأهيل تجعل البحرية الأميركية قادرة، في الظروف الاعتيادية، على نشر نحو خمس أو ست حاملات فقط، فيما تكتسب خريطة الانتشار الحالية أهمية استثنائية مع تمركز حاملتين في بحر العرب لدعم العمليات الأميركية ضد إيران.

وبحسب تقرير حالة عسكرية نشرته مجلة The National Interest في 14 أغسطس 2026، وأعده الصحفي المتخصص في الشؤون العسكرية والدفاعية بيتر سوسيو، تتوزع حاملات الطائرات الأميركية حاليًا بين الانتشار العملياتي والصيانة والاستعداد لمهام جديدة، في وقت تكشف فيه الضغوط المتزايدة على الأسطول عن الفارق بين العدد الإجمالي للحاملات والعدد المتاح فعليًا لتنفيذ العمليات. ويستند التقرير أساسًا إلى معلومات وبيانات علنية للبحرية الأميركية وتقارير إعلامية أخرى.

حاملتان في بحر العرب

تتركز الأهمية العملياتية حاليًا في الشرق الأوسط، حيث تنتشر حاملتا يو إس إس أبراهام لينكولن (CVN-72) ويو إس إس جورج إتش دبليو بوش (CVN-77) في بحر العرب، ضمن نطاق مسؤولية القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم”، لدعم العمليات ضد إيران.

وتعد أبراهام لينكولن إحدى أكثر الحاملات تعرضًا لضغوط الانتشار. فقد بدأت مهمتها الحالية في 21 نوفمبر 2025، وبلغت مدة بقائها في البحر حتى تاريخ التقرير 266 يومًا، أي قرابة تسعة أشهر، لم تتخللها سوى زيارتين قصيرتين جدًا للميناء.

ويشير التقرير إلى روايات نقلتها عائلات أفراد من الطاقم عن نقص في الغذاء ومشكلات صحية ومعيشية، من بينها تعفن في أماكن الاستحمام وانسداد المراحيض، فضلًا عن تراجع معنويات البحارة ووقوع محاولات للقفز من الحاملة. غير أن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث رفض هذه الروايات، ووصفها بأنها “أخبار كاذبة” ومجتزأة من سياقها. وينبه التقرير إلى أن هذه التفاصيل لم يجر التحقق منها بصورة مستقلة، وأن وزارة الدفاع نفتها رسميًا.

ومع ذلك، تستعد البحرية لتخفيف الضغط على لينكولن، إذ يجري توجيه يو إس إس جورج واشنطن (CVN-73) من غرب المحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط خلال الأسابيع المقبلة، بما يسمح لأبراهام لينكولن بالعودة إلى الولايات المتحدة.

“جورج بوش”.. انتشار مرشح للتمديد

أما يو إس إس جورج إتش دبليو بوش، وهي عاشرة وآخر حاملات فئة نيميتز، فتواصل انتشارها في بحر العرب مع جناحها الجوي. وكانت قد غادرت نورفولك في 31 مارس 2026، واتخذت مسارًا أطول حول أفريقيا بدلًا من المرور عبر قناة السويس والبحر الأحمر وباب المندب، على الأرجح لتجنب تهديدات الطائرات المسيّرة والصواريخ الحوثية، وهو ما أضاف نحو 12 يومًا إلى مدة انتقالها.

وبلغ انتشار الحاملة 136 يومًا حتى تاريخ التقرير، أي نحو أربعة أشهر ونصف. ومع محدودية عدد الحاملات المتاحة عالميًا، يرجح التقرير تمديد مهمتها إلى ما بعد فترة الانتشار الأصلية المقدرة بستة أشهر.

معظم الأسطول بين الموانئ والصيانة

تكشف صورة الأسطول في 14 أغسطس 2026 أن الجزء الأكبر من الحاملات الأميركية ليس منتشرًا في مهام قتالية. فـيو إس إس نيميتز (CVN-68) موجودة في نورفولك استعدادًا للتقاعد في مارس 2027، بينما توجد دوايت آيزنهاور (CVN-69) في نورفولك استعدادًا لانتشار مقبل.

وفي الساحل الغربي، توجد كارل فينسون (CVN-70) في سان دييغو بعد صيانة موسعة، فيما تستعد ثيودور روزفلت (CVN-71) لانتشار متوقع في سبتمبر. أما رونالد ريغان (CVN-76) فتخضع لصيانة مقررة في بريمرتون. ويظهر جدول حالة الأسطول الوارد في التقرير أن أبراهام لينكولن وجورج بوش هما الحاملتان الموجودتان فعليًا في بحر العرب، بينما تتجه جورج واشنطن من غرب المحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط.

وفي المقابل، تستعد هاري إس ترومان (CVN-75) لدخول عملية إعادة تزويد بالوقود وإصلاح شامل، بعد أن أنهت في يونيو 2025 انتشارًا استمر ثمانية أشهر وشمل عمليات قتالية ضد الحوثيين في البحر الأحمر. وشهد انتشارها الأخير سلسلة حوادث، من بينها اصطدام بسفينة شحن قرب بورسعيد، وإسقاط إحدى مقاتلاتها بنيران صديقة، وسقوط طائرتين أخريين في البحر الأحمر.

أما جون سي ستينيس (CVN-74) فتخضع لعملية إعادة تزويد بالوقود وإصلاح شامل بدأت عام 2021، ومن المقرر اكتمالها بحلول أكتوبر 2026 بعد تأخيرات رفعت مدة العملية إلى نحو خمس سنوات ونصف.

“جيرالد فورد” خارج الخدمة العملياتية مؤقتًا

تخضع يو إس إس جيرالد آر فورد (CVN-78)، أحدث وأكبر حاملة طائرات أميركية نشطة، لصيانة دورية في نورفولك، بعد فترة قياسية بلغت 326 يومًا متواصلًا في البحر. ووفق التقرير، لن تكون الحاملة جاهزة لانتشار جديد قبل منتصف عام 2027 على الأقل.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل الانتقال التدريجي الذي تستعد له البحرية الأميركية من حاملات فئة نيميتز إلى الجيل الجديد من فئة جيرالد فورد. فمن المقرر تقاعد نيميتز، أقدم حاملة نووية نشطة، في مارس 2027، بالتزامن مع دخول يو إس إس جون إف كينيدي (CVN-79) الخدمة، وهي ثاني حاملات فئة فورد. وقد بدأت كينيدي تجارب القبول البحرية تمهيدًا لتسليمها للبحرية في مارس 2027، بينما لا يتوقع أول انتشار عملياتي لها قبل 2028 أو 2029.

قوة ضخمة بهامش انتشار محدود

تشغل البحرية الأميركية عشر حاملات من فئة نيميتز وحاملة واحدة من فئة جيرالد فورد، وهو عدد يفوق، بحسب التقرير، مجموع حاملات الصين وبريطانيا والهند وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا مجتمعة. كما يلزم القانون الأميركي البحرية بالحفاظ على 11 حاملة تشغيلية على الأقل. إلا أن العدد الاسمي لا يعكس بصورة كاملة القدرة الفعلية على الانتشار، إذ نادرًا ما تكون أكثر من خمس أو ست حاملات متاحة للمهام في الوقت نفسه.

وتبرز خريطة الانتشار الحالية حجم الضغوط التي تفرضها الالتزامات العسكرية الأميركية المتزامنة على الأسطول. فوجود حاملتين في بحر العرب، والحاجة إلى إرسال جورج واشنطن إلى المنطقة لإراحة أبراهام لينكولن، في مقابل وجود عدد كبير من الحاملات داخل الموانئ أو في دورات صيانة وإصلاح طويلة، يكشف أن التفوق العددي الأميركي الهائل في حاملات الطائرات لا يترجم بالضرورة إلى قدرة مماثلة على إبقاء أعداد كبيرة منها منتشرة بصورة متزامنة ولفترات طويلة.

وتظل هذه الخريطة متحركة بطبيعتها؛ إذ يشدد التقرير نفسه على أن أوضاع الانتشار والصيانة قابلة للتغير سريعًا تبعًا للمتطلبات التشغيلية للبحرية الأميركية.