أخبار

من النووي إلى أسعار الوقود.. كيف تغيّرت أهداف أمريكا في حرب إيران؟

بعد 6 أشهر..

من النووي إلى أسعار الوقود.. كيف تغيّرت أهداف أمريكا في حرب إيران؟

عواصم: بعد ستة أشهر من حرب كان يُفترض أن تستمر ستة أسابيع فقط، تبدو أهداف الإدارة الأميركية في مواجهة إيران وقد خضعت لتحولات متتالية، من تغيير النظام واحتواء البرنامج النووي، إلى تدمير القدرات الصاروخية وإضعاف الوكلاء الإقليميين، ثم إعادة فتح مضيق هرمز، وصولًا إلى هدف أكثر ارتباطًا بالداخل الأميركي: إبقاء أسعار النفط والغاز منخفضة.

وبحسب تقرير تحليلي نشرته مجلة فورين بوليسي في 18 أغسطس 2026، للكاتب المتخصص في الجغرافيا الاقتصادية والطاقة كيث جونسون، فإن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس طرح الأسبوع الماضي ترتيبًا جديدًا لأولويات الحرب، معلنًا أن «الهدف رقم واحد» يتمثل في إبقاء أسعار النفط والغاز منخفضة للأميركيين في جميع أنحاء البلاد، بينما يأتي ضمان عدم حصول إيران على سلاح نووي في المرتبة الثانية.

وسارع الرئيس دونالد ترامب إلى التأكيد عبر منصات التواصل الاجتماعي أن إنهاء البرنامج النووي الإيراني لا يزال يمثل الأولوية القصوى، إلا أن التقرير يشير إلى أن واشنطن وطهران لم تجريا منذ أشهر أي محادثات بشأن الملف النووي، في وقت تبدو فيه إيران غير راغبة في العودة إلى المفاوضات، وسط تقارير عن استعدادها لمزيد من التصعيد قد يشمل ضربات إضافية ضد البنية التحتية للطاقة في المنطقة.

وتطالب طهران، وفق التقرير، الإدارة الأميركية بالالتزام ببنود مذكرة التفاهم الموقعة في يونيو، بما في ذلك دفع تعويضات بقيمة 300 مليار دولار وإنهاء الحصار والعقوبات الأميركية.

الاقتصاد يدخل صلب حسابات الحرب

يربط التقرير التحول في أولويات واشنطن بالضغوط السياسية والاقتصادية داخل الولايات المتحدة، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي وارتفاع أسعار الوقود. فقد زاد سعر البنزين بنحو دولار واحد للغالون مقارنة بالعام الماضي، ما يجعل تكلفة الحرب أكثر حضورًا في حسابات الناخب الأميركي.

وينقل جونسون عن كيفن بوك، المدير الإداري في شركة «كلير فيو إنرجي بارتنرز» الاستشارية للطاقة، وصفه لتصريح فانس بأنه كشف صريح وغير معتاد لحقيقة داخلية، إذ تتنقل أولويات الإدارة بين الوضع الاقتصادي والمهمة النووية والعمليات العسكرية وفقًا للظروف.

لكن جعل خفض أسعار الوقود هدفًا رئيسيًا للحرب لا يعني أن واشنطن تملك الأدوات اللازمة لتحقيقه بسهولة. فالأزمة، بحسب التقرير، تجاوزت حدود المواجهة العسكرية مع إيران، وأصبحت جزءًا من اختناق أوسع في أسواق الطاقة العالمية.

هرمز شبه مشلول

يبقى مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، في قلب الأزمة. فحركة السفن عبره انخفضت إلى مستويات شديدة التدني، بعدما كانت تتجاوز 100 عملية عبور يوميًا قبل الحرب. كما استمرت الهجمات على السفن، ودفع هجوم استهدف سفينة أثناء محاولتها مغادرة المضيق عبر الطريق الجنوبي شركتي شحن صينيتين حكوميتين كبيرتين إلى وقف إرسال ناقلاتهما عبر الممر.

ويأتي ذلك رغم تأكيدات ترامب المتكررة أن الولايات المتحدة تملك «سيطرة كاملة» على المضيق.

ونتيجة استمرار الاضطرابات، لا يزال ما بين خمسة وستة ملايين برميل من النفط يوميًا غائبًا عن الأسواق العالمية منذ بداية الحرب، بالتزامن مع انخفاض المخزونات النفطية التجارية والاستراتيجية.

وانعكس ذلك مباشرة على الأسعار، إذ تجاوز سعر خام النفط العالمي المرجعي 90 دولارًا للبرميل، بينما ارتفع متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة إلى 4.06 دولار للغالون، مقابل 3.14 دولار قبل عام. أما الديزل فارتفع إلى 5.46 دولار للغالون، مقارنة بـ3.69 دولار قبل عام.

الأزمة أكبر من النفط الخام

غير أن المشكلة لا تتعلق فقط بنقص النفط أو تعطل الملاحة عبر هرمز. فالتقرير يشير إلى أزمة تكرير عالمية متزامنة تزيد من صعوبة إعادة أسعار الوقود إلى مستوياتها السابقة.

وتعمل المصافي الأميركية بمعدل استخدام قياسي يبلغ 96 في المئة، رغم استمرار ارتفاع أسعار البنزين والديزل، بينما يُتوقع أن يدخل عدد منها خلال الشهر المقبل مرحلة الصيانة الموسمية، ما قد يفاقم الضغوط على الإمدادات.

وفي الوقت نفسه، تضرر جزء من الطاقة التكريرية الروسية نتيجة الهجمات الأوكرانية بالمسيرات والصواريخ بعيدة المدى، بالتوازي مع أضرار لحقت بمصافٍ في الشرق الأوسط جراء الحرب الأخيرة في الخليج. كما أشار التقرير إلى مزاعم حوثية غير مؤكدة بشأن استهداف مصفاة جازان السعودية مجددًا.

ويرى كيفن بوك أنه «لا يوجد حل أميركي بحت» للأزمة، لأنها عالمية بطبيعتها. وحتى ضخ كميات إضافية من النفط الخام لن يعالج المشكلة الأساسية إذا بقيت القدرة العالمية على تكريره مقيدة بفعل تضرر المصافي وتعطل بعضها.

خيار تصدير قد يرتد على واشنطن

أمام هذه الضغوط، يناقش التقرير خيارًا ظل مطروحًا منذ الربيع، وإن لم يتبنه البيت الأبيض رسميًا، ويتمثل في تقييد صادرات الولايات المتحدة من المنتجات النفطية المكررة، خصوصًا البنزين والديزل، والتي تبلغ نحو ثلاثة ملايين برميل يوميًا.

وقد يؤدي هذا الإجراء إلى خفض الأسعار داخل الولايات المتحدة لفترة قصيرة، لكنه يحمل مخاطر عكسية. فتراكم المنتجات المكررة في منطقة ساحل الخليج الأميركي، مع صعوبة نقلها إلى بقية أنحاء البلاد، قد يدفع المصافي إلى خفض إنتاجها، ما يمكن أن يؤدي في نهاية المطاف إلى ارتفاع الأسعار بدلًا من خفضها.

كما أن تقييد الصادرات سيحمّل حلفاء الولايات المتحدة جزءًا أكبر من كلفة أزمة الطاقة، في وقت يعتمد فيه عدد منهم على المنتجات الأميركية لتعويض اضطرابات الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط.

ويختتم التقرير بتحذير كيفن بوك من أن الخيارات التي بدت شديدة السوء في الربيع قد تصبح مطروحة فعليًا بحلول الخريف، مع تصاعد الضغوط السياسية والاقتصادية على الإدارة الأميركية.

وبذلك، تكشف أزمة الطاقة عن مفارقة متزايدة في مسار الحرب: فبعد أن بدأت الأهداف الأميركية المعلنة بقضايا استراتيجية كبرى تتعلق بالنظام الإيراني وبرنامجه النووي وقدراته العسكرية، أصبحت تكلفة الوقود التي يدفعها المستهلك الأميركي عنصرًا مباشرًا في تحديد الأولويات. وفي الوقت نفسه، تجعل طبيعة أزمة الطاقة العالمية وتشابك أزمات هرمز والتكرير والمخزونات من تحقيق الهدف الجديد الذي طرحه فانس مهمة لا تقل تعقيدًا عن الأهداف التي سبقته.