أمي التي أرضعتني الشجاعة… وبها أفتخر
قرأت باهتمام ومحبة ما كتبه الكاتب محمود كلّم : نورا عوض إبراهيم (أم سعيد).. حين قالت للاحتلال: زلامنا فوق بالجبال».
لم أقرأ النص هذه المرة كابن يقرأ ما كُتب عن أمه فقط، بل قرأته وأنا أستعيد زمناً بعيداً، وخصوصاً تلك اللحظة التي كانت فيها قوات الاحتلال تطاردني، وجاءت إلى بيت أمي تبحث عني.
توقفت طويلاً أمام عبارتها التي نقلها الكاتب:
«إحنا ما عنا زلام تتخبّى بالخزاين… زلامنا بالجبال فوق. إذا كنت زلمة، روح له فوق بالجبال.»
هذه العبارة أعرف وزنها جيداً، لأنني كنت أنا الابن الذي كانوا يبحثون عنه.
وأعرف أمي جيداً. لم تكن يومها تبحث عن بطولة، ولم تكن تعرف أن كلماتها ستبقى في الذاكرة كل هذه السنوات. كانت أمّاً يقف أمامها جنود الاحتلال المدججون بالسلاح، يبحثون عن ابنها، ومع ذلك لم تمنحهم خوفها، ولم تسمح لهم أن يدخلوا بيتها إلا ليجدوا امرأة فلسطينية شامخة، تعرف أن ابنها ليس مختبئاً خلف خزانة، وأن الرجال الذين اختاروا طريقهم لا تختصرهم الخزائن.
حين قرأت كلماتها اليوم، شعرت أن عبارة «أمي التي أرضعتني الشجاعة» ليست مجرد تعبير عاطفي. فقد كانت أمي، كما كانت أمهات فلسطين كثيرات، تزرع في أبنائها منذ الصغر معنى الكرامة والانتماء، وتعلّمهم أن فلسطين ليست مجرد أرض غادرناها، بل وطن نحمله معنا أينما ذهبنا.
أمي نورا عوض إبراهيم «أم سعيد»، التي ما زالت تعيش حتى اليوم في مخيمات لبنان، حملت معها من فلسطين ذاكرتها وبيتها الأول وحكايات أهلها، وبقيت وفية لفلسطين رغم عقود اللجوء وقسوة الحياة.
شكراً للكاتب محمود كلّم، ولـ«وطن»، لأنكما أعدتما إلى الذاكرة هذه الحكاية، ولأنكما منحتما أمي ونساء فلسطين اللواتي يشبهنها حقهن في أن تُروى حكاياتهن.
أما أنتِ يا أمي، فأقول لك اليوم:
كنتِ وما زلتِ جزءاً من الطريق الذي صنعني.
أرضعتِني الشجاعة، وعلّمتِني أن الرجال لا يختبئون في الخزائن، وأن فلسطين تستحق أن نقف من أجلها.
لكِ يا أمي كل الحب والفخر والامتنان.
نورا «أم سعيد»… أمي التي قالت للاحتلال: «زلامنا فوق بالجبال»؛ وما زلتِ حتى اليوم شامخة كالجبل.