الدين الأميركي يتجاوز 40 تريليون دولار.. ووعود الانضباط المالي تصطدم بكلفة الحرب والضرائب
واشنطن: تجاوز الدين القومي الأميركي حاجز 40 تريليون دولار للمرة الأولى، في محطة تعكس اتساع الضغوط المالية التي تواجه الولايات المتحدة بعد سنوات من الاقتراض المتزايد، في وقت تتراكم فيه كلفة الإنفاق العسكري وبرامج الرعاية الاجتماعية والتخفيضات الضريبية، بينما تتجه الحكومة إلى اقتراض أكثر من تريليوني دولار خلال العام الجاري لتغطية التزاماتها.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز في 19 أغسطس/آب 2026، للصحفي آلان رابيبورت بمساهمة كولبي سميث، فإن ارتفاع الدين يأتي في وقت تعثرت فيه وعود الرئيس دونالد ترامب باستعادة الانضباط المالي، مع ارتفاع الإنفاق المرتبط بحرب إيران، وتراجع إيرادات الرسوم الجمركية، واستمرار تأثير التخفيضات الضريبية التي أُقرت في عام 2025.
وتبرز مدفوعات الفائدة باعتبارها أحد أكثر عناصر الأزمة إثارة للقلق، إذ باتت تشكل نحو نصف العجز، بما يعني أن جزءاً متزايداً من الاقتراض الجديد يذهب عملياً لخدمة الديون السابقة. وحذر مارك غولدواين، المدير الأول للسياسات في لجنة الموازنة الفيدرالية المسؤولة، من أن الولايات المتحدة قد تكون أمام بداية ما وصفه بـ”دوامة الدين”، حيث تؤدي الفوائد المتزايدة إلى مزيد من الاقتراض، الذي يرفع بدوره كلفة الفائدة.
مخاطر تتجاوز الموازنة إلى مكانة الدولار
لا تقتصر تداعيات الدين المتصاعد على الحسابات المالية الداخلية. فالتقرير يحذر من أن استمرار عجز المشرعين عن معالجة المشكلة يمكن أن يدفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى على سندات الخزانة الأميركية، أو إثارة تساؤلات بشأن الجدارة الائتمانية للولايات المتحدة، وصولاً إلى التأثير في الثقة بالدولار بوصفه عملة الاحتياط الرئيسية في العالم.
ومع ذلك، لا يحمل التقرير حزباً واحداً مسؤولية تراكم الدين، إذ ساهم الجمهوريون والديمقراطيون على مدى سنوات في توسيع الاقتراض لتمويل البرامج الصحية والتحفيز الاقتصادي والإغاثة من الكوارث والإنفاق الحكومي اليومي.
من وعد بإلغاء الدين إلى تضاعفه
تكشف الأرقام عن فجوة واسعة بين تعهدات ترامب السابقة والواقع المالي الراهن. فعندما ترشح للرئاسة للمرة الأولى عام 2016، تعهد بإلغاء الدين القومي خلال ثماني سنوات، مستنداً إلى توقعات بأن تؤدي الاتفاقيات التجارية الجديدة والنمو الاقتصادي إلى تحسين المالية العامة. لكن الدين تضاعف منذ ذلك الحين.
وفي ولايته الثانية، لم تحقق المبادرات الرئيسية الرامية إلى تقليص الإنفاق وزيادة الإيرادات النتائج المتوقعة. فقد تعهدت “وزارة الكفاءة الحكومية”، التي قادها إيلون ماسك في بدايتها، بخفض الإنفاق الفيدرالي بنحو تريليون دولار، لكنها أعلنت وفورات تزيد قليلاً على 200 مليار دولار، بينما شكك مكتب المساءلة الحكومية في موثوقية تقديراتها وشفافيتها.
وتعرض مسار آخر كانت الإدارة تراهن عليه لزيادة الإيرادات لضربة بعدما قضت المحكمة العليا بعدم قانونية بعض الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضتها الإدارة، الأمر الذي أجبر الحكومة الفيدرالية على إعادة أكثر من 160 مليار دولار إلى الشركات التي سبق أن دفعت تلك الرسوم.
حرب إيران تضيف ضغوطاً جديدة
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت كان قد وضع هدفاً لخفض العجز إلى 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2028، بعدما كان يتجاوز 6 في المئة عند تولي ترامب منصبه. لكنه أقر بأن العجز يتحرك هذا العام في الاتجاه المعاكس.
وحدد بيسنت مجموعة عوامل تقف وراء ذلك، في مقدمتها الإنفاق المرتبط بحرب إيران، الذي أدى إلى زيادة الإنفاق العسكري. كما أضعفت إعادة الرسوم الجمركية التقدم الذي كانت الإدارة قد حققته في خفض نسبة العجز إلى الناتج المحلي الإجمالي خلال 2025.
ولم تقتصر التداعيات المالية للحرب على الإنفاق العسكري، إذ أدى ارتفاع أسعار الطاقة في الولايات المتحدة إلى الضغط على النمو الاقتصادي، ما قلص فرص التوسع الذي كانت الإدارة تراهن عليه لزيادة الإيرادات الضريبية.
وفي الوقت نفسه، أضافت التخفيضات الضريبية التي أُقرت العام الماضي مزيداً من الضغوط على العجز، خصوصاً مع استفادة الشركات من السماح بخصم تكلفة إنشاء المصانع وشراء المعدات فوراً. وتقدر لجنة الضرائب المشتركة في الكونغرس كلفة هذه الإجراءات بنحو 100 مليار دولار خلال العام الجاري. لكن بيسنت يدافع عنها باعتبارها كلفة أولية ستقود، بحسب رؤية الإدارة، إلى استثمارات ونمو وإيرادات ضريبية أكبر مستقبلاً.
الأسواق ترسل إشارات تحذير
رغم تأكيدات الإدارة بأن المسار المالي سيتجه في النهاية إلى الاستقرار، تبدو أسواق السندات أقل اطمئناناً. فقد ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوى له منذ نحو عقدين، في إشارة إلى مطالبة المستثمرين بعائد أكبر مقابل الاحتفاظ بالدين الأميركي.
ويعني ارتفاع العوائد زيادة كلفة الاقتراض ليس فقط على الحكومة، وإنما أيضاً على المستهلكين والشركات الذين يواجهون أصلاً ضغوط التضخم.
وظهرت حساسية الإدارة تجاه تحركات الأسواق عندما تدخل بيسنت بصورة نادرة لدعم الين الياباني المتراجع، في خطوة استهدفت جزئياً منع اليابان من بيع حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية لدعم عملتها. كما أعلنت وزارة الخزانة مضاعفة حجم الديون التي يُسمح لها بإعادة شرائها من المستثمرين، في محاولة لاحتواء تكاليف الاقتراض.
قوة سوق الخزانة لا تلغي المخاطر
حتى الآن، ما تزال الولايات المتحدة تستفيد من ميزة استثنائية تتمثل في عمق سوق سندات الخزانة وسيولتها وموقعها المركزي في النظام المالي العالمي. ولا توجد أسواق منافسة كثيرة يمكنها توفير المستوى نفسه من السيولة والأمان والحجم، ولذلك يتطلب عزوف واسع ومفاجئ عن شراء الدين الأميركي تحولاً كبيراً في سلوك المستثمرين.
لكن أحد مصادر عدم اليقين يتمثل في سياسة الاحتياطي الفيدرالي، الذي يحتفظ بمحفظة تبلغ نحو 6.8 تريليون دولار من السندات الحكومية والأوراق المالية المدعومة برهون عقارية. وقد جعل رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش خفض هذه الحيازات، التي تضخمت خلال أزمات سابقة، إحدى أولوياته، وإن لم يحدد بعد خطة واضحة لتنفيذ ذلك.
ويرى متعاملون أن تغيير تركيبة محفظة البنك المركزي باتجاه الاحتفاظ بنسبة أكبر من السندات قصيرة الأجل قد تكون آثاره محدودة، لكن أي تقليص واسع للحيازات، وخصوصاً إذا تم عبر عمليات بيع مباشرة، يمكن أن يثير اضطراباً أكبر في السوق.
إنفاق متزايد وإصلاح سياسي مؤجل
في خلفية الأزمة، تستمر تكاليف تمويل الجيش وبرامج الضمان الاجتماعي و”ميديكير” و”ميديكيد” في الارتفاع، بينما يتردد المشرعون، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات، في تبني إجراءات سياسية مكلفة مثل خفض الإنفاق أو زيادة الضرائب.
وتلخص مارغريت سبيلينغز، رئيسة مركز السياسات الثنائي، المعضلة بالقول إن البرامج الفيدرالية تنفق أكثر بكثير مما تحصل عليه الحكومة، وإن أكبر بنود الموازنة تعمل بصورة شبه تلقائية، محذرة من أنه حتى في السيناريوهات الأكثر تفاؤلاً تتجه البلاد سريعاً نحو “هاوية” مالية من دون استعداد سياسي لتغيير المسار.
وبذلك، لا تبدو عتبة الـ40 تريليون دولار مجرد رقم قياسي جديد للدين الأميركي، بل مؤشراً على معضلة أعمق: الولايات المتحدة لا تزال تمتلك أكبر اقتصاد في العالم وأعمق سوق للديون الحكومية، لكنها تدخل مرحلة تتزايد فيها كلفة خدمة الدين بالتزامن مع الإنفاق العسكري والبرامج الاجتماعية والتخفيضات الضريبية، بينما تتقلص سياسياً الخيارات السهلة لمعالجة العجز.
والمفارقة التي يبرزها تقرير نيويورك تايمز هي أن قوة الاقتصاد الأميركي ومكانة الدولار ما تزالان تمنحان واشنطن قدرة استثنائية على الاقتراض، لكن استمرار هذه القدرة لا يعني أن تراكم الدين بلا كلفة؛ فكلما ارتفعت الفوائد، أصبح جزء أكبر من الموازنة مخصصاً لخدمة ديون سابقة، وهو ما يضع صناع القرار أمام سؤال متزايد الإلحاح: إلى أي مدى يمكن مواصلة الاقتراض قبل أن يتحول الامتياز المالي الأميركي نفسه إلى مصدر ضغط على الاقتصاد؟