مقالات

جثامين الشهداء ورفات المفقودين.. حين يصبح الموت ساحةً أخرى للجريمة

جثامين الشهداء ورفات المفقودين.. حين يصبح الموت ساحةً أخرى للجريمة

في فلسطين، لا ينتهي الموت دائماً عند لحظة القتل. هناك من يُقتل ثم يُحرم من قبره، وهناك من يوارى تحت أنقاض منزله، ثم تُجرف رفاته مع الركام إلى مكان مجهول، وهناك عائلات لا تعرف حتى اليوم أين انتهت أجساد أبنائها. هكذا يتحول الموت من نهاية للحياة إلى بداية لمعاناة أخرى، ويصبح الجثمان ساحة إضافية للسيطرة والقهر، وتتحول الرفات إلى دليل مفقود على جريمة لم تُغلق فصولها.

هذه ليست مأساة أرقام. خلف كل جثمان أم تنتظر، وأب يبحث عن قبر، وطفل يكبر وهو لا يعرف أين يرقد والده. وخلف كل مفقود عائلة معلقة بين الأمل والفاجعة؛ لا تستطيع أن تقول «وداعاً»، ولا تملك حتى يقين الموت الذي يسمح لها بأن تبدأ حزنها وتستعيد شيئاً من حياتها.

وتكشف معطيات الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء ومؤسسات الأسرى عن 799 شهيداً معلومة هوياتهم، بينهم 256 محتجزاً في «مقابر الأرقام»، و99 من الأسرى، و81 طفلاً و10 شهيدات، فيما تشير معطيات إعلامية إسرائيلية إلى احتجاز نحو 1700 جثمان. ومع ذلك، تبدو هذه الأرقام عاجزة عن اختزال حجم المأساة، خصوصاً في قطاع غزة، حيث لا تزال رفات المئات عالقة تحت أنقاض المنازل والمنشآت المدمرة.

والأشد قسوة أن بعض الرفات لم تعد حتى في المكان الذي استشهد فيه أصحابها. ففي مناطق واقعة ضمن ما يسمى «الخط الأصفر»، بقيت جثامين ورفات فلسطينيين أسيرة تحت ركام منازلهم، قبل أن تقوم جرافات الاحتلال بتجريف تلك المناطق ودفع ركام البيوت، بما يحمله من بقايا بشرية، إلى ما وراء «الخط الأصفر».

إنها مأساة تتجاوز تدمير الحجر. فحين يُجرف الركام الذي يحتضن رفات الضحايا، تُقتلع معه آثار الإنسان من المكان، وكأن المطلوب ألا يبقى للجريمة شاهد، ولا للضحية قبر، ولا للعائلة مكان تقف فيه لتقول للمرة الأخيرة: هنا يرقد من نحب.

وهنا يجب أن يُطرح السؤال بلا مواربة: أين أصبحت رفات هؤلاء؟ من يعرف مصيرها؟ أين أسماء أصحابها؟ ومن سيعيدها إلى عائلاتها؟

ترك هذه الأسئلة معلقة ليس مجرد تقصير، بل استمرار لمعاناة الجريمة. فالعائلة التي لا تعرف أين يوجد جسد ابنها لا تستطيع أن تحزن بصورة طبيعية. إنها تعيش ما يمكن تسميته بـ«الحداد المعلّق»: انتظار لا ينتهي، وذاكرة بلا قبر، وفقد بلا خاتمة.

إن احتجاز الجثمان الفلسطيني، أو إخفاء مصيره، أو تركه تحت الأنقاض، لا يمس الموتى وحدهم؛ إنه يعاقب الأحياء أيضاً. حين تُحرم أم من احتضان جثمان ابنها للمرة الأخيرة، أو يُحرم أب من دفن طفله، فإن العقاب يتجاوز الضحية إلى عائلته، ويستمر أثر الجريمة بعد توقف القتل.

وفي غزة، يزداد القلق مع الجثامين التي جرى تسليمها، والتي بلغ عددها، وفق توثيق الحملة، 930 جثماناً. واسترداد هذه الجثامين لا ينبغي أن يكون نهاية الملف، بل بداية لتحقيق مستقل وجدي في ظروف احتجازها والتعامل معها، وفي أي انتهاكات محتملة لحرمة الأجساد وكرامة الموتى. فالحقيقة ليست ترفاً، والعدالة لا تتجزأ، وحرمة الجثمان لا تسقط تحت أي ذريعة.

لقد آن الأوان لأن تتعامل المؤسسات الحقوقية الفلسطينية والدولية والمجتمع الدولي مع قضية الجثامين والمفقودين والرفات باعتبارها ملفاً مستقلاً من ملفات العدالة، لا هامشاً في ملفات الحرب والسياسة. المطلوب آلية دولية مستقلة وشفافة لحصر أعداد المفقودين، وتحديد مواقع الرفات، وانتشالها، وإجراء فحوص التعرف إلى الهوية، وتوثيق ظروف الوفاة والاحتجاز، والكشف عن أماكن الجثامين المحتجزة، وضمان إعادتها إلى عائلاتها دون شروط أو ابتزاز.

فلا يجوز أن يبقى الركام مقبرة بلا أسماء، ولا أن يصبح الجثمان ورقة مساومة، ولا أن تتحول الرفات إلى أسرار مدفونة خلف الحدود.

إن كرامة الإنسان لا تنتهي بموته. وحق الشهيد في أن يُدفن، وحق عائلته في معرفة مصيره، ليسا منحة سياسية ولا مطلباً قابلاً للتفاوض. إنهما حقان إنسانيان أساسيان، لا يسقطان بالقصف، ولا بالاحتلال، ولا بمرور الزمن.

وما بين جثمان محتجز، ورفات تحت الركام، ومفقود لا يُعرف مصيره، تبقى الحقيقة الفلسطينية جرحاً مفتوحاً.

ولن تُغلق هذه الصفحة إلا عندما يُسترد كل جثمان، وتُكشف حقيقة كل مفقود، وتُستخرج كل رفات من تحت الركام، وتعود إلى عائلاتها؛ عندها فقط تستطيع أم أن تبكي ابنها أمام قبره، ويستطيع أب أن يودع طفله، وتستطيع عائلة فلسطينية أن تقول أخيراً: هنا يرقد من نحب، وهنا تنتهي رحلة الانتظار.