غازي أبو جياب: مناضل فدائي وقراءة مغايرة..
رحل المناضل الفلسطيني والقيادي البارز في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، غازي أبو جياب «أبو الأمجد»، تاركاً خلفه سيرة طويلة من العمل الفدائي والاعتقال والنضال السياسي والفكري. غير أن قيمة تجربته لا تكمن فقط في سنوات المواجهة والاعتقال، بل في قدرته على الجمع بين صلابة المناضل وشجاعة النقد، وبين التمسك بالمبادئ والقدرة على قراءة الواقع كما هو، لا كما تشتهي الشعارات.
كان أبو جياب رجلاً قوياً صادقاً وصريحاً، لا يعرف المواربة في مواقفه. عُرف بصدقه الشديد ومقته للكذب والالتفاف، ولم يكن يحترم من يمارسها، سواء في الحياة العامة أو في العمل الوطني. وكان يرى أن الصدق والوضوح شروطاً أساسية لأي عمل وطني جاد.
بدأ غازي أبو جياب انخراطه في العمل الوطني الفدائي في وقت مبكر، في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في قطاع غزة، في ظل وجود قيادات وكوادر كانت نموذجاً للتضحية والالتزام، ومنهم أبو حافظ جلال عزيزة.
كان غازي أبو جياب الأصغر سناً في مجموعته، لكنه كان، بحسب من عايشوا تلك المرحلة، من أكثر أفرادها نشاطاً وفاعلية. بدأ نشاطه الفدائي في مطلع عام 1969، ولم تمضِ سوى أشهر حتى اعتُقلت المجموعة في النصف الثاني من العام نفسه. وكان غازي حينها في السادسة عشرة من عمره تقريباً.
حُوكم بالمؤبد على ست عشرة عملية عسكرية ضد جنود الاحتلال، من بينها العملية التي عُرفت لاحقاً باسم "عملية ساحة الشجاعية"، أو "ساحة دافيد"، نسبة إلى ضابط إسرائيلي قُتل خلالها.
كانت المنطقة التي أصبحت تعرف بهذا الاسم تشهد يومياً تجمعاً لجنود الاحتلال في ساحة المحطة، في المكان الذي يقع فيه سوق البسطات في غزة اليوم. ورصد الفدائي اليافع غازي أبو جياب تجمع الجنود، وتمكن من مهاجمته بقنبلتين يدويتين، ما أدى وفق الرواية المتداولة عن العملية، إلى وقوع عدد كبير من القتلى والجرحى من جنود الإحتلال، ومقتل ضابط إسرائيلي كبير يدعى دافيد، ليطلق الإحتلال على المكان اسم "ساحة ديفيد" مرتبطاً بالعملية.
وفي عملية أخرى، تمكن أبو جياب من قتل ضابط مسؤول عن الإسكان في الحكم العسكري على شاطئ دير البلح، والاستيلاء على مسدسه والانسحاب من المكان.
أما بقية العمليات التي حوكم عليها، فكانت عمليات مشتركة مع أفراد مجموعته.
لكن الاعتقال الطويل لم يكن بالنسبة إليه نهاية الطريق، بل تحول إلى مرحلة أخرى من بناء الذات. داخل السجن، اتجه أبو جياب إلى القراءة والتثقيف، وتعلم اللغة العبرية التي اتقنها بطلاقة تفوق أصحابها كما تعلم اللغة الإنجليزية وسعي لتعلم الروسية والفرنسبة.
وشارك مع رفاقه في نشر الوعي والمعرفة في صفوف المعتقلين، كما كان فاعلاً في ترتيب أوضاع الحركة الأسيرة، ولا سيما في سجن المجدل.
ومع سنوات الإعتقال، أصبح واحداً من القيادات المؤثرة والفاعلة داخل الحركة الأسيرة، وشارك في تنظيم وإدارة العديد من ملفاتها وأحداثها، وكان من أبرز الفاعلين في تنظيم عملية التبادل عام 1985، التي شكلت واحدة من أكبر عمليات تبادل الأسرى في تاريخ النضال الفلسطيني.
وفي هذه العملية خرج أبو جياب من السجن بعد سنوات طويلة ليس فقط باعتباره فدائياً أمضى شبابه في مواجهة الاحتلال، بل باعتباره أيضاً مناضلاً مثقفاً راكم تجربة سياسية وتنظيمية واسعة.
ربما كان الجانب الأكثر أهمية في شخصية غازي أبو جياب هو أنه لم يعتبر الانتماء إلى تنظيم سياسي إعفاءً من النقد، ولم يرَ في المقاومة حصانة تمنع مساءلة ممارسات بعض عناصرها.
وفي قراءته لتجربة الانتفاضة الفلسطينية، في كتيب باسم "ملاحظات إنتقادية في واقع الإنتفاضة" أكد أبو جياب على أن قوة الإنتفاضة الأساسية تكمن في طابعها الجماهيري، وأن حماية الحاضنة الشعبية يجب أن تكون أولوية لا تقل أهمية عن الفعل المقاوم نفسه.
كان يرى أن تحويل الانتفاضة من حركة شعبية واسعة إلى ساحة تتحكم فيها المجموعات المسلحة قد يؤدي إلى عزل المجتمع عن معركته اليومية، ويضعف أحد أهم عناصر القوة في التجربة الفلسطينية.
كما رفض محاولات بعض القوى فرض أجنداتها الحزبية والاجتماعية على المجتمع تحت غطاء الانتفاضة. وكان يؤكد ضرورة الحفاظ على التعددية السياسية والاجتماعية، وعدم استغلال ظروف المواجهة لفرض أنماط جديدة من السلوك الإجتماعي أو الثقافة بالقوة.
وكان نقده أكثر حدة عندما يتعلق الأمر بالمجموعات المسلحة التي تنحرف عن وظيفتها الوطنية. فقد رفض القتل العشوائي، والحسابات الشخصية، والفئوية وتحويل المقاومة إلى غطاء لتصفية الخلافات أو ممارسة وفرض النفوذ.
ولم يتوقف نقده عند هذا الحد، بل امتد إلى ظواهر الفساد والابتزاز المالي وفرض الإتاوات على المواطنين والتجار، من أغلب المجموعات معتبراً أن هذه الممارسات لا تسيء فقط إلى أصحابها، وإنما تضرب صورة المقاومة وتستنزف ثقة المجتمع بالقضية التي يدفع ثمنها يومياً.
كما حذر من أزمة القيادة ومن تراجع العمل المؤسسي الجماعي لمصلحة الفردية والتناحر الفصائلي، داعياً إلى الحفاظ على دور القيادة الوطنية الموحدة باعتبارها الإطار القادر على إدارة العمل الشعبي وحماية المجتمع.
كان هذا النوع من النقد بالنسبة إلى أبو جياب جزءاً من المقاومة، وليس خروجاً عليها.
لكن المحطة الأكثر إثارة للجدل في تجربته السياسية جاءت عام 1993، مع توقيع اتفاقيات أوسلو. حين اختلف مع السائد.
في الوقت الذي اتخذت فيه الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين موقفاً رافضاً للاتفاقية ولما ترتب عليها، قدم أبو جياب قراءة مختلفة، أثارت في حينها نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الوطنية وداخل تنظيمه تخديداً.
لم يكن موقفه، كما يفهم من تجربته، نابعاً من اعتقاد بأن أوسلو حققت المشروع الوطني الفلسطيني، ولا من تخليه عن الأهداف الوطنية في التحرير، وإنما من قراءة سياسية رصينة للواقع الجديد.
كان يرى أن أوسلو أصبحت واقعاً سياسياً وميدانياً قائماً، وأن مجرد رفضها بالشعارات والمناكفة لن يؤدي إلى إسقاطها. ومن هنا طرح سؤالاً مختلفاً: إذا كان الواقع قد تغير، فهل الأفضل للقوى الوطنية المعارضة أن تقف خارجه، أم تدخل إليه لتؤثر فيه وتسعى لتحسين شروطه؟
من هذا المنطلق، دعا إلى عدم الانكفاء، وإلى أن تدخل القوى الوطنية والمعارضة إلى المؤسسات والإفرازات السياسية التي نشأت عن الاتفاق، بهدف التأثير في مسارها وتحسين شروط الواقع الجديد والتعديل بالمشاركة وليس الإنكفاء.
وكان تحذيره الأساسي أن مقاطعة هذه المؤسسات والإفرازات ستترك الساحة خالية أمام طرف فلسطيني واحد، ليعيد وحده صياغة مستقبل المجتمع والمؤسسات والمشروع الوطني.
كان ذلك موقفاً شديد الجرأة في لحظته، خصوصاً أنه جاء من شخصية قيادية داخل تنظيم اتخذ موقفاً واضحاً وصارماً من أوسلو.
كان يرى أن المصلحة الوطنية قبل الحسابات التنظيمية، وقد يختلف البعض حول قراءة غازي أبو جياب لأوسلو، كما يمكن أن يختلفوا حول بعض مواقفه من الانتفاضة والمقاومة والعمل الفصائلي. لكن ما يصعب إنكاره هو أن الرجل امتلك شجاعة نادرة في أن يطرح ما يعتقد أنه صحيح، حتى عندما لا يتطابق مع الموقف السائد داخل تنظيمه أو البيئة السياسية المحيطة به.
وهنا تكمن أهمية تجربته. فالرجل الذي حمل السلاح في السادسة عشرة، وقضى سنوات طويلة في سجون الاحتلال، ثم خرج ليصبح فاعلاً في الحياة التنظيمية والسياسية، لم يسمح لتاريخه النضالي بأن يتحول إلى حصانة تمنعه من النقد.
كان يرى أن القضية الفلسطينية أكبر من الفصيل، ومن المجموعة المسلحة، وأن التنظيم وسيلة لخدمة القضية وليس غاية بذاتها.
ولهذا كان نقده موجهاً أحياناً إلى الآخرين، وأحياناً إلى البيئة التي ينتمي إليها هو نفسه.
مناضل لا يخاف من تسمية الأشياء، في زمن تكثر فيه المجاملات السياسية، والدجل السياسي، وتختلط فيه الحقيقة بالحسابات التنظيمية، تبدو سيرة غازي أبو جياب أكثر أهمية من مجرد استعادة اسم من أسماء الحركة الوطنية الفلسطينية.
لقد ترك وراءه نموذجاً مختلفاً للمناضل: فدائي لم يتخل عن حلم التحرير، وأسير حوّل سنوات السجن إلى مدرسة للمعرفة والتنظيم، وقائد لم يعتبر الاختلاف خيانة، ومثقف متفرد لم يخشَ ولم يتردد أن يقول ما يعتقد أنه صحيح حتى عندما كان ذلك مكلفاً سياسياً له.
ولعل أكثر ما يميز تجربته أن الصراحة والوضوح والصدق عنده لم تكن موقفاً شخصياً فقط، بل كانت جزءاً من فهمه للعمل الوطني.
كان يكره الكذب والمداهنة، ويرى أن الخداع والدجل لا يمكن أن يبني حركة وطنية أو مجتمعاً قادراً على الصمود. ولذلك بقيت مواقفه واضحة، حتى عندما كانت مثيرة للجدل، وحتى عندما خالف بها رفاقاً ومواقف تنظيمية راسخة.
رحل غازي أبو جياب، لكن سيرته تفتح سؤالاً أكبر من رحيل رجل:
هل تحتاج الحركة الوطنية الفلسطينية اليوم إلى مزيد من الشعارات، أم إلى مزيد من المناضلين الذين يمتلكون شجاعة النظر إلى الواقع كما هو، وشجاعة الاعتراف بالأخطاء، وشجاعة قول الحقيقة حتى داخل صفوفهم؟
ربما كانت هذه هي الرسالة الأهم التي تركها أبو جياب خلفه.
ففي نهاية المطاف، لا تُقاس قيمة المناضل بعدد السنوات التي حمل فيها البندقية أو أمضاها خلف القضبان فقط، وإنما أيضاً بقدرته على حماية القضية من أخطاء أصحابها، وحماية المجتمع من الانحراف باسمها، وحماية الحقيقة من أن تتحول إلى ضحية للمجاملة السياسية.
وهذا تحديداً ما يجعل غازي أبو جياب حاضراً في الذاكرة الفلسطينية، لا باعتباره فدائياً وأسيراً وقيادياً فحسب، بل باعتباره رجلاً آمن بأن الصدق والوضوح والمصارحة ليست نقاط ضعف في العمل الوطني، وإنما قد تكون، في أكثر الأوقات تعقيداً، آخر ما تبقى من أدوات إنقاذه.