أخبار

من مصدق إلى قوام: كيف تتغير معايير السياسة الخارجية الإيرانية بعد الحرب؟

من مصدق إلى قوام: كيف تتغير معايير السياسة الخارجية الإيرانية بعد الحرب؟

طهران: تواجه السياسة الخارجية الإيرانية، في مرحلة ما بعد الحرب، اختبارًا يتجاوز قدرتها على الصمود أمام الضغوط الخارجية إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بالمعايير التي يحكم بها الإيرانيون أنفسهم على نجاح هذه السياسة. فبينما بنت الجمهورية الإسلامية جانبًا مهمًا من شرعيتها على مفاهيم المقاومة والاستقلال ومواجهة الهيمنة، تبدو قطاعات من الأجيال الإيرانية الأصغر سنًا أكثر ميلًا إلى تقييم السياسة الخارجية وفق نتائجها العملية وانعكاساتها المباشرة على الاقتصاد والحياة اليومية.

هذه هي الفكرة المركزية التي يناقشها محمد مظهري (Mohammad Mazhari) في مقال تحليلي نشره مركز ستيمسون (Stimson Center) في 11 أغسطس 2026، مستعينًا بمقارنة تاريخية بين رئيسي الوزراء الإيرانيين محمد مصدق وأحمد قوام السلطنة، ليطرح سؤالًا حول ما إذا كانت إيران بحاجة، في المرحلة المقبلة، إلى بطولة مصدق الرمزية أم إلى براغماتية قوام واهتمامه بتحقيق النتائج.

مصدق وقوام.. البطولة في مواجهة النتائج

يستعيد مظهري مقارنة كان عالم الاجتماع الإيراني الراحل إحسان نراقي قد طرحها بين شخصيتين تركتا بصمتين مختلفتين في التاريخ السياسي الإيراني. الأولى محمد مصدق، الذي أصبح رمزًا وطنيًا بعد تأميم صناعة النفط ومواجهة بريطانيا، قبل أن يُطاح بحكومته في انقلاب عام 1953. والثانية أحمد قوام السلطنة، الذي نجح خلال أزمة أذربيجان عام 1946 في تحقيق إنجاز دبلوماسي تمثل في انسحاب القوات السوفيتية من إيران، من دون أن يحتل في الذاكرة الجماعية الإيرانية مكانة تضاهي مصدق.

المفارقة التي ينطلق منها المقال هي أن الذاكرة السياسية كثيرًا ما تكافئ البطولة والمواجهة أكثر مما تكافئ النتائج العملية. مصدق أصبح رمزًا للاستقلال والسيادة الوطنية، بينما بقي قوام، رغم نجاحه الدبلوماسي الملموس، شخصية أكثر إثارة للجدل وأقل حضورًا في المخيال الوطني.

ويرى الكاتب أن هذه المقارنة التاريخية اكتسبت أهمية جديدة بعد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وفي ظل ما تواجهه البلاد من ضغوط اقتصادية وسياسية وتحديات تتعلق بإعادة صياغة علاقاتها الخارجية.

قومية جديدة لتعزيز الالتفاف الداخلي

يشير المقال إلى أن النظام الإيراني حاول، منذ الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على المواقع النووية والعسكرية الإيرانية في يونيو 2025، توسيع قاعدة خطابه السياسي عبر الجمع بين الرمزية الشيعية الثورية والقومية الإيرانية.

ولم يعد الخطاب الرسمي يعتمد فقط على الرموز الدينية والثورية، بل استدعى شخصيات ورموزًا من التاريخ الإيراني السابق للإسلام، مثل آراش الرامي والملوك الفرس القدماء، في محاولة لتعزيز الوحدة الوطنية وإيجاد أرضية أوسع للالتفاف حول الدولة.

لكن هذا الالتفاف، وفق المقال، لم يكن دائمًا. فمع عودة الضغوط الاقتصادية والاحتجاجات الداخلية والقمع الذي واجهتها به السلطات، عادت الفجوة بين الدولة وقطاعات من المجتمع إلى الظهور، بما كشف محدودية قدرة الخطاب القومي وحده على معالجة الأزمة.

جيل يسأل عن العقوبات والوظائف

التحول الأهم الذي يرصدُه المقال يتعلق بطريقة نظر جيل إيراني أصغر سنًا إلى السياسة الخارجية. وينقل الكاتب عن الباحث السياسي الإيراني نويد كالهرودي أن الأسئلة المطروحة لدى الشباب أصبحت أكثر عملية: هل تؤدي هذه السياسة إلى تخفيف العقوبات؟ هل توفر وظائف؟ هل تسهل السفر والدراسة؟ وهل تتيح الوصول إلى التكنولوجيا والاقتصاد العالمي؟

وبذلك ينتقل معيار النجاح من القدرة على الصمود والمواجهة إلى القدرة على تحقيق نتائج ملموسة.

ويستشهد الكاتب باستطلاعات حديثة يقول إنها تشير إلى وجود تأييد واسع لاتفاق نووي مع القوى الغربية ولتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة، معتبرًا أن ذلك لا يعني بالضرورة إعجابًا بواشنطن، بقدر ما يعكس تراجع الاعتقاد بأن المواجهة الدائمة معها تمثل في حد ذاتها مهمة وطنية ذات معنى.

لكن تجدر الإشارة إلى أن المقال، بحسب المادة التي أعدتها نشرة مينا إنتل بريف، لا يحدد الجهات التي أجرت هذه الاستطلاعات، ولذلك ينبغي التعامل مع هذه الإشارة باعتبارها جزءًا من الحجة التحليلية للكاتب وليس باعتبارها بيانات مستقلة موثقة.

مصدق و«التوازن السلبي»

لم تكن سياسة مصدق، بحسب المقال، مجرد مواجهة مع بريطانيا بشأن النفط، بل استندت إلى تصور أوسع للاستقلال الوطني عُرف بـ«التوازن السلبي». وقد رفض مصدق فكرة منح قوة أجنبية امتيازًا لموازنة امتياز تملكه قوة منافسة، وربط الاستقلال الخارجي بإصلاح النظام السياسي الداخلي، وتقوية البرلمان، وتقييد سلطة الملك، وترسيخ السيادة الشعبية.

ولهذا بقي إرثه عميقًا في الفكر السياسي الإيراني، خصوصًا في قضايا السيادة والسيطرة على الموارد ومقاومة التدخل الأجنبي.

لكن المقال يشير في الوقت نفسه إلى حدود تجربته؛ إذ لم تتمكن حكومته من تحويل النجاح الرمزي الكبير لتأميم النفط إلى تسوية اقتصادية ودبلوماسية مستقرة، وانتهت تجربته بانقلاب 1953 وعودة الشاه بدعم أمريكي وبريطاني.

قوام.. البراغماتية بدل البطولة

على الجانب الآخر، يمثل أحمد قوام نموذجًا مختلفًا. ففي أزمة أذربيجان عام 1946 اعتمد التفاوض المباشر مع الاتحاد السوفيتي، مستفيدًا في الوقت نفسه من الضغوط الأمريكية ودور الأمم المتحدة.

وجمع أسلوبه، وفق قراءة الكاتب، بين الغموض الدبلوماسي والالتزامات المشروطة والتراجع التكتيكي عند الضرورة، وهو ما أتاح له تحقيق الهدف الأساسي: خروج القوات السوفيتية من إيران.

ومن هنا تصبح المقارنة بين مصدق وقوام أكثر من مجرد استعادة للتاريخ؛ فهي تعكس مفاضلة بين سياستين: الأولى تستمد شرعيتها من المبدأ والرمزية والمقاومة، والثانية تقيس النجاح بمدى تحقيق المصالح والنتائج.

اختلاف جوهري مع الجمهورية الإسلامية

ويلفت المقال إلى ضرورة التمييز بين معاداة الإمبريالية لدى مصدق وبين الخطاب الذي تبنته الجمهورية الإسلامية لاحقًا.

فمقاومة التدخل الخارجي عند مصدق ارتبطت، بحسب الكاتب، بالسيادة البرلمانية والمحاسبة الدستورية، بينما فصلت الجمهورية الإسلامية مقاومة الهيمنة الخارجية عن المساءلة الديمقراطية، واستخدمتها لتبرير مركزية السلطة والتدخل الإقليمي والقيود الداخلية.

وهذا الاختلاف يجعل استدعاء الدولة الإيرانية لإرث مصدق أو الرموز القومية أكثر تعقيدًا، لأن قطاعات من المجتمع قد لا ترى تناقضًا بين الدفاع عن الاستقلال الوطني والمطالبة في الوقت نفسه بتغيير السياسات الداخلية والخارجية.

ما بعد «المقاومة البطولية»

يذهب الكاتب أبعد من ذلك محذرًا من افتراض أن مجرد استخدام الرموز الوطنية سيضمن التفاف الشباب حول النظام. فجزء من المجتمع الإيراني، وفق تحليله، لم يتجاوز فقط الإسلام السياسي الثوري أو الإصلاحية المرتبطة بمؤسسات الدولة، وإنما بدأ أيضًا يتجاوز شكلًا من القومية الشعبوية المبنية على المقاومة البطولية والاستشهاد والتضحية المفتوحة.

وهنا تكمن الدلالة الأوسع للمقارنة بين مصدق وقوام: المسألة ليست بالضرورة تخلي الإيرانيين عن فكرة السيادة الوطنية أو الاستقلال، وإنما إعادة تعريف ما يعنيه النجاح في الدفاع عنهما.

فإذا كان معيار السياسة الخارجية سابقًا هو القدرة على تحدي القوى الكبرى والصمود أمامها، فإن المعيار الجديد قد يصبح أكثر ارتباطًا بقدرتها على حماية المصالح الإيرانية مع خفض كلفة المواجهة على المواطنين.

اختبار ما بعد الحرب

في النهاية، يضع المقال القيادة الإيرانية أمام معضلة أساسية: هل تستطيع الانتقال من سياسة تقوم بدرجة كبيرة على رمزية المقاومة إلى سياسة أكثر براغماتية، تحقق تسويات تسمح بتخفيف العقوبات وتحسين الاقتصاد وإعادة دمج إيران جزئيًا في النظام الدولي، من دون التخلي عن مفهوم الاستقلال الوطني؟

ويترك الكاتب السؤال مفتوحًا بشأن قدرة نظام أنهكته الحروب والانقسامات الداخلية على الوصول إلى مثل هذه التسوية، أو ما إذا كان سيواصل إعطاء الأولوية لبقائه السياسي حتى مع استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

وبهذا المعنى، لا تبدو المقارنة بين مصدق وقوام مجرد جدل حول شخصيتين من التاريخ الإيراني، بل تعبيرًا عن سؤال حاضر ومستقبلي: هل تحتاج إيران بعد الحرب إلى سياسة خارجية تُقاس بقدرتها على تجسيد المقاومة، أم بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة للإيراني.