المشير عاصم منير ومفارقة باكستان: نفوذ خارجي متصاعد وأزمات داخلية تلاحق السلطة
إسلام آباد: تعيش باكستان مفارقة سياسية لافتة: ففي الوقت الذي استعادت فيه قدرًا من حضورها الدبلوماسي والإقليمي، ونجحت قيادتها العسكرية في بناء شبكة علاقات تمتد من واشنطن إلى بكين وأنقرة ودول الخليج، تتفاقم في الداخل أزمات اقتصادية وأمنية وسياسية تهدد استدامة هذه المكاسب.
هذه المفارقة هي محور مقال رأي للكاتب ساداناند دهومي (Sadanand Dhume)، الزميل الأول في معهد أمريكان إنتربرايز، نشرته صحيفة وول ستريت جورنال في 12 أغسطس/آب 2026، وتناول فيه الصعود السياسي والدبلوماسي للمشير عاصم منير، محذرًا من أن نجاحاته الخارجية قد لا تصمد إذا استمر ركود الاقتصاد وتصاعدت الاضطرابات الداخلية.
صعود غير تقليدي إلى قمة المؤسسة العسكرية
يقدم دهومي مسيرة عاصم منير بوصفها قصة صعود غير مألوفة داخل المؤسسة العسكرية الباكستانية. فقد جاء من خلفية متواضعة؛ كان والده معلم مدرسة وإمام مسجد محلي، كما أن منير لم يتخرج من الأكاديمية العسكرية الباكستانية المرموقة قرب أبوت آباد، التي تخرج منها معظم قادة الجيش السابقين، وإنما من كلية تدريب ضباط أقل شهرة. كذلك ظلت خبرته الدولية قبل توليه قيادة الجيش عام 2022 محدودة نسبيًا، واقتصرت على دورات وتنسيبات في السعودية وماليزيا واليابان.
لكن مسار منير تغير بسرعة بعد وصوله إلى قيادة الجيش. ففي عام 2024 عدّل البرلمان الباكستاني مدة ولاية قائد الجيش من ثلاث إلى خمس سنوات، وهو تعديل قد يسمح، في حال تمديد ولايته مجددًا، ببقائه في موقعه حتى عام 2035. كما رُقي إلى رتبة مشير وتولى قيادة قوات الدفاع، بما يمنحه سلطة تتجاوز الجيش البري لتشمل القوات الجوية والبحرية، إضافة إلى حصوله على حصانة مدى الحياة من الملاحقة القضائية.
وفي مقابل هذا التعزيز الكبير لموقع منير، يشير المقال إلى استمرار اعتقال رئيس الوزراء السابق عمران خان، أبرز خصومه السياسيين، في مشهد يعكس حجم التحول في ميزان القوة داخل النظام الباكستاني.
دبلوماسية متعددة الاتجاهات
تكمن أبرز نجاحات منير، وفق قراءة دهومي، في قدرته على إدارة علاقات متوازية مع قوى يصعب الجمع بينها في شبكة واحدة. فقد عملت إسلام آباد على تعميق علاقاتها مع واشنطن من دون التضحية بشراكتها الاستراتيجية مع بكين، بالتزامن مع توسيع التعاون الدفاعي مع أنقرة والحفاظ على قنوات مفتوحة مع السعودية وقطر وإيران.
ويضع المقال انضمام باكستان إلى اتفاقية مكة للدفاع المشترك مع السعودية وتركيا ضمن أحدث مظاهر هذا النشاط الدبلوماسي، معتبرًا أن منير استطاع استخدام أوراق بلاده السياسية والعسكرية لإعادة تعزيز موقعها في التوازنات الإقليمية والدولية.
وتذهب الباحثة فرزانة الشيخ، من تشاتام هاوس، بحسب ما ينقله المقال، إلى أن باكستان أصبحت أقرب من أي وقت مضى إلى تحقيق طموحها التاريخي بأن تكون «الأول بين متساوين» في العالم الإسلامي، نتيجة الطريقة التي يدير بها منير أوراق بلاده السياسية.
الوجه الآخر: أزمات تتسع في الداخل
غير أن الصورة الخارجية لا تعكس واقعًا داخليًا مستقرًا. فالمقال يرصد مجموعة من بؤر الاضطراب التي تتزامن مع توسع نفوذ المؤسسة العسكرية.
في كشمير الخاضعة للإدارة الباكستانية، يشير المقال، استنادًا إلى منظمة مجتمع مدني، إلى مقتل ما لا يقل عن 30 شخصًا على يد قوات الأمن منذ يونيو/حزيران خلال احتجاجات مرتبطة بتردي الأوضاع الاقتصادية وغياب التمثيل السياسي. وفي إقليم خيبر بختونخوا، تصاعدت هجمات حركة طالبان باكستان التي تستفيد من ملاذات في أفغانستان المجاورة.
أما بلوشستان، الغنية بالغاز الطبيعي والنحاس، فتشهد تمردًا انفصاليًا وحرب عصابات تترافق، بحسب المقال، مع رد أمني وعسكري شديد وتشديد القيود المفروضة على وسائل الإعلام. وتنقل وول ستريت جورنال عن فرزانة الشيخ قولها إن صعوبة الوصول إلى الإقليم باتت تجعل حتى الكتابة عنه مخاطرة، وهو ما يحد في الوقت نفسه من القدرة على التحقق المستقل من تفاصيل ما يجري هناك.
وهكذا تظهر الفجوة الأساسية في تجربة منير: فبينما تتوسع قدرة باكستان على المناورة خارجيًا، لا توفر هذه النجاحات في حد ذاتها حلولًا للمشكلات الاقتصادية أو للاضطرابات السياسية والأمنية المتراكمة في الداخل.
الجيش.. أصل القوة الباكستانية
يربط دهومي هذه المفارقة بالبنية التاريخية للدولة الباكستانية نفسها. فمنذ الاستقلال عام 1947، ظل الجيش المؤسسة الأكثر تماسكًا ونفوذًا في البلاد. وقد ورثت باكستان عند تأسيسها نحو ثلث الجيش الهندي البريطاني المدرب جيدًا، وتمكنت المؤسسة العسكرية لاحقًا من المحافظة على درجة عالية من التماسك المؤسسي.
ومن هنا يرى الكاتب أن الجيش يمثل أحد أهم أصول باكستان على المستوى الدولي، لكنه في الوقت نفسه أصبح مركز الثقل الحقيقي في النظام السياسي. وبحسب المقال، فإن الدور الهائل الذي تلعبه المؤسسة العسكرية يجعل المشير عاصم منير، وليس رئيس الوزراء شهباز شريف، صاحب النفوذ الفعلي الأكبر في القرار الاستراتيجي، وصولًا إلى السيطرة على القرار النووي الباكستاني.
هذه المكانة تفسر كيف استطاع منير تحويل القوة العسكرية الباكستانية إلى ورقة دبلوماسية، خصوصًا في علاقات إسلام آباد مع القوى الكبرى ودول الشرق الأوسط، لكنها تكشف أيضًا عن معضلة أعمق تتعلق بمدى قدرة دولة تعتمد بهذا الحجم على مؤسستها العسكرية على تحقيق استقرار سياسي واقتصادي طويل الأمد.
مفارقة النجاح الخارجي
في المحصلة، يقدم مقال وول ستريت جورنال عاصم منير بوصفه قائدًا نجح في رفع القيمة الاستراتيجية لباكستان وإعادة توسيع مساحة حركتها الخارجية، لكنه يفعل ذلك في وقت تتراكم فيه الضغوط داخل الدولة التي يقود مؤسستها الأقوى.
فتركيز السلطة، واستمرار الأزمة السياسية، والركود الاقتصادي، وتصاعد هجمات طالبان باكستان، والتمرد في بلوشستان، والاضطرابات في كشمير، تشكل جميعها اختبارًا أكثر صعوبة من القدرة على بناء شبكة علاقات دولية متوازنة. ويلخص دهومي هذه المعضلة بالتحذير من أن العناوين البراقة في الخارج قد تنجح مؤقتًا في صرف الأنظار عن المشكلات المتنامية في الداخل، لكن الوقائع الداخلية ستفرض نفسها في نهاية المطاف.
وبذلك لا يتمثل التحدي الحقيقي أمام منير في مواصلة الصعود الدبلوماسي لباكستان فحسب، بل في تحويل هذا النفوذ الخارجي إلى مكاسب اقتصادية وسياسية وأمنية ملموسة في الداخل. فإذا تعذر ذلك، قد تتحول المفارقة الباكستانية من مصدر قوة للمشير إلى الاختبار الذي يحدد في النهاية حدود مشروعه واستدامة نفوذه.