أخبار

الصين لا تتراجع أمام «ملحق ترامب» في أميركا اللاتينية

الصين لا تتراجع أمام «ملحق ترامب» في أميركا اللاتينية

بكين: تواصل الصين توسيع حضورها الاقتصادي والسياسي في أميركا اللاتينية، مستفيدة من فجوة متزايدة بين الأدوات الأمنية والسياسية التي تستخدمها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في المنطقة، وبين ما تعرضه واشنطن من حوافز اقتصادية لحلفائها. ويبدو أن هذه المعادلة تسمح لبكين بالحفاظ على نفوذها، بل وتعزيزه، حتى في دول يقودها رؤساء يُعدّون من أقرب حلفاء ترامب.

ويشير تحليل للكاتب جيمس بوسورث، مؤسس شركة Hxagon لتحليل المخاطر السياسية، نشره موقع World Politics Review في 24 أغسطس/آب 2026، إلى أن محاولات إدارة ترامب الحد من نفوذ القوى الخارجية في نصف الكرة الغربي، وخصوصًا الصين، ضمن ما بات يعرف بـ«ملحق ترامب لمبدأ مونرو»، لم تنجح في دفع دول المنطقة إلى الابتعاد اقتصاديًا عن بكين. ويرى بوسورث أن المشكلة الأساسية تكمن في أن السياسة الأميركية تجاه أميركا اللاتينية باتت «غزيرة بالعصا وشحيحة بالجزرة».

وجاء أحد أبرز المؤشرات على استمرار الحضور الصيني عندما أكد الرئيس شي جين بينغ أن لدول أميركا اللاتينية الحق في اختيار حلفائها «دون تدخل خارجي». ولم يكن توقيت التصريح منفصلًا عن سياقه السياسي؛ إذ جاء خلال لقاء شي بالرئيس الإكوادوري دانييل نوبوا، الذي أمضى ثمانية أيام في زيارة دولة للصين.

الإكوادور.. حليف واشنطن يتجه اقتصاديًا نحو بكين

تمثل الإكوادور نموذجًا واضحًا للتناقض بين الاصطفاف السياسي والأمني مع واشنطن، من جهة، وتعميق العلاقات الاقتصادية مع الصين، من جهة أخرى.

فالرئيس دانييل نوبوا أقام علاقة وثيقة مع ترامب، وزاره في مارالاغو خلال حملته الانتخابية عام 2025، وانضم مبكرًا إلى برنامج «درع الأميركتين»، ووافق على ضربات عسكرية أميركية داخل أراضي بلاده، كما أيد سياسات ترامب تجاه فنزويلا وفرض رسومًا جمركية على كولومبيا ردًا على سياسات الرئيس السابق غوستافو بيترو. ومع ذلك، زار نوبوا الصين مرتين خلال 14 شهرًا.

وتكشف الأرقام حجم المصالح التي تدفع كيتو في اتجاه بكين. فقد بلغ حجم التجارة الثنائية بين الإكوادور والصين 17.3 مليار دولار العام الماضي، بزيادة قدرها 24% مقارنة بعام 2024، فيما ارتفعت صادرات الإكوادور إلى السوق الصينية بأكثر من 20% خلال النصف الأول من العام الجاري. ويقدّر بوسورث أن الصين قد تتجاوز الولايات المتحدة خلال الأشهر المقبلة لتصبح أكبر شريك تجاري للإكوادور، وهو تقدير استشرافي للكاتب وليس حقيقة تحققت بعد.

وفي الوقت نفسه، وسعت شركات صينية حضورها في قطاع تعدين النحاس الإكوادوري من خلال شراء حصص كانت مملوكة لشركات أميركية وأوروبية وكندية. وخلال زيارة نوبوا الأخيرة، رفعت بكين قيودًا كانت مفروضة على بعض واردات الروبيان الإكوادوري، ووقع البلدان اتفاقيات في الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي، فيما جدد الرئيس الإكوادوري التزام بلاده بسياسة «الصين الواحدة».

حلفاء ترامب لا يغلقون الباب أمام الصين

لا تقتصر هذه الظاهرة على الإكوادور. فوفق تحليل بوسورث، تحافظ دول أخرى يقودها حلفاء سياسيون لترامب على علاقات اقتصادية وثيقة مع بكين.

فقد زار وزير الخارجية التشيلي فرانسيسكو بيريز ماكينا بكين وشنغهاي للترويج لجهود الرئيس خوسيه أنطونيو كاست لجذب الاستثمارات الأجنبية، في وقت أصبحت فيه الصين أكبر شريك تجاري لتشيلي، بحجم تجارة يناهز 67 مليار دولار خلال العام الماضي.

وفي السلفادور، زار رئيس الجمعية التشريعية إرنستو كاسترو الصين لدفع مفاوضات اتفاقية للتجارة الحرة. ويأتي ذلك رغم أن الرئيس نجيب بوكيلي يُعد من أقرب حلفاء ترامب في أميركا اللاتينية. والأكثر دلالة أن بوكيلي لم يتراجع عن قرار بلاده عام 2018 نقل الاعتراف الدبلوماسي من تايوان إلى الصين.

وتكشف هذه الحالات عن قدرة حكومات المنطقة على الفصل بين علاقاتها الأمنية والسياسية مع واشنطن ومصالحها الاقتصادية مع بكين. فالتحالف مع الولايات المتحدة لم يعد يعني بالضرورة التخلي عن الصين أو الحد من التعامل معها.

«العصا» الأميركية و«الجزرة» الصينية

بحسب بوسورث، تستفيد الصين تحديدًا من ضعف المكون الاقتصادي في استراتيجية ترامب تجاه أميركا اللاتينية. فقد استخدمت واشنطن أدوات ضغط مباشرة، من بينها التهديد بسحب تأشيرات مسؤولين تنفيذيين في شركة كهرباء أرجنتينية أبرمت عقدًا مع «هواوي».

لكن المشكلة بالنسبة إلى واشنطن أن الحوافز الاقتصادية التي حصل عليها حلفاؤها كانت محدودة. فالإكوادور وتشيلي والسلفادور تواجه اليوم رسومًا جمركية أعلى مما كانت عليه عندما عاد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025، من دون استثمارات أميركية كبيرة تعوض الأضرار الاقتصادية الناجمة عن هذه السياسات.

ومن هنا، يرى الكاتب أن بكين توصلت إلى أن «ملحق ترامب» قد يوفر للولايات المتحدة تعاونًا أمنيًا مع دول المنطقة، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى اصطفاف اقتصادي معها.

هذه الفجوة تمنح الصين مساحة للحركة؛ فهي تستطيع تقديم التجارة والاستثمار وتمويل البنية التحتية والوصول إلى السوق الصينية بوصفها عناصر جذب لدول تحتاج إلى النمو والاستثمارات، حتى عندما تكون حكوماتها أقرب سياسيًا إلى واشنطن.

بكين تستخدم «العصا» أيضًا

مع ذلك، لا يقدم بوسورث السياسة الصينية باعتبارها قائمة حصريًا على الحوافز. فبكين تلجأ بدورها إلى الإكراه الاقتصادي عندما ترى أن دولة ما تتحرك بعيدًا عنها.

وتبرز بنما مثالًا واضحًا. فبعد إبطال المحكمة العليا البنمية في يناير/كانون الثاني امتيازات شركة CK Hutchison، ومقرها هونغ كونغ، لتشغيل موانئ قناة بنما، احتجزت السلطات الصينية نحو 70 سفينة ترفع علم بنما خلال شهر واحد بذريعة عمليات التفتيش في الموانئ، كما جمدت مليارات الدولارات من الاستثمارات المخطط لها في البلاد.

وفي المقابل، بدأت الشركة إجراءات تحكيم للمطالبة بتعويضات لا تقل عن 1.5 مليار دولار، في تطور يرى الكاتب أنه يرسل رسالة إلى دول أخرى بشأن التكلفة المحتملة لتحدي المصالح الصينية.

كما أن الاستثمارات الصينية ليست خالية تمامًا من الشروط السياسية. فقد أسهم تجديد مبادلات العملة الصينية مع الأرجنتين في دفع الرئيس خافيير مايلي إلى تخفيف انتقاداته السابقة لبكين، فيما تستخدم الصين وعود المساعدات والاستثمارات الاقتصادية لتشجيع الدول على قطع علاقاتها الدبلوماسية مع تايوان.

المكسيك.. المفارقة الكبرى

المفارقة التي يتوقف عندها التحليل هي أن الدولة التي فرضت القيود الأكثر وضوحًا على التجارة الصينية ليست واحدة من الحكومات اليمينية المتحالفة مع ترامب، وإنما المكسيك التي تقودها الرئيسة اليسارية كلوديا شينباوم.

فقد فرضت المكسيك رسومًا تتراوح بين 20 و50% على بعض الواردات الصينية، ما أدى إلى تراجعها بصورة حادة خلال النصف الأول من العام. كما أفادت بلومبرغ، وفق ما ينقله التحليل، بأن مكسيكو سيتي تدرس جولة ثانية من إجراءات مكافحة الإغراق تستهدف الصلب والمركبات الصينية.

وتكتسب القضية أهمية خاصة بالنظر إلى التوسع الكبير لصناعة السيارات الصينية في السوق المكسيكية؛ إذ أصبحت المركبات الصينية تمثل أكثر من 20% من السيارات الجديدة، ونحو 60% من السيارات الكهربائية المباعة في البلاد.

وفي الوقت نفسه، لم تنضم شينباوم إلى برنامج «درع الأميركتين»، ودخلت في خلافات مع ترامب بشأن احتمال تنفيذ ضربات عسكرية، كما رفضت تبني خطاب واشنطن السياسي لمجرد ضمان موقع لها ضمن الاستراتيجية الأميركية.

وهنا تكمن، وفق بوسورث، المفارقة الأهم: استطاعت واشنطن تحقيق قدر من التوافق الاقتصادي مع حكومة تختلف معها سياسيًا، بينما أخفقت في تحقيق المستوى نفسه من الاصطفاف الاقتصادي لدى بعض أقرب حلفائها السياسيين.

الاقتصاد يرسم حدود النفوذ

تكشف المنافسة الصينية-الأميركية في أميركا اللاتينية عن تحول يتجاوز التقسيم التقليدي للمنطقة إلى حلفاء لواشنطن وآخرين لبكين. فدول المنطقة باتت أكثر استعدادًا للجمع بين التعاون الأمني والسياسي مع الولايات المتحدة والاستفادة في الوقت نفسه من التجارة والاستثمار الصينيين.

وفي هذا السياق، لا يبدو الاصطفاف السياسي وحده كافيًا لضمان النفوذ الاقتصادي. فالعلاقات الشخصية الوثيقة بين ترامب وعدد من قادة المنطقة لم تمنع هؤلاء من البحث عن فرص في الصين عندما لم تقدم واشنطن بدائل اقتصادية موازية.

لكن التجربة المكسيكية توضح في الوقت نفسه أن النفوذ الصيني ليس بلا حدود، وأن دول المنطقة تستطيع تقييد الحضور الصيني عندما تتقاطع مصالحها الاقتصادية الوطنية مع مصالح الولايات المتحدة، حتى من دون اصطفاف سياسي كامل مع واشنطن.

ويخلص بوسورث إلى أن ثمة درسًا للطرفين: الولايات المتحدة تستطيع بناء نفوذ أكثر رسوخًا عندما تربط سياساتها الأمنية والسياسية بأهداف ومصالح اقتصادية مشتركة، فيما تخاطر الصين بتقويض جاذبيتها عندما تتحول من تقديم الحوافز إلى ممارسة الإكراه الاقتصادي. غير أن المشكلة، في تقديره، هي أن القوتين الكبريين قد تكونان منشغلتين بالتنافس بينهما أكثر من انشغالهما بالاستماع إلى ما تريده دول أميركا اللاتينية نفسها.