أخبار

اتفاقية مكة والدفاع المشترك: تحالف إقليمي يضع طهران أمام مفارقة استراتيجية

اتفاقية مكة والدفاع المشترك: تحالف إقليمي يضع طهران أمام مفارقة استراتيجية

عواصم: اتفاقية مكة تكرّس اتجاهاً نحو أمن إقليمي أقل اعتماداً على الولايات المتحدة، لكنها تكشف في الوقت نفسه مفارقة استراتيجية لطهران: الفكرة التي دعت إليها طويلاً بدأت تتحقق من دون مشاركتها.

تواجه إيران مفارقة استراتيجية لافتة في الإقليم؛ فبعد سنوات من دعوتها دول الشرق الأوسط إلى تقليص اعتمادها الأمني على الولايات المتحدة وبناء ترتيبات أمنية إقليمية مستقلة، بدأت ملامح مثل هذا النظام تتشكل بالفعل، ولكن من دون طهران.

هذه هي الفكرة المركزية التي يطرحها الصحفي والمحلل الإيراني سعيد جعفري في مقال رأي نشرته مجلة Foreign Policy في 11 أغسطس 2026، إذ يرى أن اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي وقعتها السعودية وتركيا وباكستان، تمثل خطوة في اتجاه نظام أمني إقليمي جديد يستجيب جزئياً لما طالبت به إيران طوال سنوات، لكنه يقوم عملياً على تحالف بين قوى إقليمية أخرى لا تكون إيران جزءاً منه.

اتفاقية مكة ونواة بنية أمنية جديدة

وقعت السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس 2026 «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، التي تنص على التعامل مع أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث باعتباره هجوماً عليها جميعاً. وشبّه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان هذا الالتزام بالمادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي «الناتو».

ولا تقتصر الاتفاقية على مبدأ الدفاع المشترك، بل تتضمن إنشاء لجنة وزارية وأمانة دائمة مقرها السعودية، بما يمنحها طابعاً مؤسسياً يتجاوز مجرد التفاهم السياسي بين الدول الثلاث.

المفارقة أن إيران نفسها كانت من أبرز الداعين إلى بناء ترتيبات من هذا النوع. ففي سبتمبر 2025، رحب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان باتفاقية دفاع سعودية-باكستانية سابقة، معتبراً إياها بداية محتملة لنظام أمني إقليمي شامل بين الدول الإسلامية. كما دعا وزير الخارجية عباس عراقجي، في مايو من العام نفسه، دول المنطقة إلى بناء ترتيبات أمنية خاصة بها بدلاً من الاعتماد على القوى الخارجية.

وهكذا، فإن المشكلة بالنسبة لطهران لا تكمن في المبدأ الذي تستند إليه اتفاقية مكة، بل في أن النظام الإقليمي الذي طالما طالبت به بدأ يتبلور خارجها ومن دون مشاركتها.

المصالحة السعودية-الإيرانية لم تتحول إلى شراكة أمنية

كانت طهران تأمل أن يؤدي استئناف العلاقات الدبلوماسية مع السعودية عام 2023 إلى فتح الطريق أمام بناء آلية أمنية إقليمية مشتركة. إلا أن التقارب بين الرياض وطهران بقي، وفق قراءة جعفري، في حدود إدارة التوترات الثنائية ومنع التصعيد، ولم يتطور إلى نظام أمني مشترك فعلي.

وزادت حرب فبراير 2026 من تعقيد هذه الحسابات. فبعد اندلاع الحرب وضرب إيران منشآت أمريكية في الخليج وأراضي عربية بالصواريخ والمسيّرات، عاد عراقجي في 28 يونيو إلى طرح الرؤية الإيرانية التقليدية، داعياً إلى إعادة النظر في هندسة أمن الخليج وإقامة إطار يشمل جميع دول المنطقة ويستبعد وجود القوى الخارجية أو تدخلها.

لكن دولاً إقليمية استخلصت من الحرب نتيجة مختلفة: بدلاً من بناء منظومة أمنية تشارك فيها إيران، اتجهت إلى بناء تحالف قادر على التعامل مع التهديدات من دونها.

مخاوف إيران ساهمت في تشكيل التحالف

يؤكد فيدان أن اتفاقية مكة لا تستهدف إيران أو دولة بعينها، وأن المفاوضات بشأنها استمرت نحو ثلاث سنوات، ما يعني أنها لم تكن مجرد استجابة مباشرة للحرب الأخيرة.

لكن جعفري يرى أن المخاوف المرتبطة بالسلوك الإيراني لعبت دوراً في تعزيز دوافع إنشاء التحالف. فالسعودية تعرضت لصواريخ إيرانية خلال الحرب، كما تواجه تهديدات متجددة في البحر الأحمر مرتبطة بقوى مدعومة من إيران.

وبهذا المعنى، تكشف اتفاقية مكة عن إحدى النتائج الاستراتيجية غير المقصودة للسياسة الإيرانية: فبينما دعت طهران إلى إخراج القوى الخارجية وبناء أمن إقليمي ذاتي، دفعت مخاوف دول المنطقة من إيران نفسها بعض هذه الدول إلى البحث عن صيغة أمنية إقليمية لا تشملها.

تباين إيراني في قراءة الاتفاقية

جاء الموقف الإيراني من الاتفاقية متبايناً. ففي يوم توقيعها، كرر وزير الخارجية عباس عراقجي دعوته إلى الوحدة الإسلامية والاعتماد الإقليمي على الذات، في موقف بدا منسجماً مع الخطاب الإيراني التقليدي بشأن الأمن الإقليمي.

في المقابل، اتخذ النائب في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي موقفاً أكثر انتقاداً، معتبراً أن «اتفاقاً ورقياً» مع تركيا وباكستان لن يوفر الأمن للسعودية.

ويعكس هذا التباين معضلة أوسع أمام طهران: هل تتعامل مع التحالف الجديد باعتباره تطوراً يمكن احتواؤه والتكيف معه، أم تنظر إليه باعتباره تحدياً ينبغي اختبار تماسكه وقدرته على تنفيذ التزاماته؟

ثغرة في مفهوم الدفاع المشترك

على الرغم من تشبيه بند الدفاع المشترك بالمادة الخامسة للناتو، فإن الاتفاقية تترك قدراً من الغموض بشأن طبيعة الاستجابة التي ستقدمها الدول الأعضاء في حال تعرض إحداها لهجوم.

وأوضح فيدان أن الدول الثلاث ستتشاور بعد وقوع أي هجوم لتحديد «درجة وشكل ونوع الدعم»، وهو ما يعني أن الاتفاقية لا تفرض بالضرورة استجابة عسكرية تلقائية ومحددة مسبقاً.

وقد يمثل هذا الغموض نقطة ضعف محتملة يمكن لطهران أن تسعى إلى اختبارها، خصوصاً في ضوء تجربة الاتفاقية الدفاعية السابقة بين السعودية وباكستان. فعندما تعرضت السعودية لهجمات إيرانية، اقتصرت الاستجابة الباكستانية على إرسال قوات وطائرات ومنظومات دفاع جوي، من دون الانخراط المباشر في الحرب.

لكن محاولة اختبار حدود الاتفاقية تنطوي، بحسب جعفري، على مخاطرة كبيرة بالنسبة لإيران. فحتى إذا أظهر التحالف استجابة أقل من المتوقع، فإن أي تهديد إيراني قد يؤدي في النهاية إلى تعزيز التعاون بين أعضائه وتوسيع نطاقه بدلاً من إضعافه.

احتمال التوسع وموقع مصر

لا تبدو اتفاقية مكة بالضرورة إطاراً مغلقاً على الدول الثلاث المؤسسة. فتركيا تدعو بالفعل إلى توسيع الاتفاقية، فيما يجري تداول اسم مصر باعتبارها عضواً محتملاً في المستقبل.

ويكتسب احتمال التوسع أهمية استراتيجية خاصة بالنسبة لإيران، لأن انضمام قوى إقليمية إضافية يمكن أن يحول الاتفاقية تدريجياً من تفاهم دفاعي ثلاثي إلى نواة لمنظومة أمنية أوسع.

وهنا تبرز المفارقة بصورة أكثر وضوحاً: كلما تصاعد شعور دول المنطقة بالتهديد من إيران، ازدادت دوافعها للانضمام إلى ترتيبات أمنية إقليمية مستقلة عنها، الأمر الذي قد يؤدي إلى تعميق العزلة الاستراتيجية لطهران بدلاً من تحقيق رؤيتها لنظام أمني تشارك هي في قيادته.

خيار التهدئة مع الرياض

في مواجهة هذا الاحتمال، يرى جعفري أن تهدئة العلاقات مع السعودية قد تكون استراتيجية أكثر جدوى لإيران من اختبار حدود اتفاقية مكة.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية في ضوء تصريح مسؤول سعودي كبير بأن الاتصالات مع إيران «تسير في الاتجاه الصحيح»، بما يشير إلى أن قنوات التواصل بين الرياض وطهران ما تزال قائمة رغم التحولات الأمنية الجديدة.

لكن النقاش داخل إيران حول المسار الواجب اتباعه يكشف انقساماً واضحاً. فرئيس البرلمان محمد باقر قاليباف يدعو إلى تعزيز العلاقات مع دول المنطقة والعمل على بناء اتفاقيات أمنية دائمة، بينما يرى النائب المتشدد أمير حسين ثابتي أن الدبلوماسية، ولا سيما مع واشنطن، لا تستطيع ضمان أمن إيران، ويدعو بدلاً من ذلك إلى تعزيز الردع العسكري و«جبهة المقاومة».

معضلة إيران الجديدة

تكمن أهمية اتفاقية مكة بالنسبة لطهران في أنها لا تمثل مجرد تحالف جديد بين السعودية وتركيا وباكستان، بل تكشف تحولاً أعمق في البيئة الاستراتيجية المحيطة بإيران.

فالفكرة التي دفعت بها الجمهورية الإسلامية طوال سنوات — أمن إقليمي تقوده دول المنطقة ويقلل الاعتماد على الولايات المتحدة — لم تعد مجرد شعار إيراني. لكنها عندما بدأت تتحول إلى ترتيبات مؤسسية فعلية، جاءت بصيغة لا تمنح إيران موقعاً مركزياً فيها.

ومن هنا تصبح المعضلة الإيرانية مزدوجة: فإذا حاولت طهران اختبار التحالف الجديد بالقوة أو الضغط، فإنها قد تمنح أعضاءه سبباً إضافياً لتعزيز تعاونهم واستقطاب دول أخرى إليه. أما إذا اتجهت إلى تخفيف التوتر مع السعودية وبقية دول المنطقة، فقد تتمكن من الحد من تحول الاتفاقية إلى إطار أمني أوسع يقوم في جوهره على احتواء إيران.

وبحسب قراءة جعفري، فإن الخطر الأكبر الذي تواجهه طهران ليس فقط ظهور تحالف إقليمي جديد، وإنما أن يتحول السلوك الإيراني نفسه إلى القوة التي تدفع دول المنطقة إلى توسيع ذلك التحالف. فكلما ازدادت مخاوف الجيران من إيران، ازدادت احتمالات تشكل نظام أمني إقليمي أكثر تماسكاً من دونها.