استراتيجية ترامب الجديدة تجاه إيران: الرهان على الوقت بدلًا من القوة
واشنطن: تشهد المقاربة الأمريكية للحرب مع إيران تحولًا لافتًا، بعد أشهر من التصعيد العسكري والتهديدات المتبادلة التي لم تنجح في دفع طهران إلى تقديم تنازلات حاسمة. وبدلًا من توسيع العمليات العسكرية أو تكثيف المسار الدبلوماسي، تتجه إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى استراتيجية تقوم على الانتظار وتشديد الضغوط الاقتصادية، في رهان على أن يؤدي استنزاف الاقتصاد الإيراني بمرور الوقت إلى تحقيق ما لم تستطع القوة العسكرية تحقيقه.
وبحسب تحليل للصحفي جوناثان لومير نشرته مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية في 11 أغسطس 2026، يمكن تلخيص المقاربة الجديدة بأنها استراتيجية «عدم فعل أي شيء تقريبًا»، إذ تتراجع واشنطن عن الاندفاع نحو عمل عسكري مباشر جديد، مقابل الاعتماد بصورة أكبر على العقوبات المالية والحصار البحري للموانئ الإيرانية.
من التصعيد إلى الانتظار
يأتي التحول بعد إخفاق المقاربات التي جربها ترامب منذ بداية الحرب. فحملة القصف المحدودة لم تنه الصراع، كما لم تؤد تهديداته المتكررة إلى تغيير جذري في موقف طهران. وفي المقابل، واصل المسؤولون الإيرانيون تعديل شروطهم التفاوضية كلما بدا أن المفاوضات تقترب من تحقيق اختراق.
وتقوم الحسابات الجديدة في البيت الأبيض على الاعتقاد بأن الضغوط الاقتصادية يمكن أن تكون أكثر فاعلية إذا مُنحت الوقت الكافي. ووفق «ذي أتلانتك»، عرض مساعدو ترامب عليه بيانات وإحصاءات تشير إلى التأثير المتزايد للعقوبات على الاقتصاد الإيراني، وهو ما عزز قناعته بأن استمرار الضغط قد يدفع طهران في النهاية إلى التراجع. وقد عبّر ترامب عن هذه القناعة علنًا بوصف إيران بأنها «مفلسة تمامًا».
لكن هذه المقاربة تأتي بعد سلسلة من التقديرات الأمريكية التي لم تتحقق. فقد توقع ترامب في بداية الحرب أن تنتهي المواجهة خلال أسابيع قليلة، كما اعتقد أن إيران لن تقدم على إغلاق مضيق هرمز رغم تحذيرات البنتاغون، فيما أخفق مجتمع الاستخبارات الأمريكي أيضًا في توقع قدرة النظام الإيراني على الصمود أمام الضغوط الاقتصادية.
هرمز في قلب الحسابات الأمريكية
يشكل مضيق هرمز أحد العناصر الأساسية في حسابات الإدارة الأمريكية. ويشير التحليل إلى أن وزير الخزانة سكوت بيسنت حاول إقناع ترامب بأن أهمية المضيق ستتراجع بصورة كبيرة خلال العامين المقبلين، مع توقع انتقال نسبة كبيرة من تدفقات الطاقة التي تمر عبره إلى خطوط أنابيب برية.
وبحسب ما أورده المقال، أبلغ بيسنت ترامب بأن ما يصل إلى 70 في المئة من الطاقة التي تعبر المضيق قد تنتقل مستقبلًا عبر خطوط أنابيب تحت الأرض، وهو ما قد يقلل تدريجيًا من قدرة إيران على استخدام المضيق ورقة ضغط استراتيجية.
في الوقت نفسه، ما زالت المفاوضات تواجه عقبات كبيرة. فقد غيرت طهران مطالبها مرة أخرى في اللحظات الأخيرة، مطالبة الولايات المتحدة بتعويضات عن الخسائر التي تكبدتها خلال خمسة أشهر من الحرب. ورفضت واشنطن هذا الشرط، فيما رد ترامب بالمطالبة، في المقابل، بتعويضات عن قتلى القوات الأمريكية على مدى العقود الماضية وعن عائلات المتظاهرين الإيرانيين الذين قتلوا خلال العقود الخمسة الأخيرة.
أزمة الذخائر عامل خفي
غير أن التحول الأمريكي لا يرتبط بالاقتصاد الإيراني وحده. إذ يكشف تحليل «ذي أتلانتك» عن عامل آخر ربما يكون أكثر حساسية بالنسبة إلى واشنطن، ويتمثل في استنزاف مخزونات بعض الذخائر الأمريكية الحيوية خلال الحرب.
ويشير المقال إلى أن مخزون بعض منظومات الدفاع الصاروخي تراجع إلى نحو 20 في المئة فقط من المستوى الذي يرغب البنتاغون في امتلاكه. ويضع هذا النقص الولايات المتحدة أمام معضلة استراتيجية، لأن استمرار استنزاف هذه المنظومات لا يؤثر فقط في قدرتها على مواجهة إيران، وإنما قد يحد أيضًا من قدرتها على حماية مصالحها وقواتها في آسيا أو مواصلة تزويد أوكرانيا بالأسلحة.
وتكتسب هذه المشكلة أهمية أكبر في ضوء قدرة إيران على اختراق بعض الدفاعات الأمريكية. ويورد المقال مثالًا على ذلك باختراق صاروخ إيراني الدفاعات الجوية في قاعدة أمريكية بالأردن وانفجاره في ثكنة تؤوي جنودًا أمريكيين. كما يشير إلى اتخاذ الخدمة السرية إجراءات أمنية استثنائية لحماية ترامب خلال مغادرته قمة حلف شمال الأطلسي في تركيا، بعد تقييم تهديد أمني بأنه يتمتع بدرجة عالية من المصداقية.
وبذلك، تبدو استراتيجية الانتظار أقل ارتباطًا بضبط النفس باعتباره خيارًا سياسيًا مجردًا، وأكثر اتصالًا بمحاولة منح الولايات المتحدة مساحة زمنية لاستعادة قدراتها العسكرية، بالتوازي مع استمرار استنزاف إيران اقتصاديًا.
هل يستطيع ترامب الانتظار؟
تبقى المشكلة الرئيسية في هذه الاستراتيجية مرتبطة بمدى قدرة ترامب نفسه على الالتزام بها. فنجاح سياسة الضغط الاقتصادي يحتاج إلى وقت، في حين يشير لومير إلى أن أسلوب الرئيس السياسي يقوم غالبًا على سرعة الاستجابة للأحداث والرغبة في تحقيق نتائج فورية.
وتزداد احتمالات تعرض الاستراتيجية للاهتزاز مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، خصوصًا إذا تحول ارتفاع أسعار الوقود إلى عبء انتخابي على المرشحين الجمهوريين. وينقل المقال عن مساعدين لترامب خشيتهم من أن يكون منشور غاضب واحد على منصة «تروث سوشيال» كافيًا لتقويض الخطة ودفع الولايات المتحدة مجددًا نحو التصعيد.
ويستحضر لومير في هذا السياق وصف مستشار ترامب السابق ستيف بانون للرئيس بأنه لا يسعى إلى كسب «دورة إخبارية»، وإنما إلى كسب «لحظة إخبارية» واحدة، معتبرًا أن هذه السمة أصبحت أكثر رسوخًا مع مرور الوقت. ولذلك، فإن الاختبار الحقيقي للاستراتيجية الجديدة قد لا يكون قدرة العقوبات الأمريكية على إنهاك الاقتصاد الإيراني بقدر ما سيكون قدرة ترامب على مقاومة إغراء الرد العسكري على التطورات الميدانية والسياسية المتلاحقة.
رهان مزدوج
في المحصلة، تعكس المقاربة الجديدة رهانًا أمريكيًا مزدوجًا: أن يتدهور الوضع الاقتصادي الإيراني بوتيرة أسرع من قدرة طهران على التكيف معه، وأن تتمكن واشنطن في الوقت نفسه من تجنب جولة عسكرية جديدة بينما تعيد بناء مخزوناتها الدفاعية.
لكن نجاح هذا الرهان يتطلب عنصرًا لم يكن حاضرًا بقوة في إدارة ترامب للحرب حتى الآن: الصبر. فبعد أن أخفقت القوة العسكرية والتهديدات في فرض نهاية سريعة للصراع، أصبحت واشنطن تراهن على الزمن باعتباره أداة ضغط بحد ذاته. غير أن استمرار هذه السياسة سيظل مرتبطًا بتطورات الميدان، والضغوط الداخلية الأمريكية، والأهم بمدى استعداد ترامب للتمسك بسياسة الانتظار عندما يظهر أول تطور يدفعه مجددًا نحو خيار «فعل شيء ما».
وتجدر الإشارة إلى أن جانبًا من المعلومات التي استند إليها تحليل «ذي أتلانتك»، ولا سيما ما يتعلق بالمداولات الداخلية للإدارة ودوافع التحول الاستراتيجي، نُسب إلى مسؤولين أمريكيين تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، ولم يخضع لتأكيد رسمي مستقل، وفق الملاحظة المنهجية المرفقة بالنص.